"عافاكم"... أزمة تجهيز وتنظيف في الجزائر

18 مارس 2020
الصورة
عددها قليل (العربي الجديد)
يقرن الجزائريون ذكر كلمة المرحاض بعبارة "حاشاكم" أو "عافاكم" أو "أكرمكم الله" من باب الذوق العام. ومن الأسماء التّي يُطلقونها عليه، بالإضافة إلى "تواليت"، الاسم الفرنسيّ المتداول على نطاق واسع، "بيت الراحة"، فيحرصون في بيوتهم على أن يكون المرحاض واسعاً وأنيقاً ونظيفاً. فهل المراحيض في الأماكن العامة على هذه الحال؟

تقول الروائية الجزائرية فضيلة الفاروق إنّ على الجزائريّين أن يتوقّفوا، لمدّة أسبوع، عن الحديث عن أزماتهم المختلفة في السياسة والاقتصاد والثقافة والمجتمع والرياضة والإعلام وما يحيط بحدودهم من فخاخ أمنية، ويتفرغوا فقط للحديث عن أزمة المراحيض العمومية لديهم، من زاوية ندرتها ونظافتها.

تشرح الفاروق فكرتها بالقول: "هل يعقل أن تشقّ عاصمة محافظة من المحافظات الثماني والأربعين (صارت الآن 58 محافظة)، علماً أنّ أقلّ المحافظات سكاناً لا يقلّ عدد سكّانها عن مائة ألف نسمة، فتجد من المراحيض العمومية ما لا يتجاوز أصابع اليد الواحدة، معظمها لا يمكن استعماله لعدم نظافته؟". وتختم صاحبة رواية "مزاج مراهقة"، التي كانت المراحيض واحدة من موضوعاتها: "إنّني أخجل من هذا الوضع أكثر إذا كان معي أصدقاء أجانب، فالمرحاض العموميّ يتحول، حينها، إلى مرآة تعكس صورة البلد".

أما عن الخلفيّة الاجتماعيّة لهذه الظاهرة، فتقول إنّها تقرأها انطلاقاً من معطيين، هما النظرة الشعبية الفوقية إلى العامل في مرحاض عمومي "فالشعب لا يتردّد في إبداء الاستياء من ندرة المراحيض، لكنّه في الوقت نفسه يزدري القائمين عليها"، بينما يتعلّق المعطى الثاني، كما تقول، بسياسة ترييف المدن الجزائريّة بعد الاستقلال الوطني (1962)، إذ جلب القرويون كثيراً من عاداتهم، منها أنّهم يعتبرون قضاء الحاجة خارج البيت عيباً.

حاولنا أن نعاين ما تشير إليه فضيلة الفاروق ميدانيّاً، فقطعنا المسافة الفاصلة بين ضاحية المراديّة، في أعالي الجزائر العاصمة، حيث يوجد القصر الرّئاسيّ، إلى ضاحية باب الوادي على شاطئ البحر، عبر ضواحي ديدوش مراد وموريس أودان وساحة الشهداء، فلم نعثر إلّا على مرحاض عموميّ واحد للرجال، من دون النساء، قبالة فندق "السفير".

وتعمّدنا أن نسأل في طريقنا عيّنة عشوائيّة من العابرين عن مرحاض عموميّ، لنرصد ردود فعلهم، فكانوا يشيرون علينا بأن نقصد مقهىً أو مسجداً لقضاء الحاجة. ومع سؤال أحدهم: "هل تفعل أنت ذلك؟"، يقول إنّه لا يجد بديلاً: "نحن بشر نأكل ونشرب، وبالضّرورة نحتاج إلى بيت الراحة. هل نحن ملائكة؟".

يتابع المتحدث، وهو طالب في جامعة "هوّاري بومدين للعلوم التّكنولوجيّة": "ثمّة مقاهٍ تشترط استعمال مراحيضها بتناول مشروب معيّن. فالمفتاح موجود لدى عامل الصندوق. ويحدث أن تشرب أوّلاً، بما يُعزّز حاجتك إلى المرحاض، ثمّ تكتشف أنّه غير متاح أو غير موجود أصلاً". يسأل: "لماذا لا تتحرّك مصالح الرقابة لمعاقبة المقاهي التي لا تكون مراحيضها متاحة ونظيفة؟".

يطلقون عليه بيت الراحة (العربي الجديد)


في هذا الإطار، نلجأ إلى أرقام صدمت بها قناة "نوميديا" الإخبارية الجزائريين عام 2018، إذ ورد في تقرير لها أنّ عدد الداخلين يومياً إلى وسط العاصمة فقط يبلغ مليوناً وخمسمائة ألف شخص، بالإضافة إلى عدد السكان المقيمين القريب من العدد نفسه، مع ذلك فإنّ عدد المراحيض العموميّة المتوفّرة هو تسعة مراحيض، أي بمعدّل مرحاض واحد لكلّ ثلاثمائة ألف شخص.

