"علم النفس الوجودي": تحريك سواكن معرفية

03 سبتمبر 2019
الصورة
سارج بولياكوف/ روسيا
+ الخط -

ربما نعرف القليل أو الكثير عن الوجودية، من خلال ما قرأنا عنها في كتب جان بول سارتر أو مارتن هايدغر أو ألبير كامو، فقد يتذكّر بعضنا ظروف نشأتها وازدهارها بعد الحرب العالمية الثانية، أو أنها تقوم على فكرة مسؤولية الإنسان عن وجوده ومروره في هذه الحياة. فلا مهرب من هذا الوضع الذي يجبر الإنسان على صنع نفسه بنفسه وتحمّل تبعات اختياراته. لكن هل تجدّد استعمالها منذ ذلك الوقت؟

لطالما عدّت الفلسفة أمّ العلوم، وقد بقيت تتمتع بهذه الأمومة قروناً إلى حين تبلور العلوم الحديثة التي بدأت تستقلّ الواحد بعد الآخر، ومنها علم النفس، حيث حصلت القطيعة في النصف الثاني من القرن التاسع عشر، خصوصاً على يد العالم الألماني ويليام فونت الذي عمل على بناء علم النفس على أرضية خاصة به وهي معرفة الدوافع النفسية لسلوك الإنسان بطريقة علمية، أي قابلة للتثبت والتحقيق. لكن هذه القطيعة لم تكن نهائية، حيث إن العلاقة بين الفلسفة وعلم النفس ظلت محكومة بالأخذ والعطاء، وكثيراً ما كان هذا الحقل أو ذاك يأخذ من الآخر أفكاراً أو مفاهيم ليدمجها في جهازه النظري.

لعلّ ذلك يفسر عودة الوجودية من حين إلى آخر إلى علم النفس، ولنا أن نتحدّث عن عودة من الباب الكبير حين نتصفّح كتاب "مدخل إلى علم النفس الوجودي" لعالم النفس الفرنسي جان لوك بِرنو Jean Luc Bernaud وهو عمل صدر في 2018 عن منشورات "دينو". فما الذي دعا هذا الباحث المعروف باتباعه المناهج الكمية والقياس النفسي الدقيق إلى الخوض في شعاب الوجودية واستخراج ما يمكن - على حد قوله - دفع عجلة التقدم المعرفي في علم النفس؟

يعتبر برنو، في مقدمة الكتاب، أن الجمع بين علم النفس والوجودية يفتح على تطوير اختصاص جديد في علم النفس، وللإشارة فإن كتابه يمثّل أول عمل تأليفي ينشر باللغة الفرنسية يقع ضمن هذا التقاطع. يرى برنو أن هذه المزاوجة وسيلة من وسائل التجديد العلمي والذي هو برأيه مصدر لتحريك السواكن في تكوين الأجيال الجديدة ولتطوير مناهج جديدة وإيجاد حلول عملية لمشاكل المجتمع، ويصرّح بأن "علم النفس الوجودي يتنزل في هذا التمشي ضمن حركية تطور العلوم الإنسانية والاجتماعية".

يتساءل برنو: كيف نحدد معالم هذا الحقل الفرعي ونبرز ميزاته وأدواته وميادين تجربته؟ مشيراً إلى أن الإجابة عن هذا السؤال هو الهدف الرئيس من الكتاب. يقوم علم النفس الوجودي على تثمين الذكاء الإنساني من حيث إنه تجاوز لكل الحتميات، فهو منفتح على فن الحوار حتى يضفي معنى أعمق للوجود. ويستمد طرافته من خمس نقاط يلخّصها المؤلف كالتالي: تأكيده على حرية الإنسان، نظرتُه التفاؤلية، انفتاحه على الممكن، موقفه المنبهر من الوجود، وإعطاؤه فرصة لكل واحد منّا لمساءلة نفسه عن الاختيارات التي قام بها. أما هدفه، فهو بحسب المؤلف، "فهمُ التمثلات والانفعالات والمواقف والسلوكات التي يبنيها الأفراد أمام الوجود وآفاق الخيارات الحياتية".

