"عربية شرق أفريقيا": جزء منسيّ من الضاد

24 يناير 2018
الصورة
(مسجد في منطقة لامو، كينيا، تصوير: أنطوني أسايل)

تعاني العربيّة من نقص الدراسات التي تركز على جوانبها التركيبية، الصوتية والصرفية والنحوية، فضلاً عن الجوانب التاريخية والاجتماعية والنفسية ومدى تأثيرها ليس على مستوى تطوّر اللغة داخل أرضها والمتكلمين بها فحسب، بل حينما تنتقل إلى ثقافات ومناخات أخرى.

مؤخراً، صدر كتاب "العربية في شرق أفريقيا.. مقدمة في التهجين اللغوي" (الهيئة المصرية العامة للكتاب) للباحث المصري محمد الشرقاوي، وهو دراسة حول وضع اللغة العربية في سياقات اجتماعية وسكانية وتواصلية مختلفة عن منطقتنا.

ورغم أن البحث يبدو مغامرة معرفية جديدة إلا أن المؤلف اعتبر أن هذا الموضوع من الطبيعي تناوله، بل من المفترض أن يكون قد قُتل بحثاً باعتبار منطقة شرق أفريقيا من أهم أقاليم وجود العربية وأثراها؛ إذ هي باحة خلفية لمناطق اللهجات التقليدية العربية الشرقية والمصرية والسودانية ولهجات غرب السودان وكذلك للهجات غرب الجزيرة العربية واليمن وعُمان.

يرى الكاتب أن هذا التهميش لوضع وتطوّر العربية في منطقة شرق أفريقيا ليس خطيراً فقط على مستوى البحث والدراسات اللغوية، بل أكثر من ذلك بسبب مساهمة هذا التهميش في إبعاد هذه المنطقة عن العقل الجمعي العربي؛ وهو ما سهّل على سياسيّي دول هذه المنطقة عزل العربية لصالح السواحيلية والإنكليزية. 

تطرّق الكتاب لحال اللغة العربية في قارة أفريقيا من ثلاث زوايا؛ الأولى هي حال العربية في شمال أفريقيا حيث توجد أقليات سكانية غير عربية ضمن وسط عربي. الزاوية الثانية هي حال العربية كلغة اتصال في أثيوبيا وإريتريا وتشاد حيث تستخدم العربية كلغة تواصل بالرغم من أن العرب أقلية لا تزيد عن عُشر السكّان، أما الزاوية الثالثة فتتمثل في استخدام العربية كهجين لغوي في مناطق لا يسكنها عرب ولكن توجد فيها عربية هجينة وصلت إليها لأسباب سياسية تاريخية مثل محيط بحيرة تشاد ومنطقة الكينوبي في كينيا وأوغندا وعربية جوبا جنوب السودان.

يعرّف الكتاب ظاهرة التهجين اللغوي للعربية، ويميّز الهجن من الأنماط اللغوية الأخرى ثم يقدّم سمات الهجن اللغوي ومصادره وخلفيته الاجتماعية والتاريخية، وبعد ذلك ينشغل بدراسة نموذجَي عربية الكينوبي وجوبا.

في الجزء المخصّص لمناقشة الخلفية الاجتماعية والتاريخية للتهجين، يتحدث الكاتب عن بداية معرفة دول شرق أفريقيا للعربية وتواجد الثقافة العربية منذ بداية القرن الحادي عشر مع هجرات بدو السواحل الشرقية لأفريقيا من العرب غرباً حتى أصبحت اللغة العربية والدين الإسلامي حاضرين بقوة في شرقي أفريقيا في القرن الرابع عشر، لكنه يعتبر القرن التاسع عشر هو تلك المنطقة الزمنية التي يراها مفصلية منذ أن أظهر محمد علي اهتماماً كبيراً بجنوب السودان وشرق أفريقيا عموماً.

في تلك المرحلة الزمنية، كان جنوب السودان ملاذاً للمماليك الفارّين من محمد علي الذي استهدفت حملاتُه العسكرية المنطقة، وكذلك ابنه إسماعيل، وبدأ معها جلب السودانيين للعمل في الجيش المصري أو كخدم، وهي أحداث خلقت صورة سيئة مليئة بالحزازات تجاه شمال القارة، بسبب استغلال ثروات جنوب السودان وشرق أفريقيا، البشرية منها والطبيعية، ما كان كفيلاً بخلق قطيعة، إلا أن اللغة العربية على ما يبدو كانت الشعرة التي حالت دون أن تكون هذه القطيعة تامة لتبقى الثقافات منسجمة لغوياً وتنتج أنماطاً مختلفة من الهجين اللغوي العربي الذي لا يزال قائماً إلى اليوم.

هذا الكتاب هو الحلقة الثانية من ثلاثية عزم المؤلف على العمل عليها كمشروع موحّد، كان أولها كتاب "الفتوحات العربية" (2013، دار التنوير)، وفيه أعاد رصد الظروف الإيكولوجية التي صاحبت تعريب الأمصار الإسلامية في القرن الأول الهجري والتي ساهمت في تكوين اللهجات العربية الحضرية، والكتاب الثالث والأخير بعنوان "دراسة الأنماط العربية في وسط آسيا".