أزمة الكوريتين... ما قبل الألعاب الأولمبية غير ما بعدها

09 فبراير 2018
الصورة
كيم متفقداً باصات جديدة لقطاع النقل (فرانس برس)
+ الخط -
قبل سنوات كانت كوريا الشمالية "مجرد دولة مارقة" بمطلحات جورج بوش الابن، مصنّفة ضمن "محور الشرّ" إلى جانب العراق وإيران، قبل رواج مصطلح الإرهاب. وارتفع منسوب الخشية من هذه الدولة بعد تجاربها البالستية والصاروخية في السنوات الأخيرة، في عهد كيم جونغ ـ أون. حتى أنه قبل أقل من عام سُمع دوي طبول الحرب بينها وبين الولايات المتحدة، قبل أن تعود الأجواء العسكرية لتهدأ، رغم استمرار التصريحات الساخنة، خصوصاً بين كيم وبين الرئيس الأميركي دونالد ترامب. غير أن كل شيء تغيّر مطلع العام الحالي، مع إعلان بيونغيانغ استعدادها الحوار مع سيول، والوصول حتى إلى تحقيق "الوحدة الكورية" وهو حلم قديم للبلدين، وإن اختلفت الاعتبارات. العنوان كان دورة الألعاب الأولمبية الشتوية، التي تبدأ اليوم الجمعة، وتنتهي في 25 فبراير/شباط الحالي، في مدينة بيونغتشانغ الكورية الجنوبية. الرياضة جمعت الدولتين، بفريق واحد في بعض الرياضات الأولمبية، على أن "حبة الكرز" في الحوار المستجدّ، هي إعلان سيول أن "الرئيس الكوري الجنوبي مون جاي ـ إن سيلتقي غداً السبت رئيس دولة كوريا الشمالية الفخري كيم يونغ نام، وكيم يو جونغ شقيقة الزعيم كيم جونغ ـ أون". وأعلن متحدث باسم الرئاسة الكورية الجنوبية أمس الخميس، أن "مون سيتناول الغداء مع الوفد". وبحسب وكالة "يونهاب" الكورية الجنوبية، فإنه يبدو أن شقيقة الزعيم تحمل رسالة شخصية من كيم إلى الرئيس الكوري الجنوبي".

وحدهما اليابان والولايات المتحدة نظرتا بعين الريبة إلى الحوار الكوري ـ الكوري. وحاولت طوكيو اعتماد مبدأ "التصعيد" على قاعدة "عدم القبول بأي حوار ما لم يتم تضمين الملف النووي الكوري الشمالي فيه"، في إشارة إلى أن الحوار الثنائي سيطيح بإمكانية الاستناد إلى المجموعة السداسية الدولية (كوريا الشمالية، وكوريا الجنوبية، والولايات المتحدة، والصين، وروسيا، واليابان) لحلّ المشكلة النووية. وإطاحة مفاوضات السداسية تعني القبول بالسلاح النووي الكوري الشمالي. أما الولايات المتحدة، فبدت أقرب إلى منطق "الانتظار"، فلا اليابان قادرة على التحرّك بمعزل عنها، ولا هي قادرة على مواصلة زخمها العسكري بعد سقوط تبريرات "رفض الحوار" في بيونغيانغ. بدورها، بدت الصين مطمئنة إلى سلوك حليفها في الشرق الآسيوي. أما الروس فجاهزون، كعادتهم، للمشاركة في التحولات الجارية.



في خضمّ كل هذا، نظّمت كوريا الشمالية عرضاً عسكرياً ومسيرة في ساحة كيم إيل سونغ، بمناسبة الذكرى السبعين لتأسيس جيشها، علماً أن بيونغيانغ أعلنت في يناير/كانون الثاني الماضي، أنها "ستحتفل هذه السنة بالذكرى في 8 فبراير بدلاً من 25 أبريل/نيسان"، الموعد التقليدي. وكانت كوريا الشمالية قد حددت يوم 8 فبراير كيوم وطني لتأسيس الجيش حتى عام 1977، ولكنها في عام 1978 حولت هذه الذكرى إلى يوم 25 أبريل تخليداً لمؤسسها الراحل كيم إيل سونغ، الذي شكّل قوات حرب العصابات ضد اليابان في 25 أبريل 1932. تبقى معرفة ما إذا كانت طوكيو قد تلقفت الرسالة، بعد دعمها جمعية "دعم العائلات" اليابانية في نيتها تقديم عريضة إلى المحكمة الجنائية الدولية ضد كوريا الشمالية بغية دفعها إلى "التحقيق في خطف كوريا الشمالية لأبنائهم، ومعاقبة زعيم كوريا الشمالية، كيم جونغ ـ أون".

وشوهد كيم، مرتدياً معطفاً شتوياً طويلاً أسود اللون، وسار على البساط الأحمر مع زوجته في بداية العرض، الذي بثه التلفزيون الكوري الشمالي بعد ساعات من انتهائه. بدأ العرض بسير آلاف من الجنود بخطوات منتظمة قبل الاصطفاف في ساحة كيم إيل سونغ لتشكيل الكلمات والشعارات. واستبعدت جميع وسائل الإعلام الأجنبية تقريباً من حضور العرض. وتحدث كيم خلال العرض العسكري قائلاً إن "بلاده التي تمتلك السلاح النووي هي قوة عسكرية من المستوى العالمي. لقد أصبحنا قادرين على أن نثبت أمام العالم وضعنا كقوة عسكرية من المستوى العالمي". واللافت أنها المرة الأولى التي تنظّم فيها بيونغيانغ استعراضاً عسكرياً لا تخشاه سيول، للدلالة على المراحل التي عبرتها العلاقة بين البلدين أخيراً. وشارك في الاستعراض حوالي 50 ألف شخص بمن فيهم 13 ألفا من الجيش. وذكر مصدر في سيول أنه "تمّ رصد مركبات إطلاق الصواريخ المتنقلة التي تحمل صواريخ، أثناء العمليات التجهيزية لإقامة الاستعراض العسكري يوم الأربعاء". وأبدى الجيش الكوري الجنوبي اعتقاده بأنه "كان من الممكن أن تكشف كوريا الشمالية عن صواريخ استراتيجية مثل الصاروخ الباليستي العابر للقارات من طراز هوا سونغ-15"، الذي ادّعى الشمال بأن "النجاح في إطلاقه يدل على استكمال القوة النووية".

بات يمكن حالياً القول إن "ما قبل الألعاب الأولمبية الشتوية 2018 غير ما بعدها" بالنسبة للشرق الآسيوي بأسره. وأظهر كيم في الأيام الأخيرة رغبة في خروج بلاده من العزلة، لكن بحذر. فالعقوبات الاقتصادية قاسية جداً، رغم التهريب الصيني والروسي المتواصل إلى هذه الدولة، كما أن عملية انشقاق عدد من الجنود الشماليين ليست تفصيلاً لنظامٍ قائم على العسكريتاريا. يريد كيم حلاً على طريقة الاتفاق النووي مع إيران، لكنه يدرك أيضاً أنه في كل يوم لا يتقدّم أحد بمثل هذا الاقتراح، فإن ذلك يعني رفع سقف التحدّي إلى مستوى أعلى، وهذه المرّة مع تحييده كوريا الجنوبية من تهديداته. قد يقبل الرجل العودة إلى مفاوضات المجموعة السداسية، لكن بشروطه. لكن الثابت بالنسبة لحكام بيونغ يانغ أن الأميركيين في نهاية المطاف يستبعد أن يجنحوا إلى حربٍ، وإلا لفعلوا ذلك ربما حين هدد كيم بقصف هاواي وغوام.