أزمة الشهر العقاري: تحركٌ جماعي نادر ضد خطط السيسي

04 يناير 2020
الصورة
يستبعد القانون الجديد أي إيجابيات لمصلحة المواطن (ديفيد ديغنر/Getty)
+ الخط -

بعد سنواتٍ من قمع نظام عبد الفتاح السيسي في مصر للتحركات الجماعية الفئوية، في صورة التظاهر أو الإضراب أو الاعتصام، خصوصاً في أوساط العاملين في الدولة والجهات التابعة لها، بدأ عام 2020 بتحركٍ جماعي نادر من قبل العاملين في مصلحة الشهر العقاري والتوثيق التابعة لوزارة العدل، ضد الدولة ممثلةً في وزير العدل الجديد، عمر مروان، بإعلان عصيان (شبه كامل) لقراره بالتشغيل "الاختياري" لجميع العاملين في المصلحة لمدة إضافية ثانية تمتد لثلاث ساعات يومياً، بهدف استمرار العمل في جميع مقار ومكاتب المصلحة حتى الساعة السابعة والنصف مساء.

ولم يكن وزير العدل الجديد، الذي كان ضعفُ أداء الشهر العقاري وفشله في ضخّ المداخيل المالية التي ينتظرها السيسي، من عوامل رحيل سلفه حسام عبد الرحيم، يتصور أن قراره الذي دخل حيّز التنفيذ أول من أمس الخميس، سيوحد الغالبية الكاسحة من موظفي المصلحة بمختلف فئاتهم. على العكس، كان باعتقاد عمر مروان أن رصده مبالغ مالية مقابل قضاء فترة التشغيل الإضافية (تتراوح بين 51 و75 جنيهاً بحسب الفئات الوظيفية)، سيساهم في استمالة معظم الموظفين، حتى يتمكن واقعياً من زيادة عدد ساعات العمل، من دون تكبيد ميزانية الأجور تكاليف كبيرة.

مصادر مختلفة من العاملين في الشهر العقاري في القاهرة والجيزة والشرقية والمنيا، قالت لـ"العربي الجديد"، إن الوزير الجديد يرغب في تحقيق مكسبٍ سياسي أمام السيسي، ليثبت أنه جدير بثقته. وتعتقد قيادات المصلحة، من واقع الأرقام، أن جهد العاملين إذا زاد بنسبة 25 في المائة تقريباً، مع نقل حوالي 1500 موظف من المصالح الحكومية الأخرى بموجب قرارٍ كان منتظراً منذ شهور من قبل رئاسة الوزراء، سيكفي لسدّ فجوة مهمة من العجز الكبير المرصود بين العدد الواقعي للعاملين والعدد المتوقع من المعاملات اليومية في الشهر العقاري.

ولا يتجاوز عدد الموثقين الفنيين، والذين يعتبرون العنصر الأهم في مصلحة الشهر العقاري 3200 موظف، من إجمالي ستة آلاف موظف تقريباً، في الوقت الذي تجاوز فيه العدد الإجمالي للمعاملات على مستوى الجمهورية عام 2019 حاجز 11 مليون معاملة، وهو رقم أقل بنحو مليوني معاملة عن العام الذي سبقه. وتعني هذه الأرقام إشراف كلّ موثقٍ على 12 معاملة يومياً على الأقل، بمشاركة باقي الموظفين من كُتّاب وصيارفة وفنيين، مع مراعاة عدم التوزيع العادل للموثقين والموظفين على كل المكاتب، الأمر الذي يعتبره العاملون في الشهر العقاري - وكذلك الوزارة - غير منطقي، ويعكس ضعفاً شديداً في العمالة.

واستكمالاً للتحرك الجماعي النادر من العاملين في المصلحة، وفي ما يعيد للأذهان التحركات الفئوية المعارضة من موظفي الدولة في السنوات الخمس الأخيرة لعهد الرئيس المخلوع حسني مبارك، أعلن العاملون الغاضبون موقفهم عبر كيانٍ نقابي غير رسمي يحمل اسم "اتحاد موثقي الشهر العقاري"، وذلك بالمخالفة للخطوط العامة التي وضعها النظام منذ ثلاث سنوات بإصدار قرارات حكومية متعاقبة من وزارات عدة بحظر تشكيل النقابات واللجان النقابية المستقلة.

