"مبدأ الفرق" من زاوية عربية

29 يناير 2020
الصورة
("رجل وكتاب" للفنان الكولومبي فرناندو بوتيرو)

للتكامل في مبادئ العدالة التي وضعها الفيلسوف الأميركيّ جون رولز (1921- 2002)، في كتابه "نظريّة في العدالة" قوّة قصوى ومُعطِّلة. إذْ يقيم الليبراليّة حسب تصوُّره على مبدأين اثنين، وهما: الحريّة السياسيّة أوّلاً، والعدالة الاجتماعيَّة ثانياً. وضمن المبدأ الثاني، ثمَّة مبدأان فرعيّان؛ الأوّل تمثّل في تُقبل الفروقات الاجتماعيّة والاقتصاديّة، أي اللامساواة الطبقيَّة، في حالةٍ واحدةٍ فقط: هو أنْ تخضع لمبدأ يسمّيه رولز، بـ "مبدأ الفرق"، إذْ يتطلّب تجاوز امتحان هذا المبدأ، تحقيق مصالح الأضعف اجتماعياً والأفقر اقتصاديّاً والأقل حظاً، والذين لم يوجدوا بالولادة في مناصب اجتماعيّة أو طبقية عالية، وذلك عبر إعادة توزيع الثروة العامَّة. أما المبدأ الفرعي الثاني فهو عدم جواز تأثّر المناصب في جهاز الدّولة السياسي والقانوني والمؤسسات العامة والخاصّة، بالمناصب الاجتماعيّة والطبقيَّة بالمطلق، موروثة كانت أم مكتسبة، قبل تطبيق مبدأ الفرق أو بعده، وتكون المساواة أمامها مطلقة لكلّ المواطنين.

هذا شرحٌ مُبسَّط لمبادئ العدالة عند جون رولز، والتي يراها الشرط الضروري لأيّ عدالة. ولشرح ضرورة التكامل بين هذه المبادئ، نفترضُ مثلاً نظاماً يحقّق المبدأ الثاني بفرعيه، ولا يحقّق المبدأ الأوّل، هنا يحصل التناقض وتتعطّل مفاهيم العدالة، وتنتفي الليبراليّة. أو لنفترضُ مثلاً نظاماً يحقّق المبدأ الأوّل (الحريّات السياسيّة)، والمبدأ الفرعي الثاني (المساواة)، ولكنَّه لا يحترم المبدأ الفرعي الأوّل، أي مبدأ الفرق، هنا تنشأ أكثر حالة معقّدة (نراها في لبنان).

يوصّف رولز المجتمع الذي لا يُطبَّق فيه المبدأ الفرعي الأوّل، أي مبدأ الفرق، بـ"المجتمع الطبيعي" أو "المجتمع الأوّلي" أو "مجتمع الولادة"، ويعني أخذ "الأصول" المادية (الوضع الطبقي) والمعنوية (الوضع الاجتماعي) كما هي من عند الولادة، دون إجراء أي تصحيح أو تعديل من خلال "مبدأ الفرق"، ويكون التصحيح هذا، إمّا عن طريق الضرائب أو دولة الحدّ الأدنى أو دولة الخدمات العامّة وغير ذلك.

"المجتمع الطبيعي" هو مجتمع الحظ والصدفة والاعتباط، وهو مجتمع جامد وسكوني وغير صراعي. مبدأ الفرق هو أساسُ نظرية التعاقد الاجتماعي، فهو يحوّل المجتمع من "الوضع الطبيعي غير العادل" إلى "الوضع الليبرالي العادل"، في عملية تصحيح شاملة للعلاقات الاجتماعيَّة. ويرى رولز في "مبدأ الفرق" حاجزاً مضادّاً أمام ظاهرة تكثّف الثروة، وتوحّش حريّة رأس المال، والتي من الممكن أن تحكم في ظلّ نظام يحقّق المبدأ الأول والمبدأ الفرعي الثاني. والنيوليبراليّة في العمق، هي غياب مبدأ الفرق في النظام الليبرالي.

باستثناء لبنان، فإن غالبيّة الدول العربيّة التي طبَّقت اقتصاد السوق المفتوح، لا يمكن وصفها بالليبراليّة أبداً، لأنّها لا تتجاوز المبدأ الأول، أي الحريات السياسيّة. في لبنان، المبدأ الأوّل محقّق إلى حد ما، ولكن المبدأ الثاني بفرعيه، غائبٌ بشكل مطلق، وبالتالي لا يمكن وصفه بالنظام الليبرالي. ومن الخطأ تحميل الليبراليّة المسؤوليّة. هو نظام رأسمالي، هذا صحيح، ولكنّه ليس ليبرالياً بحسب المنظّر الأساسي لليبراليّة، جون رولز.

ويرى رولز في مبدأ الفرق معياراً لتحديد عمق الليبرالية وشدّتها، في أيّ نظام سياسي يحقّق المبدأين الأساسييْن، لأنّ غيابها يعني انتهاء الليبرالية، وهذا ما يهدّد الليبرالية في معقلها… أي في الغرب.


* كاتب سوري

تعليق: