أفغانيات في قلب الحرب

17 يونيو 2020
الصورة
الحمل ثقيل جداً (فرشاد أوسيان/ فرانس برس)

ما زالت المرأة حول العالم تُعَدّ من الفئات الهشّة، إذا لم تكن الأكثر هشاشة، لا سيّما وسط الصراعات بمختلف أشكالها. وفي أفغانستان، تعاني النساء ضحايا الحرب في ظلّ إهمال واضح إزاءهنّ من قبل الجهات المعنية

خطفت الحرب في أفغانستان اثنَين من أبناء أم جميل، أرملة أفغانية سبعينية من سكان مديرية خوجياني في إقليم ننجرهار شرقي البلاد. واليوم، تجد نفسها مضطرة إلى العمل في الخدمة المنزلية وفي الحقول من أجل كسب لقمة عيش أحفادها، فيما كانت تكتفي بإدارة شؤون أسرتها حين كان ابناها لا يزالان على قيد الحياة. يُذكر أنّ الأوّل كان في صفوف الجيش، والثاني كان يعمل في محلّ بقالة له قريباً من منزله. تقول أم جميل لـ"العربي الجديد": "صرت أرملة في عزّ شبابي، وتحمّلت عناء كبيراً على أمل أن يكبر ولداي وأرتاح، علماً أنّ إخوة زوجي وأقاربه ساعدوني في تلك الفترة". تتابع أم جميل: "ابني الذي التحق بالجيش لمدّة ثلاثة أعوام، لقي حتفه في معركة مع طالبان في إقليم هلمند جنوبي البلاد، ولم يتبقّ لي سوى زوجته وابنَيه. أمّا ابني الثاني الذي كان يتدبّر أمور المنزل، فقد قُتل فجأة من دون معرفة السبب، وهو في طريقه إلى المنزل في إحدى الليالي قبل عام ونصف العام تقريباً. هكذا وجدت نفسي مضطرة إلى العمل في منازل الناس وفي حقولهم لإعالة عائلتَي ولدَيّ".




أمّا الجدّة درخاني من إقليم غازني في وسط أفغانستان، فإنّ سنّها وعجزها الجسدي لم يسمحا لها بالعمل، فراحت بالتالي تتسوّل في شوارع المدينة. قصة درخاني مؤلمة، وكثيرون يعرفونها إذ أثيرت في وسائل الإعلام المحلية. فقد قُتل ثلاثة من أبنائها كانوا في صفوف القوى الأمنية، آخرهم قبل أشهر عدّة، وبقي لها منهم 15 حفيداً من دون معيل، علماً أنّ أمهاتهم لا يستطعنَ الخروج من المنزل بحكم الأعراف السائدة لأنهنّ شابات. بالتالي، فإنّ الجدّة درخاني هي المعيلةة الوحيدة التي تتجوّل في شوارع مدينة غزنة وتستعطي من دون أن تتمكّن من جمع ما يكفي لقوت أحفادها اليومي. يُذكر أنّها تتحدّر من قبائل منطقة أندار في إقليم غازني، لكنّها بعد مقتل أبنائها الثلاثة، انتقلت إلى غزنة تاركة وراءها منزلاً وأراضي زراعية. وهي تكسب يومياً أقلّ من 100 أفغانية ما يعني دولاراً أميركياً ونصف الدولار، وهو نبلغ لا يكفي لغذاء أسرتها، غير أنّ بعض أهل الخير يساعدونها. بالنسبة إلى هذه المرأة السبعينية، فإنّ حلمها الوحيد هو أن ينام أحفادها وقد سدّوا جوعهم، فيما لديهم ما يكفي من طعام لأيام عدّة.

في هذا السياق، يقول الناشط الأفغاني لطف الله حفيظ لـ"العربي الجديد" إنّ تلك القصّتين عيّنتان من "آلاف القصص التي تكشف كيف دفعت نساء أفغانستان أثماناً باهظة للحرب وتبعاتها، فيما المجتمع الدولي والحكومات الأفغانية المتعاقبة لم تتخذ خطوات جادة من أجل تغيير أوضاع النساء، لا سيّما ضحايا الحرب". يضيف أنّ "كلّ المال الذي يرسل من قبل المجتمع الدولي لتحسين أحوال النساء، يُصرف في مشاريع لا جدوى منها تستهدف نساء القرى وضحايا الحرب"، لافتاً إلى أنّ "الحكومة تدّعي أنّ النساء أخذنَ حقوقهنّ وأنّها عملت من أجلهنّ، لكنّ النساء بمعظمهنّ هنّ في الواقع محرومات وضحايا الحرب".



