أطفال اليمن المشردون.. مجندون في صفوف مليشيات الحوثيين

صنعاء
أحمد عبد الناصر
30 اغسطس 2016
بعد عامين من التشرد، لم يجد الطفل اليمني، أحمد الحيمي، ذو الخمسة عشر ربيعا، مكاناً يؤويه أو يقتات منه، مما دفعه إلى القبول بالانضمام إلى صفوف المقاتلين الحوثيين.

ينتقل الحيمي بين جبهات القتال (تعز، الجوف، مأرب)، نزولاً عند رغبة الجماعة، التي عملت على إقناعه مطلع العام 2016 كما فعلت مع غيره من الأطفال المشردين، بالانضمام إلى صفوف مقاتليها، عقب اجتياحها العاصمة صنعاء في أيلول/سبتمبر 2014.

الحيمي ترك منزله بداية العام 2014، إثر خلاف مع والده بعد عجزه عن توفير (ثلاثة آلاف ريال/ما يعادل 12دولاراً) يوميا لأبيه حسب طلبه، الأمر الذي دفع الأب إلى طرده خارج المنزل.

يقول الحيمي لـ"العربي الجديد": "الشارع منزلي، كنت أجد صعوبة في الحصول على الطعام والمأوى". يصمت قليلا ويضيف: "تعبت من هذا العيش، ذهبت إلى القتال كي أحصل على الطعام من دون تسول".

من التشرد إلى القتال

يعدّ الحيمي واحداً من عشرة أطفال مشردين، وثق معد التحقيق التحاقهم واستمرارهم في القتال في صفوف جماعة الحوثي بعد حياة التشرد بسبب النزاع المسلح والخلافات الأسرية، ومن بين هؤلاء الأخوان نائف (10 أعوام) ومحمد الحرازي (12عاما) اللذان تشردا بعد انفصال والديهما، ولم يجد الطفلان من يؤويهما مما دفع بهما إلى الانخراط في صفوف مقاتلي جماعة الحوثي.

يعمل الأخوان الحرازي، حالياً، في إحدى نقاط الحراسة، التابعة لمقاتلي جماعة الحوثي بصنعاء، حسب قريبهما، عبد العليم غالب، والذي قال لـ"العربي الجديد": "بداية العام 2016، قرر الطفلان الانضمام إلى صفوف المقاتلين الحوثيين بعد إقناعهما من قبل المقاتلين، والدفع لكل واحد منهما يوميا ألف ريال/ما يعادل أربعة دولارات".

وتوضح الدكتورة، نبيلة الشرجبي، أستاذة علم النفس في كلية الآداب في جامعة تعز الحكومية، أن أسباب انضمام الأطفال المشردين إلى جماعة الحوثي ترجع إلى أنهم "وجدوا من يوفر لهم لقمة العيش دون تسول، وهو ما يعد دافعا هاما للالتحاق بالحرب لصالح الطرف الذي يدفع".



يطابق رأي المختصة في علم النفس ما جاء في موقع الأمم المتحدة على الإنترنت، من أن النزاعات المسلحة تعرض الأطفال للتشرد، والذين يلتحقون بالجماعات المسلحة أملا في الحصول على الغذاء والمأوى.

ويؤكد الدكتور، نبيل الشرجبي، أستاذ إدارة الأزمات السياسية في جامعة الحديدة الحكومية، أن الفئات التي يتم استهدافها للانخراط في صفوف مقاتلي جماعة الحوثي كثيرة، وفئة الأطفال المشردين واحدة منها.

ويقول الدكتور الشرجبي لـ"العربي الجديد": "يتم إخضاع الأطفال لعملية إعادة تشكيل عقلي كامل، وخلق جيل جديد أكثر تطرفاً بهدف استخدامهم في حروبهم دون أن يكونوا أمام أية مساءلة قانونية"، مضيفا أن هذه العملية تتم وفق آلية الإغراءات المادية وحاجة الأطفال إلى المال.


