"كوسموس" ميشيل أونفري: مرافعة ضد الحداثة

24 نوفمبر 2016
الصورة
تجهيز لـ أنابيل إلغار (1971)
+ الخط -

يبدأ ميشيل أونفري (1959) كتابه "كوسموس: أنطولوجيا مادية" (منشورات "فلاماريون") بمديح لأبيه. إنه أمر غير معهود بالنسبة لفيلسوف وجد ضالته في "التمرّد" على الحقائق السائدة للآباء، سواء كانوا فلاسفة، رجال دين، علماء نفس أو حتى زعماء سياسيين. يتحدث أونفري عن أبيه في لغة عاطفية، يسكنها الحنين ويغلّفها الحزن، عن هذا الأب الذي كان "يعيش زمن فيرجيل، زمن العمل والراحة"، غير آبه بزمن الموضة، بهذه الأزمنة المعاصرة وسرعتها وتسرعها.

عاش أبوه، كما يكتب، زمن الحقول والطبيعة والبذار والحصاد، وكان "مسيحياً مثل المسيح، وليس مثل باولوس، رجل السيف والفاتيكان". إنه من علمه أن يصغي لدروس الطبيعة ضد دروس الثقافة، وما كتابه سوى احتفاء بهذا الإرث واستعادة فلسفية له. استعادةٌ هي لا ريب داخل الكوسموس، لكنها أبعد ما يكون عن الواقع. إنها تؤكد، وحتى نتحدّث ضد بكائية أونفري الفلسفية، استحالة كل عودة.

يندرج كتاب الفيلسوف الفرنسي الذي يعتبر الجزء الأول من ثلاثية فلسفية يقترح تسميتها بـ"موسوعة موجزة عن العالم"، في سياق الكتابات الناقدة للمشروع الحداثي، شأن كتاب الألماني أوسفالد شبينغلر "سقوط الغرب" أو كتاب لودفيغ كلاغه "الإنسان والأرض".

وقد نقرؤه أيضاً كخلطة لا تخلو من متعة، بين نيتشه وبرغسون وسبينوزا أو تعويذة سحرية لـ "أمّنا الطبيعة" أو ما يسميه أونفري "مقدّس الطبيعة"، الذي لم يعد للإنسان - وهو الضائع في اللغة والثقافة - من سبيل إليه، وفيه يذهب المفكّر الفرنسي في شططه الطبيعاني إلى حدّ اعتبار أن النباتات تفكّر وتتواصل، وإلى أنه لا فرق بين الإنسان والحيوان سوى أن الحضارة جرّدته من طبيعته.

أونفري يحتفي بكل أولئك الذين عاشوا في انسجام مع الكون ونظام العالم، كالفلاّح والبحّار والراعي وغيرهم، فيسقط في دياليكتيك عمودي، يُغفل أشكال القمع وضروب العنف التي حكمت هذه المجتمعات، في حين يظلّ ينظر إلى المدينة كمسرح للبربرية فقط.


رومانسية بشكل جدّي
أونفري رومانسي، لكن أحياناً يتوجّب أن نأخذ الرومانسيين، وحتى أولئك الذين تأخّر بهم الزمن، بشكل جدّي. فتفكيرهم تعبير عن تعب الفكر وتعب الحضارة معاً، وقد يسلّط الضوء على قضايا لا تنتبه إليها المدرسيّات المختلفة. فالفلسفة المعاصرة لم تلتفت إلى الغجر بالطريقة نفسها التي كتب بها أونفري، ولم تعمد كما فعل إلى تحويل النبيذ إلى موضوع للتفكير الفلسفي.

لكن ما يهمّنا في كتابه بالذات، ليس هجومه "المراهق" على الأديان التوحيدية، ولا ديونيسيّته المتطرّفة، ولكن حديثه عن الغجر في الفصول الأولى لكتابه فينخرط بذلك في سؤال فلسفي مهم، سيرافقنا طويلاً؛ السؤال عن الآخر أو الغريب، لكنه سؤال لن يطرحه أونفري بواقعية.