وثمّة صور مختلفة لمعاناة المرأة الأفغانية بسبب الحرب. على سبيل المثال، في الأيام الأخيرة، خُطف شاب يُدعى حسيب الله (20 عاماً) من منطقة خوشحال خان في العاصمة الأفغانية كابول، وهو ابن أرملة خسرت زوجها في الحرب. اختطف الشاب من أجل ما يعرف بالإتاوة المالية، وتلك الأحداث تتكرر بشكل يومي. لمّا علمت الأم بذلك، أصيبت بنوبة قلبية لتتوفى في اليوم التالي. لم تحتمل ابنتها الصدمة، فأقدمت على الانتحار بعد يومَين من وفاة أمها. وهكذا تلاشت هذه الأسرة الصغيرة.

من جهتها، كانت صبر غوله وهي من سكان إقليم أوروزجان (وسط) قد خرجت مع عشرات من النساء قبل أيام للتظاهر من أجل جذب انتباه المجتمع الدولي داعيات إلى تصحيح مسار الحكومة في التعامل مع ضحايا الحرب من النساء. وهي كانت قد فقدت زوجها بسبب الحرب، وها هي اليوم تعيل أسرتها لأن ابنها الأكبر ما زال في الثامنة من عمره.

تقول الناشطة الأفغانية ظريفة غفاري وهي عمدة مدينة ميدان شهر عاصمة إقليم وردك (وسط) الحاصلة على جائزة "المرأة الشجاعة" الأميركية، لـ"العربي الجديد"، إنّ "آثار الحرب تبقى مدمّرة مهما كانت الجهود كبيرة، وهي تطاول جميع النساء كونهنّ شريحة مهمّشة". لكنّها تلفت إلى أنّ "المرأة أحرزت تقدّماً كبيراً في خلال العقدَين الأخيرَين، لكنّها ما زالت متأثرة بالحرب مهما بلغت من مناصب ومهما أحرزت من تقدّم".

تاج بي بي امرأة أفغانية أخرى طاولتها الأحداث في البلاد، إذ اغتيل ابنها سميع الله أخيراً في مدينة جلال أباد (شرق) لأنّه كان يعمل في وزارة الداخلية، فأصيبت بصدمة نفسية. تقول لـ"العربي الجديد": "كانت صحتي جيّدة جداً، ولم أكن أعاني أيّ أمراض، سوى بعض آلام في ظهري. لكن بعد مقتل ابني، تدهورت حالي ولم أعد قادرة على النوم من دون عقاقير. وفي النهار، أتشاجر مع الناس وأكلّم نفسي من دون أن أتنبّه لذلك".

وما زالت قصة وفاة تلك المرأة في إقليم ننجرهار في مايو/ أيار الماضي تضجّ في البلاد. فهي توفيت بعدما أدخل إلى بيتها جثامين أربعة قتلى سقطوا في هجوم انتحاري استهدف جنازة زعيم قبلي في الإقليم. وقد حكى أحد أقاربها ويدعى بلال لوسائل إعلام محلية أنّ "زوجة عمّي توفيت بعدما أدخلت أربعة جثامين مرّة واحدة إلى منزلها، وجميع هؤلاء من أسرتنا، وهم حموها واثنان من أبنائه وأخوها".

وفی التاسع من يونيو/ حزيران الجاري، خرجت عشرات من النساء ضحايا الحرب إلى شوارع مدينة قندهار (جنوب) وهنّ يلبسنَ البرقع ويصطحبنَ بعض الأطفال اليتامى على حدّ قولهنّ. هؤلاء فقدنَ أزواجهن أو إخوتهنّ من جرّاء الحرب، ويطالبنَ بأن يكون لهنّ صوت في مستقبل أفغانستان.




وتعلیقا على القضية، تقول الأكاديمية والناشطة عاطفة طيب لـ"العربي الجديد": "يمكننا أن نوزّع النساء في بلادنا في قسمَين: قسم تأثّر بشكل مباشر بعدما قتل أزواجهنّ أو إخوتهنّ أو غيرهم، وقسم آخر تأثّر بشكل غير مباشر. ثمّة كثيرات أصبنَ بأمراض نفسية، وبعضهنّ أقدم على الانتحار، أمّا الحرمان من التعليم والرعاية الصحية فحدّث ولا حرج". وتشير إلى أنّ "الحكومة الأفغانية والمجتمع الدولي لم يؤديا دورَيهما تجاه النساء عموماً وضحايا الحرب خصوصاً". وتدعو طيب إلى "العمل المنسّق والمبرمج من أجل تغيير وضع هؤلاء النساء، تحديداً في ما يتعلق بشؤونهنّ الاجتماعية، من تعليم وصحة وغيرهما".