وأعلن الاتحاد رفض أغلبية العاملين لفترات التشغيل الإضافية، معتبراً أنها تخالف مواثيق العمل الدولية، وتجعل الموثقين هم الموظفين الأكثر عملاً في مصر بالنسبة لعدد الساعات الرسمي. وانتقد المعترضون في بيانهم الذي صدر يوم الأربعاء الماضي، ضعف المقابل المالي أيضاً. كما طالب "اتحاد موثقي الشهر العقاري" بتفعيل المادة 199 من الدستور، والتي تنصّ على أن "الخبراء القضائيين، وخبراء الطب الشرعي، والأعضاء الفنيين في الشهر العقاري، مستقلون في أداء عملهم، ويتمتعون بالضمانات والحماية اللازمة لتأدية أعمالهم، على النحو الذي ينظمه القانون" بأن يتم الإعلان عن استقلال هذه المصلحة عن وزارة العدل وعدم نقلها لأي جهة أخرى.

في المقابل، قالت مصادر قضائية في وزارة العدل إن صياغة النص الدستوري لا تشترط تحويل أي مصلحة من تلك المصالح (الخبراء، والطب الشرعي، والشهر العقاري) إلى هيئات مستقلة، لكونها تلزم المشرع بوضع ضوابط لضمان استقلالهم فنياً فقط. وكشفت المصادر أن وزير العدل الجديد طلب من السيسي ورئيس الوزراء مصطفى مدبولي "ما يشبه الفرصة الأخيرة" لاتخاذ تدابير من شأنها زيادة إنتاجية المصلحة، قبل حسم مسألة خصخصتها بالسماح لمستثمرين وجهات مختلفة بإنشاء شركات خاصة للشهر العقاري، أو نقل تبعية المصلحة لوزارة أخرى.

وتجادل المصادر القضائية بأنه لا يمكن لأي وزارة أن تستوعب عدد موظفي المصلحة ومشاكلهم الإدارية والفنية بصورة أفضل من وزارة العدل، الأمر الذي ترى مصادر الشهر العقاري أنه "مبالغة غير مقبولة من القضاة، ورغبة منهم في الاستئثار ببعض المكاسب المالية التي تعود على الوزارة جراء إدارتها للمصلحة".   



واعتبرت مصادر الشهر العقاري أن تحميل الدولة والوزارة المشاكل والحلول المقترحة للموظفين، هو نوع من الهروب من واقع الانخفاض الشديد في عدد الموظفين، مع وقف التعيينات الجديدة منذ عام 2011، بل وسابقة تفكير الحكومة في اتخاذ إجراءات حاسمة بإبعاد أكثر من ستة آلاف موظف من المصلحة، في إطار خطة خفض العمالة في الجهاز الإداري للدولة. وجاء ذلك قبل أن تتدارك الحكومة الحالية هذا الأمر، وتقرر نقل ألف موظف من المصالح الحكومية الأخرى إلى الشهر العقاري، لتعويض النقص البشري الكبير، وذلك في أكتوبر/تشرين الأول الماضي، الأمر الذي لم يتحقق حتى الآن.

وأشارت المصادر أيضاً إلى ضعف تمويل الدولة للتحديث الهيكلي والتكنولوجي لمكاتب "الشهر"، وتعثّر مشروع مكننته، ما يجعل الموثقين يستغرقون وقتاً طويلاً في إنجاز كل معاملة، لا سيما الكبرى منها، والتي تحدد رسومها بملايين الجنيهات. وكانت الدولة رفضت مقترحات سابقة بتخصيص نسبةٍ ضئيلة من تلك الرسوم لإعادة فتح باب التعيين في المصلحة، نظراً لرفض السيسي المبدئي لذلك.

وتتفق مصادر الشهر العقاري مع مصادر الوزارة في أن جزءاً من تخوف المواطنين من التوثيق ومن المصلحة، مرجعه التعديلات الأخيرة لقانون الضريبة العقارية، والذي ترتب عليه تحصيل ضريبة على جميع الأملاك الخاصة بالمواطن عدا محل السكن، ثم اتخاذ الحكومة خلال عام 2018، إجراءات الربط بين الشهر العقاري ومصلحتي الضرائب العقارية والضريبة العامة، والتسرع في تحريك دعاوى جنائية ضد المتهربين من سداد الضريبة. ووجهت هذه الإجراءات رسالة إرهاب إلى جميع الملاك، وأدت إلى انخفاض ملحوظ في عدد حالات التوثيق ونقل الملكية.