الشارع بيتهم

يكشف العقيد في وزارة الداخلية، الواقعة تحت سيطرة جماعة الحوثي، ناجي علي (اسم مستعار للحفاظ على أمنه الشخصي) أن "جماعة الحوثي بدأت في استغلال الأطفال المشردين في العام 2012 وزادت حدة استيعابهم للتجنيد من قبل الجماعة في عام 2014، مستغلة بذلك الفراغ الأمني وحاجة الأطفال المشردين إلى الطعام وإلى المأوى".

ويضيف علي: "ما زالت الطريقة نفسها تستخدم اليوم من قبل الجماعة لاستغلال الأطفال المشردين والفقراء، والزج بهم إلى جبهات القتال".

وتؤكد منظمة "هيومن رايتس ووتش"، في موقعها على الإنترنت، أن جماعة الحوثي تستخدم الأطفال بشكل متزايد منذ استيلائها على العاصمة صنعاء في أيلول/سبتمبر2014.

ووفقا لتقديرات الحكومة الشرعية فإن 400 ألف طفل يمني مشرد، يتم استغلال البعض منهم في جبهات القتال من قبل جماعة الحوثي التي جندت 72% من 15 ألف طفل حتى نهاية العام 2015 وفقا لتقديرات منظمة "سياج" لحماية الطفولة، وتقرير الأمم المتحدة السنوي (الذي يعرض محنة الأطفال ضحايا النزاعات المسلحة في العام 2015 في 14 بلدا).

ونظرا لعدم وجود إحصائيات رسمية لعدد الأطفال المشردين، الذين يقاتلون في صفوف جماعة الحوثي، نفذ معد التحقيق في تموز/يوليو 2016 استطلاع رأي مع خمسين طفلا مشردا في شوارع صنعاء لصالح "العربي الجديد" أظهرت نتائجه أن 14 % من الأطفال المشردين كانوا يقاتلون في صفوف جماعة الحوثي قبل أن يعود 9% منهم إلى التشرد مجددا بعد إطلاق سراحهم من قبل الجيش الوطني والمقاومة الشعبية، فيما عاد 5 % إلى حضن الأسرة بعد مطالبة الأسر جماعة الحوثي بإعادة أطفالها.

ويؤكد الأطفال العائدون من جبهات القتال أن عددا كبيرا من أقرانهم المشردين، ما زالوا يقاتلون في صفوف مقاتلي جماعة الحوثي، رغم ما يتعرضون له من مخاوف وإصابات جسدية ونفسية.
وتشير "هيومن رايتس ووتش" إلى أن جماعة الحوثي تستخدم الأطفال كشافة وحراساً وسعاة ومقاتلين مع تعريض البعض منهم للإصابة والقتل، ومن بين هؤلاء أحمد القادري (12عاما) الذي عاد إلى التشرد مجدداً، بعد شهر من انضمامه إلى القتال في صفوف مقاتلي جماعة الحوثي.

القادري لم يستطع مواصلة القتال بعد وقوعه في الأسر، من قبل المقاومة الشعبية في مدينة مأرب كما يقول. ويضيف لـ"العربي الجديد":"بعد خروجي من الأسر فضلت العودة إلى الشارع لافتقاري إلى أسرة، ولا أريد العودة إلى القتال".

أما عبد المجيد القطواني، (14عاما)، فقد عاد من جبهة القتال في تعز نهاية أيار/مايو 2016 بعد تدخل والده لدى جماعة الحوثي لإعادة ابنه إلى صنعاء. عاد القطواني، الذي كان يعيش مع زوجة أبيه، إلى حضن الأسرة قبل أن يصاب بمكروه جراء القتال الدائر في مدينة تعز (270 كم إلى الجنوب من صنعاء) منذ نيسان/أبريل 2015 . يقول والد القطواني لـ"العربي الجديد":"ترك ابني المنزل بسبب خلاف أسري، لكنني استطعت إعادته إلى المنزل هذه المرة ولن أفرط به مرة ثانية حتى لا أخسره".

ويقول الأخصائي الاجتماعي في وزارة الشؤون الاجتماعية والعمل، ماهر المذحجي، لـ"العربي الجديد" إن: "الأسرة التي تتخلى عن أطفالها تعرضهم للجنوح والاستغلال من قبل العصابات والجماعات المسلحة. وهذا ينتج خللا في المجتمع، ناهيك عن تنشئة جيل يميل إلى العنف جراء ما يتعرضون له من مشاكل نفسية في حياة التشرد، وإصابات جسدية عند التحاقهم بالجماعات المسلحة".