في مدينة برج بوعريريج، (200 كيلومتر إلى الشرق من الجزائر العاصمة)، التي يبلغ عدد سكانها 251 ألف نسمة، بحسب إحصائيات عام 2019، لا يوجد سوى مرحاضين عموميين في ساحة القلعة، واحد للنساء وآخر للرجال، وأربعة مراحيض في المحطة البرية للحافلات على أطراف المدينة.

يقول الشاب أحمد العلمي، وهو المسؤول عن مرحاضين في المحطّة، إنّ ندرة المراحيض العمومية في الجزائر تندرج ضمن سياسة مقصودة تقوم على حرمان الجزائريّين من الرّاحة والاستمتاع بالحياة: "من ذلك إنجاز عمارات من غير مصاعد، عكس العمارات التي أنجزتها السلطات الاستعمارية، إذ يتعب سكّانها في سلالمها أكثر من تعبهم في العمل. وإنجاز مواقف في طرقات المدينة لا تقي من ينتظر حافلةً أو سيارة أجرة من الشمس والبرد".
أهمية نظافة المراحيض العمومية ( العربي الجديد)


ويكشف لـ"العربي الجديد"، أنّه اقترح مشروعاً يعتقد أنّه قادر على تجاوز هذا الواقع على بلدية البويرة، (70 كيلومتراً، إلى الشرق من الجزائر العاصمة)، لكنّه لم يتلقّ رداً لا بالقبول ولا بالرفض "فالمسؤول الجزائريّ قد يجتهد لأجل توفير ما يُؤكل ويُشرب لكنّه لا يبذل أيّ جهد في توفير المراحيض التي تستوعب فضلات ذلك".

يهدف هذا المشروع، بحسب العلمي، إلى إنجاز ثلاثين مرحاضاً عمومياً في مفاصل مدروسة من المدينة التي يبلغ عدد سكّانها أكثر من 200 ألف شخص، من غير احتساب عدد سكّان المناطق التابعة لها "هكذا نتمكن من تشغيل ثلاثين مواطناً وربّما أكثر إذا اعتمدنا نظام المداومة، وتربح الخزينة العامة مالاً من خلال تأجير الأماكن وتحصيل الضرائب. وبالإضافة إلى توفير شروط الرّاحة للسكان، سنحمي المحيط العام من مظاهر التبوّل في السّاحات العامة، إذ باتت الروائح لا تطاق في بعضها".

في حديث الشاب الجزائريّ إشارة إلى ظاهرة باتت منتشرة في التجمّعات الجزائريّة، وهي إقبال بعض الرجال، باختلاف شرائحهم العمرية، أثناء وجودهم خارج بيوتهم، أمام ندرة المراحيض العموميّة، على التبوّل خلف الجدران. وهو ما دفع البعض إلى كتابة عبارة "ممنوع التبول" في الأماكن التي تشهد هذا السلوك بهدف مكافحته. ومن الطرائف السائدة في هذا الباب أنّ معظم من يتلقّون عتاباً على فعل ذلك يتذرعون بظروف صحية، فيقولون، حتّى يتفادوا الحرج، إنّهم مصابون بداء السكّري، ولا يستطيعون حبس البول.


يقول الطبيب عبد الجبار ياسين لـ"العربي الجديد"، إنّ مثل هذا السلوك يؤدي إلى إفراز الروائح الكريهة، ونشر الحشرات الضارة، بالإضافة إلى احتمال نقل كثير من الأمراض عبر العدوى الناتجة عن الاحتكاك بالمكان نفسه: "وهو ما يحوّل الفضاء العام إلى مصدر للأتعاب عوضاً عن الراحة". ويؤكّد ياسين أنّ المرحاض أكثر الأماكن احتواء على الجراثيم، مضيفاً: "معظم ما يتوفّر لدينا من مراحيض عموميّة غير معقّمة، ويمكن أن تكون سبباً لإصابة مستعمليها بالأمراض". يسأل: "ما معنى أن نحرص على إنجاز مستشفيات عمومية من دون الحرص على نظافة مراحيضنا العموميّة التي من النادر أن نجد فيها الصابون وورق المراحيض؟".

من جهته، يقدم الناشط محمد عبلول اقتراحاً يقوم على تحويل بعض ما يعرف بمحلات الرئيس عبد العزيز بوتفليقة التي منحها للشباب العاطلين من العمل، بمعدّل 100 محلّ لكل بلديّة، علماً أنّ في الجزائر 1554 بلديّة، إلى مراحيض عموميّة. يشرح فكرته بالقول: "فشلت هذه المحلات في أن تخلق دورة تجاريّة لأنّها جاءت ضمن مشروع مرتجل وغير مدروس، وبقي معظمها مقفلاً فلماذا لا نستغلّها في مجال طلعت ريحتنا فيه؟"، يسأل وهو يخلط ما بين المجازي والحرفي للعبارة.

دلالات

تعليق: