أردنيّون يستأصلون أرحام المعوّقات لـ"تجنّب العار"

أردنيّون يستأصلون أرحام المعوّقات لـ"تجنّب العار"

03 ديسمبر 2014
الصورة
هناك وسيلة للتعامل المثالي مع الشخص المعوّق (الأناضول)
+ الخط -
تدعو نجاح العزة (45 عاماً)، الله كي يموت أبناؤها الثلاثة، جميل (26 عاماً)، وهبة (24 عاماً)، وسامر (14 عاماً)، قبل موتها. رغبتها هذه لا تنم عن كره لهم. بل إنه حبها وخوفها عليهم. تُدرك أن حياتهم من دونها ستكون صعبة جداً، لأنهم عاجزون عن تلبية أبسط احتياجاتهم.

يعاني أبناء العزة الثلاثة من شلل دماغي، يجعلهم في حاجة لرعاية على مدار الساعة. تقول، لـ"العربي الجديد"، وهي تنظر إليهم بحزن: "لو حدث لي شيء، كيف سيعيشون؟ أنا متأكدة أن موتهم قبلي راحة لهم ولي، لكن الأعمار بيد الله". لا تكفيها الساعات الأربع والعشرين للعناية بهم. توضح أن "إعاقة جمال شديدة، حتى أنه غير قادر على النهوض من سريره لقضاء حاجته. أما إعاقة هبة وسامر فأخف. على الأقل، يستطيعان الزحف على الأرض كالأطفال. لكنهما أيضاً بحاجة إلى مراقبة دائمة ورعاية مستمرة".

تنظر العزة بخوف إلى مستقبل أبنائها في حال توفيت وأودعوا مراكز الرعاية التابعة لوزارة التنمية الاجتماعية، أو تلك الخاصة. تستذكر تقريراً تلفزيونياً بثّ على إحدى القنوات الفضائية عام 2012، وثّق الانتهاكات التي تحدث بحق الأشخاص المعوّقين داخل مراكز الإيواء والرعاية.

التقرير أغضب ملك الأردن عبد الله الثاني في ذلك الوقت، فأمر بإغلاق المراكز التي ظهرت في التقرير، وإحالة المتورطين بالانتهاكات إلى القضاء، حتى أنه أمر بتشكيل فريق لرصد الانتهاكات داخل هذه المراكز، خلص إلى أن 80 في المائة من المراكز البالغ عددها 56 لا ترتكب أية مخالفات، في مقابل 20 في المئة منها لا تراعي الشروط.

تطمينات الناطق باسم وزارة التنمية الاجتماعية، فواز الرطروط، لا تبدد مخاوف العزة، بالرغم من تأكيده وجود تغييرات جذرية في التشريعات التي تنظم عمل مراكز الرعاية والإيواء الخاصة بالأشخاص المعوقين، بما يكفل منع حدوث انتهاكات.

العزة، التي يبلغ دخلها الشهري 90 ديناراً أردنياً (نحو 110 دولارات)، تتقاضاها كمساعدة من صندوق المعونة الوطنية، تنتقد تواضع المعونة التي بالكاد تكفي لتلبية احتياجات أبنائها الأساسية.

بعكس كثيرين في المجتمع الأردني، لا ترى العزة أن وجود شخص معوق في العائلة هو وصمة اجتماعية، فلا تعمد إلى إخفائهم عن الناس. تقول: "لا أخجل بأبنائي. أحزن لأجلهم فقط".

توثّق الأردن قائمة طويلة من الجرائم التي ترتكب بحق الأشخاص المعوّقين، والتي غالباً ما يرتكبها أحد أفراد العائلة للتخلّص من أعبائهم. أحدث هذه الجرائم حصلت في أكتوبر/ تشرين الأول الماضي. كادت فتاتان أن تتسببا بموت شقيقتهما المعوقة، بعدما ربطتاها بالسلاسل لسنوات طويلة لمنعها من الخروج. وفي حادثة أخرى، أقدم أشقاء فتاة معوقة عام 2011، على وضعها في زريبة للدواب. بقيت هناك بعض الوقت حتى فارقت الحياة.

وتتمثل إحدى أبشع الانتهاكات بحق الأشخاص المعوقين، وخصوصاً الفتيات، في إقدام بعض الأسر على استئصال أرحامهن، حتى لا يحملن ويلحقن العار بالعائلة، في حال تعرضهن لاعتداء جنسي، علماً أن القضاء منع إجراء عمليات مماثلة عام 2010، بل جرّمها. وأصدرت دائرة الإفتاء العام فتوى بتحريمها، نتيجة ضغوط مارستها مؤسسات المجتمع المدني، بعدما كشفت تقارير غير رسمية إجراء 260 عملية استئصال رحم خلال عامي 2009 و2010، جميعها لفتيات يعانين من إعاقات ذهنية شديدة.

من جهتها، ترفض رئيسة جمعية "أنا إنسان" لحقوق الأشخاص المعوقين، آسيا ياغي (40 عاماً)، جميع الأسباب التي تسوقها أسر هؤلاء كمبرّر لإساءة معاملتهم. تقول: "مهما كانت طبيعة الإعاقة، هناك وسيلة وطريقة للتعامل المثالي مع الشخص المعوّق". تلفت أيضاً إلى أهمية "البرامج التي تساهم في تعزيز الثقة بالنفس وتطوير الذات، بالإضافة إلى تنمية مهاراتهم وحثهم على العمل والإبداع".

كلام ياغي لا يأتي من فراغ، بل استناداً إلى واقع عاشته، هي التي أُصيبت بإعاقة حركية حين كانت في الثانية من عمرها، ناتجة عن تشنج بالأعصاب. تقول: "كنت محاطة باهتمام 13 فرداً، هم عائلتي. تجاوزت الإعاقة وأتممت دراستي. الأهم أنهم لم يخجلوا مني، ما مكّنني من النجاح وتجاوز محنتي". معاناة الأشخاص المعوقين دفعت بياغي إلى تأسيس الجمعية، بهدف تقديم الدعم لهؤلاء، وخصوصاً تدريب أسرهم على كيفية التعامل معهم.

تجدر الإشارة إلى أن إحصائيات منظمة الصحة العالمية تشير إلى أن نسبة الأشخاص المعوقين في الأردن تبلغ نحو 15 في المائة من عدد سكان المملكة، البالغ نحو 7 ملايين نسمة.

دلالات