الأصل الغجري
يرى صاحب "تاريخ مضاد للفلسفة" أن الغجري هو ما كُنّاه كبشر يوماً، وأن التكبّر يمنعنا من رؤية ذلك، ويجعلنا نعتقد أننا في تجاوزنا لذلك، نكون قد تجاوزنا البربرية إلى التحضّر، معتقدين بأن تحضّرنا يكمن في انفصالنا عن الطبيعة والكون.

إن الغجر يمثّلون بالنسبة إليه آثار حضارة كونية، ما برحت "الحضارة" التي ينعتها باللاكونية، أو الحضارة الحديثة، تعمل على إقصائها. ولا عجب أن يعتمد أونفري، المتأثر بنيتشه، على الجينالوجيا ليرسم الفارق بين الحضارتين، فالغجر يؤسّسون لتيههم الأنطولوجي بعيداً عن الجينالوجيا المسيحية أو اليهودية. إن جينالوجيتهم ترى امرأة أخرى سابقة لحواء، بعيداً عن الخطيئة الأولى التي ستربط قدر الإنسان على الأرض بالعمل.


زمن حكمة كونية
تسمح هذه الجينالوجيا البعيدة عن المعرفة والسيطرة للغجر ببناء علاقة مختلفة بالزمان تختلف عن علاقة المسيحي به، الذي برأيه "يفقد حياته وهو يحاول ربحها". إنها زمانية تتحقق خارج "الساعة" وخارج استعمالات الزمن وأدوات القياس والحساب، فهي زمانية "الشمس والنجوم والكواكب ودورات الطبيعة والفصول"، وتبدو الحضارة عند تأمّلنا لهذا الفرق بين الزمانيتين، كتكرار يوميّ، أو كحلقة مفرغة، رغم كل أشكال المعنى التي نضفيها عليها.

ولذلك أيضاً يعيش الغجري خارج منطق الملكية والعمل والمنافسة، في انسجام مع العالم. "إن زمنه هو زمن حكمة كونية"، في حين يظلّ الزمن المسيحي "زمن لامعقولية غير كونية". وهكذا يمضي أونفري في التغنّي بالزمانية الغجرية، والمنافحة عنها ضد الزمانية النظرية والثقافية، معتبراً أنها زمانية تجريبية وأن الغجر هم شعب الطريق والتيه، وأنهم في ذلك يحتاجون إلى قراءة النجوم وليس إلى قراءة الكتب.

إنهم شعب وثني، ووثنيّتهم تؤسّس لميتافيزيقا مع الطبيعة وليس ضدّها، "أن تملك، يعني أن تكون عبداً للأشياء وللملكية"، أما الشعب الغجري فهو في نظره ليس عبداً لأي شيء، فالتحقّق الأنطولوجي لا يحتاج إلى ملكية كما يكتب أونفري، "والأحياء لا يملكون أكثر من الأموات، والحاضرون لا يملكون أكثر من الغائبين".


شعب في رأس أونفري
نبحث عن هذا الشعب الغجري في كل مكان، وعن إنسان خارج الملكية، ولن نجده إلا في رأس أونفري. وحتى في غجريتنا، لا نستطيع أن نُفلت من النظام الرأسمالي. فمن لا يملك يتمّ امتلاكه، وبلغة أخرى، لقد أضحت الملكية مرادفاً للحرية شئنا أم أبينا.

إن الحلم الغجري الجميل لأونفري، والذي قد نقرؤه كمرافعة ضد الحداثة، أو كصرخة من أعماق الأدغال، هو حلم غير مسؤول أيضاً، فهو يبتغي تجاوز الواقع عبر النفخ في جثّة الطبيعة. جثة كان القرن التاسع قد شيّعها إلى مثواها الأخير.

المساهمون