مخاطر نفسية وجسدية

يؤكد الأطفال العائدون من جبهات القتال أنهم تعرضوا للكثير من المخاطر وهم يشاهدون قتل رفاقهم أمام أعينهم، وأن المناظر البشعة للجثث لم تفارق أذهانهم ليل نهار.ويقول الطفل القطواني لـ"العربي الجديد": "شاهدت صديقي وهو يسقط قتيلا أمامي، والكثير من الجثث التي تناثرت أشلاؤها جراء غارة للطيران السعودي في منطقة الحوبان شرقي مدينة تعز".

تعلق الدكتورة، نبيلة الشرجبي، على حديث القطواني: "بعد انتهاء الحرب تلازم الأطفال اضطرابات نفسية وعصبية بشكل مزمن مما يجعلهم أفراداً غير أسوياء، وهذا ينعكس على علاقتهم الاجتماعية في محيطهم الاجتماعي (الأسري) وقد تتعاظم مشاكلهم النفسية مما يجعلهم يميلون إلى الإدمان، أو إلى الانتحار".

غير أن حال القطواني يظل أفضل من الطفل، وسيم الحارثي (16عاما)، تمت إعادته جثة هامدة من جبهة القتال في محافظة الضالع (290 كم إلى الجنوب من العاصمة صنعاء) مطلع هذا العام، وعندما عرف والده بالخبر أصيب بجلطة دماغية ما زال يعاني من آثارها حتى اليوم. يقول شقيق وسيم لـ"العربي الجديد": "ترك أخي المنزل قبل أن يتم استقطابه من قبل مقاتلي جماعة الحوثي بشهر واحد، بعد خلاف مع والدي، واليوم عاد إلينا جثة مشوّهة الملامح".


انتهاك القانون الدولي


بحسب المادة 149 من قانون حقوق الطفل اليمني رقم 45، الصادر في العام 2002، فإن الدولة عليها أن تعمل على احترام قواعد القانون الدولي المنطبق عليها في النزاعات المسلحة ذات الصلة بالطفل، وحمايته من خلال عدم تجنيد أي شخص لم يتجاوز سن الثامنة عشرة، وحظر حمل السلاح على الأطفال، وعدم إشراك الأطفال إشراكا مباشرا في الحرب.

المحامي، هائل مفرح، يقلل من أهمية قانون حقوق الطفل كونه لا يتضمن عقوبات على من يثبت تورطه في تجنيد الأطفال.ويقول لـ"العربي الجديد":"لا يوجد في قانون العقوبات المحلي نص يجرّم تجنيد الأطفال، والجريمة في اليمن ترتكبها السلطات، ولن يشرعنوا قوانين تقضي بمعاقبتهم".

البروتوكول الاختياري الملحق باتفاقية حقوق الطفل، الصادرة عن الأمم المتحدة، يقرر"عدم جواز قيام المجموعات المسلحة المتميزة عن القوات المسلحة لأية دولة في أي ظرف من الظروف بتجنيد أو استخدام الأشخاص دون سن الثامنة عشرة في الأعمال الحربية". كما يحدد البروتوكول سن الثامنة عشرة كحد أدنى لأية مشاركة في النزاع المسلح من جانب قوات مسلحة وطنية. ووفقا للقانون الدولي، فإن تجنيد الأطفال والزج بهم في جبهات القتال يندرج ضمن جرائم الحرب.

وبعد أن وقعت الحكومة اليمنية في أيار/مايو2014، خطة عمل مع الأمم المتحدة لإنهاء تجنيد القوات الحكومية للأطفال، وسحب جميع الأطفال من صفوف هذه القوات ودمجهم بمجتمعاتهم المحلية، حال انقلاب جماعة الحوثي على الحكومة الشرعية في أيلول/سبتمبر من نفس العام دون ذلك، لتستمر عملية جمع الأطفال المشردين والزج بهم في أتون الحرب المشتعلة.