"طبيب فاس": دفتر في مغرب القرن التاسع عشر

09 اغسطس 2019
الصورة
(مدينة فاس في بداية القرن الماضي)

بعد أن تضمّنت الكتابات الأوروبية عن المغرب في القرنين السابع عشر والثامن عشر انطباعات وصفية حول حياة الناس وعاداتهم ومعتقداتهم الدينية وتنوّعهم العرقي، بدأت تظهر تدريجياً مؤلّفات اكثر علمية في القرن التالي تحتوي إحصائيات دقيقة للسكان والمدن وتصنيف لمهنهم وسير أعلامهم، إضافة إلى معلومات أكثر حول الأحوال السياسية.

صدرت حديثاً ترجمة رواية "طبيب فاس" للكاتب الألماني هيرمان شخابيغ التي يوثّق فيها الرحلة الأولى لمواطنه فريدريك غيرهارد رولفز (1831 – 1896) إلى المغرب سنة 1862، في فترة تصارعت عليها القوى الاستعمارية ممثلة بإسبانيا وفرنسا وإنكلترا، ونقلته إلى العربية بشرى حكيم.

يتناول الكتاب تفاصيل الرحلة التي بدأت من الجزائر مروراً بمدينة طنجة جيث كان يعمل طبيباً في فيلق القوات العسكرية الفرنسية للأجانب، بعدما سمع برغبة السلطان في تجديد الجيش وضمّ أطر أجنبيّة من أطباء وضبّاط، فقرّر مغادرة الجزائر على متن سفينة بخارية وليس بحوزته غير ثيابه والقليل من المال.

رغم التّحذيرات التي تلقاها بالرّجوع عن عزمه لأنّه قد يفقد حياته جرّاء ركوبه هذه المغامرة، فإنه لم يفعل ومضى قدماً مرتدياً زيّ مسلم، ومدّعيّاً اعتناقه الإسلام، وأطلق على نفسه اسم "مصطفى"، الأمر الّذي أتاح له فرصة الدّخول إلى البيوت المغربيّة واكتشاف أسرارها والاختلاط بشتّى شرائح المجتمع المغربي، والاطّلاع على طرق عيشهم وتعاملهم، خصوصاً نظرتهم إلى الأجانب.

تعرّف رولفز على مناطق لم يكن حينها قد زارها أحد من الأجانب من قبل، فوصفها في كتابه المعنون بـ"إقامتي الأولى في المغرب والرّحلة جنوب جبال الأطلس عبر واحات درعة وتافيلالت" وصفاً دقيقاً، كما تتطرق الرواية إلى العلاقة الّتي جمعت بين رولفز وكبير شرفاء الزاوية الوزانية، الحاج عبد السلام، الذي كان معجباً بكلّ ما هو أوروبي، وتبيّن ذلك بجلاء في طريقة استقباله لرولفز، وفي الصّداقة الوطيدة الّتي جمعت بينهما.

حقّق الطبيب هدفه الّذي كان يصبو إليه بالانضمام إلى جيش السّلطان سيدي محمد بن عبد الرحمان، حيث عُيّن كبير الأطبّاء في الجيش، ثمّ طبيب "حريم الملك"، لكنّ خيبة أمله كانت كبيرة حين وقف بنفسه على أحوال الجيش، وعلى المعاملات العسكريّة والسياسية في البلاد.

هذه الظروف جعلته يفكّر في ترك الخدمة ومواصلة رحلته بعد اكتشافه حقيقة أنّ حلمه أكبر من أن يكون موظفاً في جيش السّلطان، مدوّناً كلّ ملاحظاته في دفتر كان رفيق دربه طوال رحلته، وهذا الدّفتر هو الّذي سيتحوّل في ما بعد إلى كتاب سيحدث ضجّة في الأوساط الأوروبيّة ويجعل جمعيّات تتبنّى أفكاره وتموّل رحلاته المقبلة.