"شفافية" التواطؤ العربي

13 سبتمبر 2020
الصورة

لم يكن مفاجئاً رفض جامعة الدول العربية، خلال الاجتماع "العادي" الذي عُقد قبل أيام على مستوى وزراء الخارجية، مشروع القرار الفلسطيني بإدانة التطبيع العربي مع الاحتلال الإسرائيلي، والذي بدأته الإمارات والتحقت به البحرين، وآخرون يبدو أنهم في الطريق ذاته قريباً. ربما المفاجئ هو التعويل الفلسطيني على أي قرار عربي، ولا سيما أن من المفترض أن القيادة الفلسطينية تدرك أكثر من غيرها أن لا قيمة مطلقاً لأي قرار يصدر عن هذه المنظومة العربية التي بات من الواجب دفنها، وخصوصاً بعد الإسقاط الأخير لإدانة الإمارات، والأداء الذي قام به ممثلو معظم الدول العربية الذين حضروا الاجتماع.
لم يكن الإقرار بالعجز العربي جديداً، لكن الجديد اليوم هو التواطؤ العلني والرسمي من معظم الدول العربية التي اصطفت خلف الإمارات والسعودية ومصر وغيرها من الدول التي أنشأت لوبي ضاغطاً لمنع إدانة التطبيع الإماراتي مع إسرائيل، ولا سيما أنها مدركة أن دولاً أخرى ستنضم وأن إدانات أخرى قد تصبح واجبة على الجميع.
كان الجميع مدركاً أن هناك تواطؤاً عربياً على القضية الفلسطينية، وهو أمر قديم جداً من عمر هذه القضية، وتبلور بشكل أكبر مع وصول دونالد ترامب إلى الرئاسة الأميركية وطرحه مشروع "صفقة القرن" التي باركتها بعض الدول العربية. لكن لم يكن من المتصور أن يصبح هذا التواطؤ بهذا الشكل الوقح والعلني، وليس من دول بعينها كان متوقعاً أن تسلك هذا السلوك، بل من معظم الدول العربية، ومنها من يتشدق بشكل دائم بدعم القضية الفلسطينية باعتبارها قضية قام عليها هذا النظام أو ذاك.
ما شهده الشهر الأخير بالنسبة إلى الاتفاق الإماراتي الإسرائيلي، والانضمام البحريني إليه، وما سنشهده خلال التوقيع على الاتفاق الثلاثاء المقبل في واشنطن، ومن سيحضر هذا التوقيع، سيفتح الباب أما مرحلة عربية جديدة مما يمكن تسميته "شفافية التواطؤ". فلم يعد هناك حاجة للعمل في الخفاء ضد هذه القضية أو تلك، وخصوصاً القضية الفلسطينية، فاللعب أصبح على المكشوف، ولا شيء ليتم إخفاؤه أو العمل عليه في الكواليس وخلف الستائر، فالكل أصبح على المسرح وأمام الجمهور.
هذا الواقع العربي الجديد يبدو سيكون شاملاً، وليس حكراً على دولة بعينها، وهو ما يمكن استنباطه من تجنب الغالبية العظمى من الدول العربية إدانة التطبيع الإماراتي البحريني، حتى بشكل فردي، بل تم الاكتفاء ببيانات عامة تشدد على التمسك بما يسمى "المبادرة العربية"، والتي بالأساس لم تعش أكثر من ساعات بعد قمة بيروت عام 2002 بعد أن رُفضت من قبل إسرائيل، وهي لا تزال ترفضها إلى اليوم رغم هذا الانبطاح العربي حالياً أمامها. فما حاجة إسرائيل إلى تطبيق هذه المبادرة، والتي لا تزال الإمارات تتحدث عنها رغم "اتفاق السلام"، وهي نالت كل مكاسبها من دون تقديم تنازل واحد، وهي مستمرة في نيل الهدايا المجانية في ظل وجود ترامب في البيت الأبيض.
هذه "الشفافية" في التواطؤ العربي، والذي لمسته القيادة الفلسطينية بشكل مباشر في اجتماع الجامعة العربية، يتطلب من هذه القيادة خطوات فعلية لمحاولة حماية ما تبقى من القضية الفلسطينية. من الجيد أن السلطة اليوم تفكر في الانسحاب من الجامعة، أو تعليق العضوية، وهي خطوة ضرورية بشكل عاجل، ويجب ألا تبقى في إطار الدرس أو التهديد. كذلك من الضروري المضي قدماً في عملية ترتيب البيت الداخلي، وما بدأ في مؤتمر الأمناء العامين للفصائل، لا بد أن يستكمل بأسرع وقت ممكن، وإنهاء الانقسام يجب أن يتخطى كل الحسابات الضيقة، وخصوصاً أن لا مكان لهذه الفصائل في المشهد الذي ترسمه الإمارات ومن معها، والذي من الواضح أنه يستهدف تصفية القضية بشكل كامل، والتخلص من عبء شعبها.