أصدقاء لغتنا: مع محمد أكرم جاويش

13 فبراير 2020
الصورة
(محمد أكرم جاويش، العربي الجديد)
+ الخط -
 

تقف هذه الزاوية عند مترجمي الأدب العربي إلى اللغات المختلفة، ما هي مشاغلهم وأسئلتهم وحكاية صداقتهم مع العربية. "نحتاج إلى تعريف القارئ التركي بالأدب العربي دون لغات وسيطة؛ فالثقافة العربية هي الأقرب إليه بحكم التاريخ والجغرافيا"، يقول المترجم التركي.


■ متى وكيف بدأت علاقتك باللغة العربية؟

- تعلّمتُ اللغة العربية في المدارس السورية؛ باعتبار أنّني وُلدتُ ودرست المراحل الابتدائية والإعدادية والثانوية في سورية.


■ ما أوّل كتاب ترجمتَه وكيف جرى تلقّيه؟

- أوّلُ كتابٍ ترجمتُه كان من التركية إلى العربية؛ وهو كتابٌ في المواعظ بعنوان "الناس القدوة". ترجمتُ العمل عن طريق شركة ترجمة، ونُشر في تركيا بين الأوساط التي تعرف العربية.


■ ما آخر إصداراتك المترجَمة من العربية وما هو إصدارك القادم؟

- آخر إصداراتي من العربية: "الفتى الذي أبصر لون الهواء" للكاتب اللبناني عبده وازن. أمّا إصداري القادم، فهو "في ظلال رمضان" للكاتبة المصرية هبة رؤوف عزّت.


■ ما العقبات التي تواجهك كمترجم من اللغة العربية؟

- لا توجد عقبات شخصية بمقدار العقبات المتعلّقة بالقارئ التركي، وبالترجمات المباشرة بين العربية والتركية؛ إذ إنَّ جُلَّ الترجمات الأدبية للأعمال العربية كانت تجري عن طريق لغات وسيطة غربية، والقارئ التركي يتعرّف عادةً إلى الكتّاب العرب الذين اشتهروا في الغرب، فالكتّاب العرب المعروفون في الغرب هم المعروفون في تركيا، وهذا ناتج عن التباعد والتنافر الذي حصل بين أبناء هاتين اللغتين، نتيجةً للأحداث السياسية التي حصلت في القرن السابق. نحن بحاجة إلى تعريف بالأدب العربي مباشرةً دون وسطاء؛ فالثقافة العربية هي أقرب إلى الثقافة التركية من الثقافات الغربية بحكم التاريخ المشترك والجغرافيا المشتركة والثقافة المشتركة.


■ نلاحظ أن الاهتمام يقتصر على ترجمة الأدب العربي وفق نظرة واهتمام معينين، ولا يشمل الفكر وبقية الإنتاج المعرفي العربي، كيف تنظر إلى هذا الأمر وما هو السبيل لتجاوز هذه الحالة؟

- الأيديولوجيا هي التي تُحدّد مسار الترجمة ومتابعة النتاج الأدبي أو الفكري، ناهيك عن المراكز الفكرية التي تقوم بالدعاية لأفكارها ومعتقداتها. هذه المراكز توجّه القارئ والمثقّف بشكل عام في متابعة وقراءة الآداب والأفكار المترجمة من اللغات الأخرى.

كما أن الأنظمة السياسية تؤثّر بشكل كبير في نشر الآداب التي تخدم أيديولوجيتها؛ فالكتّاب اليساريّون من أمثال ناظم حكمت وعزيز نيسين تنتشر ترجماتهم ويكثر قرّاؤهم وتُطبَع كتبهم باستمرار في الأنظمة الاشتراكية. وفي المقابل نجد إهمالاً وتجاهلاً لكتّاب آخرين ينتمون إلى مدارس فكرية مختلفة؛ من أمثال نجيب فاضل وسيزائي قاراقوج.

أمّا بالنسبة إلى الاهتمام بالآثار الأدبية دون الفكرية، فهو أيضاً ناتج عن التباعد والفرقة الحاصلة بين العرب والأتراك؛ فقارئ الأدب لا يضيره أن يقتصر على جمالية اللغة والصور والتعابير. أمّا قارئ الأعمال المعرفية والفكرية فينشد صدىً لأفكاره وتشخيصاً لقضاياه وحلّاً لمشكلاته الثقافية والفكرية، وهو ما يتطلّب أرضية مشتركة ونظرة موحّدة لهذه المشكلات والقضايا. العمل المشترك بين المراكز الفكرية العربية والتركية والتعاون مع دور النشر والمعاهد التعليمية، بالإضافة إلى إقامة الندوات والمؤتمرات بين المثقّفين العرب والأتراك... كلُّ ذلك سوف يقرّب - برأيي - بين وجهات النظر، ويعرّف المجتمع التركي بآخر مستجدات النتاج الفكري العربي.


