ألبرتو جياكوميتي.. الرجل الذي يمشي ضد واقعه

14 يوليو 2020
الصورة
منحوتة رجل يمشي في محترف الفنان (موقع مؤسسة جياكوميتي)

بعد انتهاء الحرب العالمية الثانية، تعمّقت تأمّلات ألبرتو جياكوميتي في هشاشة الإنسان ووجوده القلق ومصيره المجهول، والتي انعكست في حواراته مع العديد من أصدقائه المقرّبين وكان في مقدّمتهم جان بول سارتر عن ذلك الفرد الذي يسير وحيداً مثل الشجرة التي فقدت أوراقها في فصل الشتاء.

في عام 1947، قدّم الفنان السويسري (1901 - 1966) أولى منحوتاته "رجل يمشي" المشغولة من البرونز، حيث لن يتوقّف هذا الكائن عن المشي في أعماله اللاحقة حتى رحيله، في حضور شبحي مرعب يمثّل أفضل تعبير عن صدمة ما بعد الحرب التي هيمنت على الأدب والفنون آنذاك.

"الرجل الذي يمشي.. أيقونة فن القرن العشرين" عنوان المعرض الذي افتتح في الرابع من الشهر الجاري بمؤسسة جياكوميتي في باريس، ويتواصل حتى التاسع والعشرين من تشرين الثاني/ نوفمبر المقبل، حيث جُمعت لأول مرة كافة الأعمال التي تتضمّن أناساً يمشون في فضاء واحد.

يتتبّع المعرض تاريخ الفكرة التي استفزّت العالم خلال القرن الماضي، عبر رصد تحوّلاتها منذ الفترة التي انتمى فيها جياكوميتي إلى السريالية ثم تبنّيه الوجودية، وهنا بدا تشكيله للإنسان محكوماً بالشك والاغتراب اللذين يدمّران وجوده، وتبدو المرأة في حالة انهيار نتيجة تعرّضها إلى الضرب والتعنيف في منحوتات أخرى.

تُعرض الأعمال مصحوبة بعدد من الوثائق والرسومات غير المنشورة
 

تُعرض هذه الأعمال مصحوبة بالعديد من الوثائق والرسومات غير المنشورة، حيث نحَت "امرأة تمشي" عام 1932 دون أن يحمّلها مفاهيمه التي برزت بعد نحو خمسة عشر عاماً، لكنها تظلّ نموذجاً أساسياً لفعل بشري استحوذ على تفكير الفلاسفة والفنانين بدلالاته المتعدّدة المرتبطة بمعنى الإنسان وتحقّقه في المكان.

يشير بيان المنظّمين إلى أن جياكوميتي استعار الشكل الطولي النحيل من نقوش الحضارة المصرية القديمة، كما كان يراقب من شرفة المقهى الشارع ليرسم المارّة في حياتهم اليومية، ومن ذلك قطعة "إنسان بين منزلين" (1950).

تُعرض أيضاً تماثيل "ثلاثة رجال يمشون" (1948)، و"المربع" (1948)، و"رجل يعبر ساحة" (1949) التي تترجم النظرة الزائلة للحياة تعكسها حركة الأشخاص في الفضاء الذي يوجدون فيه، حيث هم قريبون من بعضهم بعضاً لكنهم عاجزون عن التواصل في تجسيده المكثّف لعزلة الإنسان كما تمثّلها جياكوميتي.

يتنامى هذا الذعر في منحوتاته خلال الخمسينيات، حيث البشرية جمعاء تائهة وضائعة تهرول نحو نهايتها بلا غاية أو معنى، وتتعمّق لديه فكرة تشابه الإنسان مع واقعه الذي تزداد اغتراباته فيه حدّ الانفصال عنه، وأن الضعف الإنساني لا حدود له حيث نمشي لكننا واقفون في المكان نفسه.

انشغل جياكوميتي بذلك الفراغ الشاسع الذي يحيط بشخصياته، يؤجج توتّرها ويشير دوماً إلى عدم استقرارها حيث التجويع والقتل والتعذيب والتهميش مستمر رغم أن الحرب يبدو أنها انتهت؛ ذلك الهاجس الذي لم يفارق الفنان في سنواته العشرين الأخيرة، فالإنسان يستهلك ذاته ويموت ببطء دون أن ينتبه أحد لذلك.