أميركا: آسفة ولكن..

أميركا: آسفة ولكن..

11 أكتوبر 2014
الصورة

جو بايدن ... اتهام صار زلة لسان (10 أكتوبر/2014/Getty)

+ الخط -

فجأةً، خرج جو بايدن (71 عاماً)، نائب الرئيس الأميركي باراك أوباما، عن "طوره". وجّه اتهاماته عن تمويل وتأطير تنظيم الدولة الاسلامية (داعش) يمنة ويسرة. أوصل كلامه إلى قلب الشرق الأوسط، من الإمارات إلى تركيا، وما بينهما. تصرّف الآتي من ولاية ديلاوير، أصغر ولايات الولايات المتحدة (تحتلّ المركز 45 من أصل 50 ولاية)، وكأنه أحد "المستجدّين" في العالم السياسي. كشف عن كلامٍ خطير في جامعة هارفارد. كان خميساً أسود، ذاك الـ2 أكتوبر/تشرين الأول الحالي. ضرب "بيغ جو" في كل مكان. ظنّ بعض الغلاة والمتحمّسين أن "شيئاً ما يتغيّر أميركياً"، غير أن الأمر لم يكن سوى تناقضات أميركية اعتيادية، اختُصرت بـ"زّلة لسان".
ضرب "بيغ جو" ضربته، ثم انصرف إلى تصحيحها، وزيّنت عبارة "أنا آسف" جميع مكالماته وأحاديثه. بدا لوهلة وكأنه "الأسبوع العالمي للاعتذار". أسبوع لم يقدّم فيه أحدٌ اعتذاراته سوى واشنطن، وكأن الولايات المتحدة "ضعُفت" إلى درجة أنها باتت توزّع الاعتذارات في كل مكان، ومجّاناً. لكن، واشنطن لا تعتذر، لأنها باتت أقل قوة عن ذي قبل، أو لأن أحداً ما أقوى منها، حتى إشعارٍ آخر، بل اعتذرت لأسباب عدة. ويقيناً القول إن باعتذار أميركا أو عدمه، ستستمرّ الحياة، وبزعامة أميركية.
اعتذر من كان سيناتور ديلاوير منذ عام 1973، علناً، لأن "الحاجة تقتضي الاعتذار". لم يتغيّر شيء. استمرّت الحياة كما هي. الغارات الأميركية ضمن هجوم قوات التحالف الدولي ضد "داعش" في العراق وسورية استمرت، وتستمرّ. النقطة ليست هنا. النقطة أبعد من اعتذار. لم يمرّ أي اعتذار أميركي بسلام، لا في هيروشيما وناغازاكي، ولا في فييتنام وباكستان. كما يأتي اعتذار بايدن، قبل "حدوث شيءٍ ما". شيء من المفترض أن يبدّل مسار الشرق الأوسط، وآخر ما تحتاج إليه الادارة الأميركية، في مثل هذه الظروف، "نار صديقة" أو "نار عدوة" مع حلفاء وغير حلفاء، قد تشيح النظر، بعض الشيء، عن الهدف الأساسي، المنحصر بضرب "داعش".
وإذا كان بايدن قد هبّ لتوزيع اعتذاراته، فإن سيد ديبلوماسيته، وزير الخارجية جون كيري، كان واضحاً في الإعلان أن "مدينة عين العرب لا تُشكّل أهمية استراتيجية للولايات المتحدة". أكيد. إن النفط أهم، فالدفاع عن أربيل، وخلفها آبار النفط شيء، وترك عين العرب في مهبّ الريح شيء آخر. لا يحتاج كلام كيري إلى اعتذار. المسألة واضحة: المصالح الأميركية أولاً. تماماً كما حصل مع المعارضة السورية، حين لم تتطلّع، لا واشنطن، ولا المجتمع الدولي، إليها، وتُركت تعاني، إلى أن بدأ الحديث عن تدريبات عسكرية ومساعدات غذائية وطبية، بعد خراب البصرة. أيضاً وأيضاً، لا يحتاج الأمر إلى اعتذار، ولو سقط 200 ألف سوري في ثلاث سنوات ونيّف، ونزح الملايين غيرهم. لمَ الاعتذار، فهناك أمور "أكثر استراتيجية" من الشعب السوري ومن عين العرب.
 بالطبع، لن تلحظ الاستراتيجيات الأميركية المدينة الكردية السورية، فهناك "الحسابات الإقليمية والمحلية"، وغيرها من التعابير الديلوماسية، وهناك أمر عملياتٍ يتعلّق بجمع الحلفاء في خندق واحد لمواجهة تنظيم، احتاج إلى أيام قليلة ليسيطر على مساحة تتجاوز الـ200 ألف كيلومتر مربع، بنيما تعلن واشنطن حاجتها إلى سنوات للقضاء عليه. تلك "الحسابات" لم تكن واردة، لا في شبه الجزيرة الكورية، ولا في كوبا، ولا في غرينادا وبنما وأفغانستان والعراق...
لا تقيّد الحركية الأميركية حسابات ولا اعتذارات، فكلّه يهدف إلى خدمة الأهداف الفعلية للولايات المتحدة في الشرق والعالم، والتي يُمكن تلخيصها بـ"الهيمنة". صحيح أن بايدن اعتذر وكيري لا. لكن، الأمر ليس مهماً على الاطلاق. ما يهمّ أن الولايات المتحدة تتصرّف بوحي من بيئة الشرق. ففي الشرق، لا مجال لحقوق الإنسان. هناك فقط نفط وبترول، والباقي تفاصيل.