واستبعدت المصادر تحقيق أي إيجابيات لمصلحة المواطنين في مشروع القانون الجديد الذي كلف البرلمان الحكومة بإعداده في شهر ديسمبر/كانون الأول الماضي، حتى إذا تم إلغاء تبعية الشهر العقاري لوزارة العدل للمرة الأولى في التاريخ الحديث، واقتراح تصرّف مغاير بشأن تنظيمها.

ويعتبر الشهر العقاري الكيان الوظيفي الأكبر في وزارة العدل والأكثر التصاقاً بحاجيات المواطنين، وهو أيضاً المصدر صاحب الإسهام الأكبر في ميزانية الوزارة التي تدر على الخزانة العامة للدولة مليارات الجنيهات سنوياً، من رسوم التوثيق والإشهار، ومن رسوم رفع الدعاوى والطعون أمام المحاكم. ويخصص جزء من كل مدخول في هذه المصلحة لتنمية مرافق الوزارة ومبانيها وشبكاتها ولوجستياتها، فضلاً عن استفادة موظفي الشهر العقاري، كما موظفي المحاكم والقضاة، من جزء معتبر من تلك المداخيل.

وسبق أن قالت مصادر في الوزارة لـ"العربي الجديد" بعد هجوم رئيس مجلس النواب علي عبد العال على إدارة وزارة العدل للشهر العقاري، إن هناك بعض الشخصيات النافذة داخل النظام، وتحديداً في الاستخبارات العامة والجيش، تدفع في اتجاه فتح المجال لتدشين شراكات جديدة بين الجيش أو الدولة أو صندوق مصر السيادي وبعض رجال الأعمال، لإنشاء شركات تباشر نشاط التوثيق والشهر العقاري في حال خصخصته. وتحاول هذه الشخصيات الترويج لمثل هذه الأفكار، بحسب المصادر، من خلال وسائل الإعلام الموالية للنظام، وكذلك من خلال بعض النواب المقربين من الأجهزة.

وهناك مشروع قانون مجمد في اللجنة التشريعية لمجلس النواب كان قد قدمه 60 نائباً، لإنشاء الهيئة المستقلة للملكية العقارية والتوثيق بدلاً من مصلحة الشهر العقاري الحالية، تقول مذكرته الإيضاحية إنه يهدف لاختصار الإجراءات وإلغاء العمل بالدفاتر اليدوية في المكاتب، والمعمول بها منذ عام 1947، واستخدام بدائل أقل تكلفة وأكثر أماناً وأعلى جودة مطابقة للمعايير الدولية وتستغرق وقتاً أقل، مع تطبيق نظام الوثيقة الموحدة. هذا المقترح يوفر للموظف وقتاً للبحث الفني والمراجعة القانونية السليمة للمحرر المراد توثيقه، ما سيكون له أثر بالغ في خروج عقد سليم محكم الالتزامات وكامل الحجية، كضمان لحماية حقوق المتعاقدين.

ويسمح هذا المشروع الذي لم يطرح على الجلسة العامة حتى الآن، بإعادة النظر في نظام الحفظ والأرشفة الحالي، بما يتواكب مع النظم الرقمية العالمية، جنباً إلى جنب مع نظام مكننة مكاتب التوثيق التي تحتاج إلى ميزانية ضخمة، ولا تزال عاجزة عن تخفيف الزحام في المكاتب. ويهدف المشروع إلى تسهيل إجراءات التسجيل العقاري، وسرعة الفصل في المنازعات العقارية، باستحداث لجانٍ قضائية عليا وفرعية ولجان تسوية للمنازعات العقارية كافة، خصوصاً منازعات الاستثمار العقارية، خلال مدة زمنية حدها الأقصى ستة شهور، وتكون قرارات هذه اللجان نهائية وذات حجية تنفيذية بين المتنازعين وأمام الغير.

كما يتضمن المشروع، الذي يحظى بتأييد الموثقين، ضمانات لاستقلال عضو الهيئة الجديدة، بدلاً من موظفي المصلحة التابعين حالياً لوزارة العدل، ما يمنع التدخل في عمله، أو ممارسة ضغوط عليه، بما يضمن استقلال مصلحة الشهر العقاري والتوثيق وأعضائها.



 

المساهمون