أليكسس رايت: اللجوء مصير البشرية

26 يوليو 2015
الصورة
أليكسس رايت (تصوير: مارتين أرغلز)
+ الخط -

كيف تجسّد الروايات الطريقة التي نتفاعل بها مع العالم من حولنا؟ سؤال معقّد، ويصبح أكثر صعوبة حين يتغيّر المشهد ذاته سريعاً بسبب تغيّر المناخ. الروايات التي التصقت ذات يوم بأجمةِ أشجار معيّنة لا يعود لها مكانٌ حين تختفي تلك الأشجار، والقصائد التي تذكر أنواعاً محدّدة من طيور في طريقها إلى الانقراض؛ معرّضة لأن تصبح بلا معنى، أو أن تصير أساطير لن تؤمن بها أجيال المستقبل.

أمّا السرديات، التي تمتلك جذوراً في المكان، فتواجه علاقتُها الوثيقة بموضوع معيّن عدّاً تنازلياً متسارعاً. وهناك سؤالٌ أيضاً عن الرواة؛ فحين يُقتلع شعبٌ من مكانه يأخذ معه قصصه، ويودعها حيث يحلّ، على أمل أن تنجو لغته وأدبه من عملية الذوبان والتلاشي.

الكاتبة أليكسس رايت (1950)، تتناول هذه الموضوعات وتواجهها مباشرة في روايتها "كتاب البجع" التي تقع أحداثها في مستقبل "انقلبت فيه البيئة رأساً على عقب"، وجاءت "تغيّرات المناخ وحروبه" بملايين إضافية من اللاجئين.


تُلقي الرواية نظرة حادة على المسار الذي نحن فيه، وتجسّد المآل الخرب الذي ينتظرنا. تنقّب صاحبة "سهول الوعود"، في روايتها المفعمة بالغنائية والخيال، في قضايا العرق والهوية واللاجئين وتغيّرات المناخ والسياسة بالثقة ذاتها. وتتوهّج قدرتها على تصوير العالم بشكل حيّ.

في حديث إلى "العربي الجديد" تقول رايت: "جئتُ من خلفية ثقافية يؤمن الناس فيها أننا هنا منذ زمن سحيق. إنها علاقة نشأت وترعرعت طيلة آلاف السنين؛ علاقتنا بالبلد والأرض وكل شيء فوقها علاقة عائلية تقريباً، فهي أخي وأختي وطفلي وأمي. رباط وثيق بكل شيء موجود على الأرض من الهواء إلى البحر".

وليس سرد رايت الروائي إلا انعكاساً لهذه العلاقة، إذ تستخدم تيار وعي يمزج الماضي بالحاضر، والأسطورة بالواقع، والناس بالطبيعة، مزجاً حرفياً بكل ما في الكلمة من معنى.

ينطبق هذا، على نحو خاص، على بطلة الرواية أوبليفيا التي عُثر عليها في قلب جذور شجرة كينا (أوكالبتوس) عتيقة، حيث قضت عشر سنوات غارقة في نوم عميق. هل حدث هذا فعلاً؟ الأمر ليس واضحاً. ولكن الواضح أنها كانت ضحية عصابة اغتصبتها، وتتكشّف أحداث الرواية شيئاً فشيئاً عن المزيد من صور هذه الصدمة.

منذ اغتصابها تصاب أوبليفيا بالخرس، وتعيش في مستنقع مع منقذتها، وهي لاجئة أوروبية تطلق على نفسها اسم "بيلا دونا المقاتلين"، أي سيدة المقاتلين الجميلة. وبيلا دونا هذه المأخوذ اسمها من اللغة الإيطالية، هي الناجية الوحيدة من بين آلاف مؤلفة من اللاجئين، وتعتقد أن بجعة بيضاء هي التي قامت بحمايتها، وقادتها إلى شمال أستراليا، حيث بحيرة البجع، "وهو معسكر احتجاز من معسكرات العالم المجهولة تماماً"، يقوم على حراسته جيش، والأغلبية الساحقة من سكانه هم من الأبورجين.

الصلة بين هؤلاء وبين اللاجئين ليست صلة بلا معنى؛ فهم أيضاً أقليات خرساء مضطهدة تخوض معركتها ضد التمييز، تماماً مثلما يرمز خرس أوبليفيا إلى كفاحها من أجل إسماع صوتها.

في أحد مقاطع الرواية، نقرأ: "بلغ بهم الخرس حد أنهم لا يستطيعون الكلام عن خسارة كانت فادحة. وجعلتهم الخسارة يشعرون أنهم منخلعون عن أجسادهم، تائهون بلا مرسى، قابلون للانجراح، منفصلون عن الأبدية؛ لقد تمت إبادتهم. وأطلقوا على أنفسهم لقبَ "أناس ملعونين"، وشعروا أنهم يتجوّلون في بلدهم مثل غرباء".

أهالي أستراليا الأصليون، الأبورجين، يعيشون ويعانون تجربة المحو الثقافي التي يعيشها ويعانيها اللاجئ الذي لا يزال في وطنه الأصلي، بسبب اقتلاعهم قسراً من أراضيهم على يد الحكومة. وهي عملية مستمرّة حتى اليوم، فهم يعانون الانفصال عن أراضيهم القبلية، والأماكن التي يعتبرونها مقدّسة. هذه المصائب تسبّب صدمة فردية وجماعية على حد سواء، وهي متحرّكة ومتواصلة وليست ساكنة.

عن ذلك توضّح رايت: "أدركُ تماماً ما يعنيه اقتلاع الأبورجين من أماكنهم، ومشاعري هذه تشمل كل الذين اقتُلعوا من أماكنهم في مختلف أنحاء العالم بحجج عرقية وكوارث إثنية واجتماعية واقتصادية وطبيعية".

تصارع المرأتان، أوبليفيا وبيلا دونا، جرحهما، كلٌ على حدة. اقتلاعهما من مكانيهما والاغتصاب وما أعقب ذلك، وأحداث مرعبة لا نهاية لها، هي جراح لا مفر من التعايش معها ذهنياً ونفسياً.

ومع أن موضوع قمع أهالي البلاد الأصليين بارز وجليّ كنتيجة، إلا أن صاحبة رواية "كاربنتاريا" تطرح أيضاً أن تغيّر المناخ سيجعل الناس كلهم لاجئين، بغض النظر عن ألوانهم وعقائدهم.

"هذه قضية كبيرة تزداد سوءاً يوماً بعد يوم، إلى درجة أننا لا نستطيع حتى معالجة ما يحدث الآن. هل سنكون، ككائنات إنسانية، أفضل في كيفية تعاملنا مع بعضنا البعض في السنوات المقبلة؟ لا أدري. كان هذا جزءاً من غايتي. هذه رواية يمكن أن تحدث لأي شخص، ونحن بحاجة إلى التفكير في هذا الأمر، والعالم يحتاج إلى التفكير فيه أيضاً".

ترجمة: محمد الأسعد

دلالات