بهذه المعالم التي حدّدها برنو يتقارب علم النفس الوجودي مع مدارس نفسية أخرى مثل علم النفس الإنساني وعلم النفس الإيجابي، لكنه يختلف عنهما من حيث إن علم النفس الإيجابي يركز في الأساس على البحث عن السعادة بينما يركز علم النفس الوجودي على بناء معنى للوجود. وكذلك بالنسبة لعلم النفس الإنساني الذي يعطى الأولوية إلى مفهوم الذات وكيفية تنميته، بينما يحتل مفهوم الوجود بكل أبعاده المكانة الأولى في علم النفس الوجودي (المعنى، الحرية، العزلة، القلق...).

أما في ما يخص مناهج علم النفس الوجودي، فإنها تجمع - حسب المؤلف - بين المناهج الكمية والنوعية وتستعمل على حد السواء في الممارسة العملية والأبحاث العلمية النظرية. ومن ضمن الأدوات التي يستعملها علم النفس الوجودي الحوار السقراطي، والذي يعتبر وسيلة لإنتاج المعلومة عن الشخص وبفضل العودة إلى قول الشخص ثانية كعملية عاكسة، ندفعه نحو التغيير. ويقوم هذا الحوار على مجموعة من الأسئلة غايتها معالجة المشكل الوجودي المطروح بشكل منطقي والخروج بحلول وهو قريب من المقابلة عند كارل روجرس مثلاً.

بالإضافة إلى الحوار السقراطي، هناك المناهج الظواهرية أو الفينومينولوجية التي تدين لأعمال الفيلسوف الألماني هوسرل (1859 - 1938). يعتبر المؤلف أن الرجوع إلى هذه المنهجية متناسق مع مبدأ العودة إلى الأشياء ذاتها، ووضع كل النظريات بين قوسين والثقة في ما يقوله الفرد للولوج إلى ذاتيته.

أما الأداة الثالثة، فهي تعتمد على قصص الحياة، وتهدف إلى فهم الأشخاص من خلال سياقهم الزمني والاجتماعي والثقافي وذلك عبر حكاياتهم وتركيبتها الذهنية وكل ذلك يعود إلى إمكانية الأشخاص في إيجاد معنى لحياتهم عن طريق رواياتهم لتلك الحياة وفي غياب الروايات الكبرى التي كان أغلب الناس يرجعون إليها لإيجاد المعنى.

ورغم أن المنهجيات الكمية تبدو لأول وهلة غير متناسبة مع فكرة علم النفس الوجودي، إلا أن برنو يفنّد هذا التوجّه، حيث يرى أن هذه المناهج تتيح إمكانية القياس والتقييم النفسي للأشخاص، وفي نفس الوقت تراعي تعقد الواقع النفسي ولا تقول بخضوعه لحتميات صارمة، وهي بذلك تمكن من بناء نماذج نظرية كما وقع مع مفهومي المعنى والصدق مع الذات. وتمنح كذلك الباحث مؤشرات هامة يدرس بها الحالة التي أمامه.

تعرّض المؤلف في هذا الصدد إلى أربعة سلالم كمية للقياس في علم النفس الوجودي، يبدأها بـ سلم الفكر الوجودي، وهو سلم يعتني بإبراز مكوّن ذكائي يسمى الذكاء الوجودي ويصف بعض الأشخاص الذين يتميزون به بحس قوي بالمشاكل أو قضايا الكبرى للوجود، ثم سلّم الوجود الذي يقيس أربعة أبعاد أساسية في الوجود وهي المسافة عن الذات والتعالي والحرية والمسؤولية، فسلّم الحس الروحي ويقيس هذا السلم مدى تلقي الشخص لنداء الحياة وقوتها الجاذبة وما هو دوره فيها، وأخيراً سلم البحث الوجودي الذي يقيس مدى انفتاح الشخص على مسائل وجودية وعلى إمكانية قبوله نقد نفسه وأفكاره.

يرى المؤلف أن علم النفس الوجودي، رغم نشأته الحديثة يقوم بمهمّة تجديدية في علم النفس وهذا ما يفسّر تحمّس عديد الأخصائيين له، لكنه يحتاج مع ذلك إلى الخضوع إلى نقد معمق ودعم لأسسه النظرية وتقديم برهنة علمية أمتن.


* باحث في علم النفس وكاتب تونسي

المساهمون