■ هل هناك تعاون بينك وبين مؤسّسات في العالم العربي أو بين أفراد وما شكل التعاون الذي تتطلّع إليه؟

- لا يوجد تعاون بيني وبين أحد؛ إذ إنَّ عملي في الترجمة فرديٌّ وناتج عن حبّي للأدب والثقافة، يتمّ عبر دور النشر التي تعرض عليّ أعمالاً للترجمة، ثم أقوم بإنجازها إذا كنتُ أراها تصب في خانة التعريف بأحد المجتمعَين للمجتمع الآخر وتضيف شيئاً جميلاً ومفيداً في حقل الثقافة والفكر والأدب.

لا يوجد شكل معيّن أستطيع أن أتصوّره عن أية علاقة مستقبلية بيني كمترجم وبين أحد من العالم العربي. جمالية الصورة وعمق المحتوى لأي نتاج أدبي أو فكري، يأخذ بيدي إلى الاشتراك في أي عمل ثقافي دون النظر إلى اعتبارات أخرى. فأنا صيدلي أمارس هذه المهنة بشكل يومي، وأعمالي في الترجمة والأدب ناتجة عن حب وشغف.


■ ما هي المزايا الأساسية للأدب العربي ولماذا من المهم أن يصل إلى العالم؟

- الأدب العربي هو من أقدم وأغنى الآداب العالمية. وهذا ناتج عن طبيعة اللغة العربية فائقة الجمال والغنى والشاعرية، واهتمام الإنسان العربي منذ القدم بهذه اللغة والآداب المكتوبة بها، وفي مقدّمتها الشعر العربي.

لم يطرأ تغير كبير على اللغة، في الكلمات والتعابير، على خلاف لغات أخرى كالتركية؛ فالقارئ العربي اليوم يستطيع أن يقرأ ويفهم الأدب الجاهلي الذي عمره أكثر من أربعة عشر قرناً، ناهيك عن الأدب الأموي والعبّاسي والأندلسي. ولكننا اليوم في تركيا نجد أنه من الصعب على القارئ التركي أن يقرأ أدباً تركياً عمره أكثر من مئة سنة مثلاً.

لا شك في أنَّ الأدب العربي تأثّر بالمذاهب الأدبية الحديثة والمستوردة من الغرب، ولكنه تأثُّر من باب مجاراة العصر، وقد أغنى الأدب العربي في قضايا تتعلّق بالشكل والمضمون كثيراً، ولكن اللغة بأدواتها الأساسية لم تتغيّر كثيراً. هذا الأمر مفقود إلى حد بعيد في الأدب التركي.

غِنى الأدب العربي بالأشعار والأمثال والحكم يجعله مميّزاً إلى حد بعيد؛ إذ استقى مادّته من الذاكرة العربية القديمة ومن المجتمع العربي الذي مرّ بمراحل فكرية واجتماعية وسياسية على مدار قرون طويلة، كل مرحلة لها مزايا وخصائص مختلفة عن الأخرى، وكل مرحلة لها بصمات واضحة وعميقة على نتاجها الفكري والأدبي.

تأثّر الأدب العربي، أيضاً، بالكتب السماوية وفي مقدّمتها القرآن الكريم؛ فالقَصص القرآني، مثلاً، هدفه العبرة وأخذ الدروس التاريخية، ولكننا نجد أن هذا القَصص أثّر بأسلوبه الفريد في صوغ الحكاية لدى الكتّاب العرب. والرموز التاريخية والدينية المذكورة سواء في القرآن أو الإنجيل أو التوراة أخذت مكانها في ذاكرة الكاتب لتمنحه مساحة تعبيرية أوسع، ولغة تصويرية أعمق في نقل مشاعر وأفكار إنسان الحضارات المتعاقبة على المنطقة العربية عبر مرّ العصور.


بطاقة

مترجم تركي من مواليد مدينة حلب السورية عام 1979. حصل على ماجستير في قسم اللغة العربية وبلاغتها من "جامعة كاتب شلبي" (الصورة) بإزمير. من ترجماته من التركية إلى العربية: "الناس القدوة"، والدجاجة تقرأ الصحف" (مجموعة قصصية)، ومن العربية إلى التركية: "نظرات في فكر الإمام المودودي" ليوسف القرضاوي، و"الفتى الذي أبصر لون الهواء" لعبده وازن. كما ترجم قصصاً وقصائد لكتّاب وشعراء عرب نُشرت في مجلّات تركية.

 

المساهمون