"مفهوم الجبر": عودة إلى منابع تعطيل العقل

31 يناير 2018
الصورة
منير فاطمي/ المغرب
في ثقافتنا العربية المعاصرة، مثّل التراث موضوع بحث موسّع على مدى أجيال، ولفترة طويلة غلبت القراءات التاريخية العامة وإطلاق الأحكام، قبل أن تتبلور شيئاً فشيئاً قراءات أكثر دقّة وموضوعية خصوصاً بالاستناد إلى أدوات العلوم الإنسانية والاجتماعية.

في كتاب "مفهوم الجبر بين السياسي والديني"، الصادر مؤخراً عن "دار الجنوب"، تتصدّى الباحثة التونسية نسرين بوزازي إلى مسألة تلقي بظلالها -وإن بشكل خفيّ- على واقعنا اليوم، بالعودة إلى تدقيقها في إطارها التاريخي.

عن راهنية عملها، تقول في حديث لـ"العربي الجديد": "أردت إزالة الغموض الّذي ظلّ يلفّ مفهوم الجبر الإسلامي منذ القرن الأوّل للهجرة إلى اليوم، فقد نجحت الثقافة الرسميّة منذ ذلك الوقت في غرس الجبر اللاهوتي في "العقل العربي" لغايات سياسيّة بالأساس، فعطّلت كلّ أشكال الخلق والإبداع في المجتمع، وفي المقابل تعمّدت ذات الثقافة طَمْرَ الجبر الطبيعي الّذي انتمى إلى الجزء العقلي من المعارف واعترف بالإنسان كعنصر مفكّر وفاعل في الكون، وللأسف مازلنا نعاني آثار هذا الفعل "السلطوي" إلى اليوم، فحالة التأخّر والركود الّتي تشهدها البلدان العربيّة هي في جانب منها نتيجة لتفشّي ثقافة الجبر اللاهوتي وهو ما أردنا التنبيه إليه من خلال هذا الكتاب والدعوة إلى تجاوزه".

من الإشكاليات التي يطرحها العمل: كيف يكون جهم بن صفوان الثائر على الأمويّين سياسيّاً هو الّذي يدافع عن نظريّتهم في الجبر دينيّاً؟ وكيف يمكن له أن يتبنّى نظريّة خلق القرآن، القائمة أساساً على تأكيد عدم أسبقيّة الخطاب على الفعل، وأن يكون منظّراً للمقولة المعاكسة الجبر في نفس الوقت؟

وعن النتائج التي يصل إليها البحث، تضيف المؤلفة "من أهمّها أنّ الجبر الجهمي هو جبر طبيعي يستمدّ أسسه من الفلسفة الأرسطيّة، حيث يعتبر الإنسان عنصراً من عناصر الطبيعة فيخضع وجوباً لقوانين الكون بجسده بينما يتميّز بالقوّة والإرادة والاختيار وبالتالي يكون جبر الجهم مختلفاً عن جبر الأمويّين اللاهوتي من ناحية ومتناسقاً مع قوله بخلق القرآن ومع دوره في المعارضة من ناحية أخرى".

وحول الأبحاث التي سبقتها حول نفس المسألة، تشير بوزازي إلى وجود عديد الدارسين المعروفين في مجال دراسة التراث الإسلامي، سواء من العرب مثل محمّد عابد الجابري ونصر حامد أبو زيد ومحمّد عمارة وأحمد أمين، أو من المستشرقين مثل دانيال جيماري ومونتغومري وات، لكنّ طرحهم للمسألة كان جزئيّاً فلم يخصّصوا لها دراسات خاصّة ولم ينتبهوا إلى الاختلاف الدلالي بين الجبر الأموي والجبر الجهمي الّذي تعمّدت الثقافة الرسميّة إخفاءه".

دلالات