أميركا: الفن لدعم الصحة النفسية بين الأقليات العرقية

لوس أنجلوس
لميس أنس
01 يوليو 2015
+ الخط -



منذ أن قدمت منى بريجية، إلى الولايات المتحدة تاركةً أسرتها وأصدقاءها الذين تحب، وهي لا تكف عن التفكير فيهم، وكأن سنوات الغربة التي قضتها لا تزيدها إلا شوقاً وحنيناً لهم، ولمدينتها القدس.

ولعل ذلك ما دفعها إلى الانخراط في نشاطات المنظمات والمراكز العربية غير الربحية الموجودة في جنوب كاليفورنيا، والتي من بينها منظمة AccessCal التي تعنى بشؤون المهاجرين العرب، وتساعدهم على التأقلم مع الظروف الجديدة.

من النشاطات التي شاركت فيها منى، أخيراً، كان صفاً للرسم، اكتشفت خلاله قوة تأثير الفن على الصحة النفسية.

وتقول منى لـ"العربي الجديد": "عرفت من خلال هذا الصف أن الرسم يساعدنا على التعبير عمّا في داخلنا. أحببت كيف أن المدرّسة، سما الورع، كانت تطلب منّا رسم أي شيء من مخيلتنا، ومن ثم كانت تعلق الصور أمامنا ليتحدث كل منا عن لوحته. هنا اكتشفت سر الفن الذي لم أكن أعرفه. إذ يعتقد الشخص أن ما رسمه ليس له أهمية، ولكن عندما يبدأ في تفسير لوحته، يبدأ في التعبير عن مشاعره التي تجول في داخله".


دروس الرسم التي تلقتها منى وزملاؤها كانت جزءاً من سلسلة ورش عمل فنية عقدتها المجتمعات العرقية المختلفة في مقاطعة أورانج جنوب كاليفورنيا، في إطار مبادرة تنظمها "Multi-Ethnic Collaborative of Community Agencies" للسنة الثالثة على التوالي، بهدف رفع الوعي بالصحة النفسية، ونبذ النظرة السلبية المحيطة بها، من خلال الفن بشتى أشكاله.

المجموعة العربية كانت من ضمن عدد من المجموعات العرقية المشاركة في المبادرة، ومن بينها الفارسية، والفيتنامية، والكورية، واللاتينية، والصينية، وهي مجتمعات مهاجرة، غالباً ما تثني النظرة السلبية المتعمقة فيها تجاه الاضطرابات النفسية، أبناءها عن طلب المساعدة.

"خلال الفترة التي شاركت فيها بدورة الرسم، كنت أمر بفترة صعبة. عندما بدأت في الرسم، لونت لوحة بالأسود، وأبرزت ألواناً أخرى. سميت رسمتي "الأمل: بالرغم من كل السواد، يبقى هناك أمل". وهذا ما أؤمن به في الحقيقة. فمهما كانت حياتنا صعبة وتشوبها المآسي، سيبقى هناك بصيص أمل في النهاية. عندما رسمت هذه اللوحة لم أكن أعرف ما أنوي رسمه، أو ما هي مشاعري. ومن هنا أيقنت أن الرسم يجعلنا ندرك مشاعرنا الحقيقية".

منى طالبة تدرس الفن، وتعمل، أيضاً، في مجال الإرشاد الأسري، تشير إلى أنها تدرك تماماً ما يحيط بموضوع الصحة النفسية من معتقدات سلبية وخاطئة. ومن هنا أرادت المشاركة في هذا النشاط لرفع الوعي بأهمية الفن في خدمة الصحة النفسية والقضاء على وصمة العار المتعلقة بها. وتضيف "كلنا نتعرض لضغوط الحياة، وليس بالضرورة أن يكون الإنسان مريضاً نفسياً إذا قرر أن يستشير معالجاً نفسياً، بل من الطبيعي ذلك. فلكل منا مشاكله، ومن الجميل أن نكون قادرين أن نتحدث إلى شخص ما، أو أن نعبر عمّا في داخلنا بطرق مختلفة ومنها الفن الذي بالفعل أعتبره تفريغاً نفسياً للضغط والتوتر الذي يتملكنا".

ولم تكتف المجموعة العربية بالتعبير من خلال الرسم، وإنما، أيضاً، من خلال الكتابة، والتي تقول منى إن معظم المشاركين عبروا بها عن شعورهم بالغربة والحنين للوطن، والحروب التي تعاني منها أوطانهم في الشرق الأوسط.


وقد تنوعت الورش الفنية باختلاف المجموعات العرقية المشاركة، إذ اختارت كل مجموعة نوعاً فنياً مألوفاً بالنسبة لها، ففي حين اختارت المجموعة العربية والمسلمة الرسم، اختارت المجموعة الكورية القرع على الطبول، بينما اختارت مجموعة لاتينية فن الدراما والرقص، واختارت أخرى فن الـ Migajon، وهي ممارسة مكسيكية تقوم على صب عجينة الخبز بأشكال فنية. وأما الفريق الفارسي فذهب إلى الشعر، والمجموعة الصينية اتجهت إلى تنسيق الزهور.

سلسلة الورش الفنية هذه توجت، أخيراً، بمهرجان فني، تم خلاله عرض الأعمال الفنية للمشاركين جميعاً، إذ اشتمل المهرجان على مجموعة من العروض الفنية الموسيقية والراقصة، وعلى عرض اللوحات والأعمال الفنية التي نفذها المشاركون.

نانسي عطا الله من AccessCal تحدثت لـ"العربي الجديد" عن أهمية مشاركة منظمتها في المبادرة. وقالت "مشاركة المجموعة العربية والمسلمة في مبادرة كهذه مهمة جداً، لأنها ستساهم في رفع الوعي بالصحة النفسية بين أبناء مجتمعنا المحلي، ونبذ الأفكار السلبية المحيطة بذلك. من المهم جداً لدينا أن يدرك مجتمعنا هنا أنه قد يعاني من العزلة، وعدم الوعي الكافي بالصحة النفسية والعقلية. ونحن بدورنا نؤكد لأبناء المجتمع أن هذا الموضوع ليس مخيفاً، وبإمكانهم الحديث إلينا عن أية ضغوطات نفسية أو عملية يمرون بها. فأبوابنا مفتوحة، ولدينا من يتحدث لغتهم ويفهم ثقافتهم، ونحن على استعداد تام لتقديم المساعدة".

واعتبرت عطا الله أن المهرجان لا يتيح فقط الفرصة لعرض الأعمال الفنية للمشاركين من مختلف الجماعات العرقية في مكان واحد، وإنما، أيضاً، يخول عرضها أمام الجمهور، والمساهمة في رفع مستوى الوعي بقضايا الصحة العقلية. وأشارت إلى أن المهرجان يعتبر فرصة لعرض أعمال طلاب الرسم، وكذلك أعمال الفنانين المعروفين في المجتمع العربي الأميركي، أمثال الفنانين سما الورع وأكثم عبد القادر.

اقرأ أيضاً:الرسم.. يكشف حجم معاناة أطفال غزّة تحت القصف

المساهمون