"عيد" السينما العراقية: لا تمويل ولا إنتاج

"عيد" السينما العراقية: لا تمويل ولا إنتاج

27 يوليو 2018
من "الأوديسة العراقية" للمخرج سمير (الملف الصحافي للفيلم)
+ الخط -
تحتفل السينما العراقية هذه الأيام بعيدها الذي يقام سنويًا، فيُكرَّم رموزها وتُقام حفلة "استذكار" لها. هذه سينما معروفة تاريخيًا بأنها رابع سينما في الوطن العربي بعد المصرية والسورية والتونسية. والاحتفال يُقام رغم أن هذه السينما لا تزال تعاني ركودًا إنتاجيًا، ولم تتمكّن في العقود الـ3 الأخيرة من تأكيد حضور لافتٍ للانتباه في المشهد السينمائي. 

المفارقة كامنةٌ في أن المؤرّخين لم يتفقوا على سنة تأسيسها لغاية الآن، كما يقول المؤرّخ مهدي عباس، الذي يُشير إلى أن هؤلاء يُقرّون بوجود 3 تواريخ مُعتمدة كبداية لصناعة السينما في العراق. منهم من يعتبر 20 نوفمبر/تشرين الثاني 1946 البداية، مع عرض "ابن الشرق" لإبراهيم حلمي (إنتاج "شركة أفلام الرشيد") تمثيل المطربين عزيز علي وحضيري أبو عزيز والمصرية مديحة يُسري، الذي عُرض في صالة "سينما غازي" في بغداد، وحقّق حينها نجاحًا كبيرًا. لكن عباس يُشير إلى أن مؤرخين عديدين لا يعتبرون الفيلم عراقيًا صافيًا، لأنه إنتاج مشترك بين مصر والعراق، موضحين في اعتراضهم هذا أن الهيمنة في الفيلم للمصريين.

لهذا السبب، وجد هؤلاء أنه من غير المنطقي اعتباره إنتاجًا عراقيًا خالصًا ليُحتفل به، فقالوا إنّ "عليا وعصام" أول إنتاج سينمائي عراقي (استوديو بغداد)، وإنْ أخرجه الفرنسي أندره شاتان وصوّره جاك لامار، فالممثلون عراقيون: إبراهيم جلال وجعفر السعدي وعزيمة توفيق وفوزي محسن الأمين، كما أن كاتب السيناريو هو الأديب العراقي أنور شاؤول. عُرض الفيلم في "سينما روكسي" في بغداد، في 12 مارس/آذار 1949، فارتأى العاملون في السينما جعله مناسبة لعيد السينما العراقية، واحتفلوا به أعوامًا عديدة، إلى أن اعترض البعض مُشدِّدًا على أن العيد لا بد أن يكون بفيلم عراقي بالكامل، إخراجًا وتصويرًا وتمثيلاً، فتمّ تشكيل لجنة من متخصّصين بالسينما وتاريخها، قرّروا اعتبار "فتنة وحسن" (1955) لحيدر العمر عن قصّة لعبد الهادى مبارك، الفيلم العراقي الأول. يُذكر أن التصوير لسيمون مهران والموسيقى لناظم نعيم، وأن الفيلم من إنتاج شركة "دنيا الفن" لمؤسّسها ياس علي، والتمثيل للعراقيين ياس علي الناصر ومديحة رشدي وسلمى عبد الأحد وغازي التكريتي.



إذًا، هذا هو أول فيلم عراقي بالكامل، وأُطلق عرضه التجاري في صالات "الحمراء" و"الهلال" و"القاهرة"، في 20 يونيو/حزيران 1955، وهو التاريخ الذي أصبح لاحقًا عيدا للسينما العراقية، رغم اعتراض البعض على ذلك.

المخرج فارس طعمة التميمي، مدير السينما في وزارة الثقافة العراقية، يقول إن السينما العراقية تعاني، منذ أعوام طويلة، تلكؤًا واضحًا، أو توقّفًا على مستوى الإنتاج والمستويات الفنية والتسويقية، ما جعلها من الفنون شبه المندثرة في الساحة الفنية العراقية، رغم الأموال الكثيرة المرصودة لها من وزارة الثقافة عام 2013، أثناء إقامة مهرجان "بغداد عاصمة الثقافة"، خصوصًا في الجانب المتعلّق بالإنتاج السينمائي. لكن الأموال صُرفت من دون مردود مرئي بما يليق بالسينما العراقية وتاريخها.

يضيف أن المشكلة الأكبر للسينما العراقية هي التمويل، "بسبب قلّة ما تمنحه وزارة الثقافة، خاصة أن مفاصل الدولة كلّها تعاني أزمة اقتصادية، وأيضًا لاعتماد "دائرة السينما والمسرح" على التمويل الذاتي، وأغلب هذا التمويل يعتمد على تأجير خشبة مسرحها". أشار التميمي إلى أن السينما محتاجة إلى أموالٍ كثيرة، "لكن العراق يمرّ بمرحلة تقشّف قاسية". وبالتالي، فإن مهمة المخرج العراقي صعبة جدًا في هذه الفترة، لا سيما أن المرحلة التي تُطرح فيها مواضيع الحرب على تنظيم "داعش" تحتاج إلى دعم دولي كبير. مع هذا، "أعتقد أن المستقبل السينمائي العراقي سيكون أبهى وأنضج، وأقدر على الفوز بجوائز دولية".



من جهته، يقول الناقد كاظم مرشد السلوم إنه لا يكفي التفرّغ كل عام للاحتفاء بالسينما، "كأننا نرثي أيامها، إذْ لا إنتاج للأفلام الروائية الطويلة، في مقابل الاعتماد على الجهود الفردية للمخرجين بالتعاون مع مؤسّسات دولية، من دون دعم الدولة". يُضيف أن اللافت للنظر في الأعوام الأخيرة "هو التنافس في إقامة مهرجانات سينمائية عديدة بلغ عددها 20 مهرجانًا في المحافظات المختلفة، تتراوح اهتماماتها بين الأفلام القصيرة والأفلام الوثائقية، من دون تحقيق الأهداف التي وجِدت من أجلها".

فنانون وفنيون كثيرون يطاولهم العطب بسبب توقف العمل في صناعة الأفلام السينمائية منذ عام 1990، الذي شهد إنتاج آخر فيلم روائي "الملك غازي" لمحمد شكري جميل، كما يقول الممثل أحمد شربجي، الذي يرى أن السينما، خلافًا للأنواع الإبداعية المختلفة في العراق، "لم تأخذ قسطها الوافر من النهضة الأدبية والفنية في أربعينيات القرن الـ20، التي شملت الشعر والرسم والمسرح، رغم أن الفترة نفسها شهدت تأسيس استوديوهات وشركات إنتاج سينمائي عديدة". ويضيف شربجي أنه، بعد عام 2003 وسقوط النظام السابق، "داعب الأمل مخيلة سينمائيين كثيرين في تحقيق نهضة سينمائية كبرى، خاصة مع وفرة فضاء الحرية المتاح. لكن الإنجاز السينمائي لم يتجاوز العدد البسيط من الأفلام الطويلة والقصيرة، التي لا تتطلّب غالبًا إمكانيات إنتاجية ضخمة".

المساهمون