"سورية الأميركية".. جمهوريون يرفضون دعم "ترامب"

27 يونيو 2016
الصورة
دعوات ترامب العنصرية تواجه رفضاً مجتمعياً في أميركا(Getty)

بعد أن أطلق المرشح الجمهوري المثير للجدل دونالد ترامب، دعوته إلى حظر دخول المسلمين للولايات المتحدة الأميركية، ساندته قواعد اليمين الجمهوري في استطلاعات الرأي بنحو 64 في المئة، لكن أهالي بلدة تحمل اسم "سورية"، في ولاية فرجينيا، يرفضون دعواه، والمفارقة أنهم جمهوريو الهوى.

يصف أهالي البلدة دعوات ترامب بغير الأميركية، "إذ إن حظر دخول مليار ونصف المليار من البشر إلى الولايات المتحدة مسألة غير واقعية بتاتا"، كما يقول جيرارد كروس، أحد سكان سورية بولاية فرجينيا، مضيفا لـ"العربي الجديد": "هذا يعني استعداء شخص واحد من كل أربعة في العالم. المسلمون منهم ضحايا للإرهاب كغيرهم".

جمهوريون وسيصوتون لكلينتون

تقع بلدة "سورية" في مقاطعة ماديسون بولاية فرجينيا ويقطنها حوالي 200 عائلة، معظمهم مزارعون، وكلهم من غير المسلمين، "لكن اسم وتاريخ البلدة يجعلهم يتعاطفون مع الجزء الأكثر تعرضا للشيطنة اليوم في أميركا"، كما يذكر إبراهيم هوبر رئيس قسم التواصل بمجلس العلاقات الإسلامية الأميركية، في تصريحات لـ"العربي الجديد". ويلفت هوبر إلى وجود مئات المدن والقرى والبلدات والمقاطعات الأميركية، التي استوحت أسماءها من مدن ودول عربية.

"يرفض عدد متزايد من أهالي البلدة دعم ترامب على الرغم من كونهم جمهوريين"، كما يقول جيرارد كروس العامل في سلسلة المحلات التجارية 7 /11، ويصف كروس المرشح ترامب بأنه "عجوز سليط اللسان"، قائلا "ندعو المسلمين إلى تجاهله، فقد هاجم المكسيكيين واعتبرهم المسؤولين عن جرائم الاغتصاب في أميركا، وهاجم النساء والمعاقين". ويضيف جيرارد أن "الرجل يغذي الخوف في الأميركيين، ويستجيب للدعوات العنصرية لدى آخرين وبالطبع هناك من سيصوت له، لكنه لن ينجح في الانتخابات العامة بسبب خطابه البائس".

كان كروس يتحدث إلى "العربي الجديد"، بينما زوجته تخدم الزبائن، وأمامها صورة للمرشحة الديمقراطية هيلاري كلينتون تحمل شعار "هيلاري من أجل أميركا". تقول زوجة كروس إنها جمهورية في القضايا الأخلاقية كمنع الإجهاض والدفاع عن حياة الأجنة، وتؤمن بالسوق الحرة وخفض الضرائب وضد زواج المثليين وتدافع عن الحق في امتلاك الأسلحة.

وتضيف السيدة الأربعينية أنها قررت لأول مرة في حياتها أن تصوت للديمقراطيين مع أنها تختلف مع أجندتهم الاجتماعية، "لأن كلينتون على الأقل ليست غوغائية، بالإضافة إلى أنها سيدة، وأميركا بحاجة لامرأة في البيت الأبيض".

وعن دعوة دونالد ترامب إلى منع المسلمين من دخول أميركا، تقول وزوجها "المسلمون ليسوا كلهم سواء. هناك مسلمون يعملون في الكونغرس وفي الجيش الأميركي وآخرون لم يعرفوا وطنا آخر غير هذا البلد".

لا يعرف جيرارد كروس ولا زوجته سبب تسمية البلدة باسم سورية، لكنه يعرف أن هذا البلد الشرق الأوسطي (سورية) "يعيش اليوم في حرب أهلية بسبب ديكتاتور يتمسك بالسلطة". يقول "نحن مستعدون لاستقبال اللاجئين في هذه البلدة، رغم أن هناك شكوكا ومخاوف من تسرب المتشددين بين اللاجئين، ورغم تحريض ترامب".

وتوقع الرئيس باراك أوباما استقبال 10 آلاف لاجئ سوري بحلول نهاية العام الجاري، على الرغم من الاعتراضات التي واجهها البرنامج بشأن عدم كفاية الإجراءات المتبعة لكشف الخلفيات الأمنية لهؤلاء. وصرح أوباما مرارا بأن إدارته ستواصل جهودها للوصول إلى الهدف المنشود. وكانت وزارة الخارجية الأميركية، أيضا، قد أوضحت نهاية الشهر الماضي أن ألفا و285 لاجئا قد تم قبول طلباتهم. ويواجه البيت الأبيض ضغوطا من الجمهوريين الذين عبروا عن مخاوفهم من "إمكانية تسلل إرهابيين في صفوف اللاجئين".


