أخطاء طبية متزايدة في الكويت

31 أكتوبر 2018
الصورة
في مستشفى كويتي (ياسر الزيات/ فرانس برس)
+ الخط -

يوماً بعد يوم، يزداد عدد القضايا المرفوعة ضد الأطباء في محاكم الكويت بسبب الأخطاء الطبية داخل المستشفيات، ويزداد عدد المتضررين منها وسط صراع بين أهالي المتضررين الذين يحمّلون الأطباء مسؤولية هذه الأخطاء، وبين النقابات الطبية التي تعتبرها ملازمة لعمل الطبيب، وتطالب الحكومة بحماية الأطباء.

أثارت حادثة وفاة الطفلة هاجر المطيري (5 سنوات)، في إبريل/ نيسان الماضي، الرأي العام في البلاد، إذ تعرضت لحادث سيارة مع والدتها ونقلت على أثره إلى مستشفى "العدان"، جنوبي البلاد، وذكر التقرير الطبي الخاص بها أنّها كانت "مضطربة الوعي، والعلامات الحيوية مضطربة، وبالكشف الظاهري عليها تبين وجود كدمة أعلى الصدر والبطن" وعليه، تقرر إدخالها إلى العناية المركزة لإصابتها بالنزيف الداخلي، قبل أن يسمح لها الأطباء بالخروج بعد يوم واحد والذهاب إلى المنزل، لكنّ الآلام عاودتها مرة أخرى وتوفيت في بيتها. قرر والد الطفلة رفع قضية على وزارة الصحة وعلى طبيب الطوارئ المشرف على حالتها بتهمة الإهمال الطبي والخطأ في التشخيص والذي أدى إلى القتل الخطأ، كما طالب بإقالة وزير الصحة بعد فشل لجنة التحقيق في الوصول إلى نتيجة نهائية حتى الآن.

ليست حالة هاجر الوحيدة من بين الحالات التي يتهم فيها أهالي المرضى الأطباء بارتكاب أخطاء تؤدي إلى الوفاة، فقد توفيت الطفلة درة الحرز (13 عاماً)، عقب إصابتها بتشنجات نتيجة حقنها بإبرة مخدرة تمهيداً لإزالة كيس دهني خلف أذنها قبل أسابيع. ووجه نواب في البرلمان الكويتي أسئلة متلاحقة لوزير الصحة الدكتور باسل الصباح، الذي شكل لجان تحقيق محايدة تضم أطباء من داخل الوزارة وخبراء من خارجها. لكنّ النائب سعدون حماد العتيبي يقول لـ"العربي الجديد"، إنّ هذه الإجراءات لا تبدو كافية، وعلى الوزير أن يصلح من عمل المستشفيات التي تحولت إلى مقابر، بحسب تعبيره.




يثير أعضاء البرلمان موضوع الأخطاء الطبية عقب وفاة النائب السابق فلاح الصواغ، في أكتوبر/ تشرين الأول 2016، إذ تعرض لخطأ في التخدير أدى إلى وفاته قبل عملية مقررة لإزالة وشفط الدهون، لكنّ الطبيب الوافد الذي أجرى العملية غادر البلاد بسرعة، فيما جرى الاكتفاء بمعاقبة طاقمه الطبي بالحسم المالي. وبحسب إحصاءات إدارة الطب الشرعي في الإدارة العامة للأدلة الجنائية، فإنّ عدد قضايا الأخطاء الطبية يصل إلى 450 قضية شهرياً، بارتفاع يقدر بنسبة 900 في المائة في السنوات الـ13 الأخيرة، وأنّ فريقاً مختصاً من المحققين يتولى أمر البحث في هذه القضايا التي غالباً ما تكون كيدية أو للبحث عن تعويضات.

وعن سبب زيادة الأخطاء الطبية وعدد القضايا المتعلقة بها في الأعوام الأخيرة، يقول الدكتور لؤي الأحمد، لـ"العربي الجديد"، إنّ ذلك لا يرجع إلى تدهور الوضع الطبي، بل إلى ازدياد العمليات البسيطة في المستشفيات الحكومية والخاصة، خصوصاً عمليات التجميل، ومن بينها حقن الشفتين وغيرها، وهذه العمليات يزداد فيها التعرض للأخطاء الطبية بسبب دخول التجارة والطمع والجشع فيها، ما يؤدي إلى استخدام مواد رخيصة أو غير مرخصة فيها.

يحكي فهد عبد الله الجبر حكايته مع ابنته نوف، التي تعرضت لخطأ طبي أدى بها إلى الإعاقة العقلية والحركية عام 1999، إذ أجرت ابنته التي كانت تبلغ ثمانية أعوام حينها عملية لسدّ فتحة في القلب في أحد مستشفيات الكويت على يد طبيب زائر، لكنّ خطأ طبياً أثناء عملية التخدير أتلف دماغها. يقول الجبر لـ"العربي الجديد": "هرب الطبيب الزائر فور فشل العملية، ورفعت دعوى على وزارة الصحة والطاقم الطبي الذي أجرى العملية لابنتي، واكتفوا بدفع مبلغ مالي يقدر بـ60 ألف دينار كويتي فقط (200 ألف دولار أميركي) ولم يحاسب أي مسؤول أو طبيب أو ممرض، فكأنّ الحادثة لم تقع أصلاً. وما زال الفريق الطبي الذي أجرى العملية يمارس مهامه، ولا تحصل ابنتي على أيّ مستحقات حكومية تخصص للأشخاص ذوي الإعاقة بحجة انتمائها إلى البدون".

من جهته، يقول الدكتور مشاري المطيري، لـ"العربي الجديد"، إنّ على من هم خارج المجال الطبي أن يروا الموضوع من ناحية أخرى، إذ ليس هناك قانون للأخطاء الطبية في الكويت حتى الآن، والأطباء الذين تحدث معهم حوادث وأخطاء أثناء العمليات يحاكمون وفق قانون الجنايات، أي أنّ الطبيب الذي يخطئ طبياً فإنّ تهمة القتل في انتظاره. يضيف المطيري: "من غير المعقول حين يدخل مريض في عملية صعبة وفرص نجاته ضعيفة فيها، أن يوجه أهله الاتهامات إلى الأطباء في حال وفاته، ليطالبوا بعدها بتعويضات ضخمة وسجن الطبيب أو حتى إعدامه في بعض الحالات. كثيراً ما يخرج الأطباء بالبراءة من هذه الأحكام، لكنّ إجراءات المحاكمة التي تستغرق شهوراً أو سنوات تعيق الطبيب عن أداء عمله وقد تؤدي إلى فصله إذا ما احتجز لعدة أيام على ذمة التحقيق كما هو معمول به في القانون".




في السياق، يقول مدير أحد المستشفيات لـ"العربي الجديد"، مفضلاً عدم الكشف عن اسمه، إنّ كثيراً من العمليات لم يعد من الممكن إجراؤه بسبب رفض أطباء التخدير أداء عملهم وتخدير المرضى خوفاً من القضايا المتلاحقة التي يتهمون بها. يضيف: "غياب قانون طبي واضح في الكويت ينظم العلاقة بين الأطباء والمرضى ويعطي الأطباء خصوصيتهم في التعامل مع الناس والموت والمرض وغيرها، أدى إلى تراجع القطاع الطبي في الكويت بشكل كبير، وإلى تخوف الأطباء من إجراء العمليات".

المساهمون