أميركا بالعربية

من مكة والمدينة مرورا بفلسطين والقاهرة وصولا إلى قرطاج وطنجة، هذه بعض المدن التي يزورها المتجوّل في أنحاء الولايات المتحدة، حيث توجد أزيد من 300 مدينة وقرية وبلدة ومقاطعة استوحت أسماءها من المنطقة العربية. يقول جوناثان كوريل، وهو صحافي أميركي ومؤلف كتاب "أميركا: أسفار في جذور أميركا العربية والإسلامية" إن معظم هذه المدن أنشئت خلال القرن الـ19 حينما كان الأميركيون ينظرون إلى الشرق الأوسط كمصدر إلهام.

ويضيف أن "الآباء المؤسسين للولايات المتحدة كانوا شديدي الالتحام بالتاريخ، ويعتبرون منطقة الشرق الأوسط مقدسة، لأنها مهد للديانات السماوية". ويشير إلى أن "صورة المسلمين بين الأميركيين لم يلطخها غير الإعلام والسينما، بعد أحداث 11 سبتمبر".

وعن بلدة سورية، يؤكد أنه بناء على أبحاثه، فإن الاسم وضع لهذه البلدة قبل حوالي قرن من الزمن، وقد أخذه سكان هذه المنطقة من "الإنجيل"، مشيرا إلى أن "معظمهم محافظون وقاعدة للحزب الجمهوري".

ريتشارد لودج، عاش حياته كلها في هذه البلدة، ولكنه لا يعرف غير القليل عن سورية والشرق الأوسط. رغم أنه يخلط بين سورية ولبنان ويعتقد أن مصر دولة آسيوية، إلا أنه يتابع النقاش حول منع المسلمين من دخول أميركا. يعارض هذا الرجل الستيني خطاب كلينتون بسبب "غياب التقاليد المسيحية الإنجيلية والرغبة في علمنة البلد"، إلا أنه يرى أن ترامب صدامي وقد يدفع البلد إلى حروب جديدة.

يقول لودج لـ"العربي الجديد": "أنا لا أصدقه عندما يقول إنه سيبني جدارا بين المكسيك وأميركا، ولا أنه سيجعل أميركا قوية من جديد. لدي أيضا شكوك حول عقيدته، فهو ليس إنجيليا كما يدّعي".

يقف ريتشارد في منزلة انتخابية بين المنزلتين، ولا يفكر في منح صوته لأحد حاليا، لكنه لا يستبعد أن يقاطع الانتخابات إذا لم يتضح له أن ترامب يستحق صوته.

الكثير من الجمهوريين في أميركا يقاسمون ريتشارد هذا الموقف "بسبب عدم ثقتهم بدونالد ترامب، ورفضهم الأبدي لبرنامج الديمقراطيين بسبب الخلافات الأيديولوجية العميقة في القضايا الاجتماعية"، كما يقول أستاذ الإعلام السياسي بجامعة نيو مكسيكو، جو ميكائيل إن الجمهوريين يقفون لأول مرة منذ نصف قرن أمام خيار صعب، "فهم يدركون أن ترامب فم كبير وليس جمهوريا، لكن لم يعد أمامهم من خيار غير دعم كلينتون أو مقاطعة الانتخابات".

ويضيف أن "هناك فئات تتضامن فعلا مع الخطاب المعادي للأجانب من قبل ترامب، وستبقى بعده، ولكن هذه ورقة فاسدة في الانتخابات العامة، لأن معظم الأميركيين يريدون فرص الشغل وخفض الضرائب والتغطية الصحية، وهي أمور قليلا ما يتحدث عنها ترامب".

من جانبه، يقول إبراهيم هوبر إن دونالد ترامب استخدم الإسلام طريقا للوصول إلى البيت الأبيض، إذ "استغل مشاعر الخوف التي تملكت الناس بعد الأحداث الإرهابية الأخيرة في باريس وبروكسل وكاليفورنيا"، لكنه استدرك أن "الوعاء الانتخابي (الانتخابات العامة) الذي سيسبح فيه ترامب في الأيام المقبلة مختلف تماما عن الانتخابات التمهيدية، لأنه سيضم المكسيكيين والمسلمين والعلمانيين ومختلف الفئات التي عاداها ترامب في خطاباته".


"لن نتغير"


يقول القسيس مايكل فرانسيس الذي يدير "كنيسة سورية" إن البلدة تعيش في انسجام منذ حوالي قرن، "تحولنا إلى عائلة كبيرة هنا، ولكن لا يجب أن يعني ذلك أننا لا نقبل الأجانب هنا، بالعكس".

ويعارض هذا القسيس دعوات الكراهية ضد كل القوميات والأديان، قائلا "نحن أبناء إبراهيم، ويجمعنا إله واحد وبيننا روابط الدم والإنسانية"، مشيرا إلى أن "المسلمين يعانون اليوم ليس فقط بسبب الإرهاب، ولكن أيضا بسبب الصور النمطية التي أصبحوا مضطرين لحملها أمام العالم".

ويؤكد مايكل أن "المسلمين يمرون بلحظة تاريخية مر بها اليهود قبل نصف قرن تقريبا، والعالم سيعتذر يوما عن معاناتهم والشيطنة التي يمرون بها".

ويرافق هذا القسيس شاب في الثلاثينيات، هو الآخر عاش كل حياته في هذه البلدة الصغيرة، يقول إن ما يقع "لن يغيرنا. أميركا أرض المهاجرين ترحب بجميع القوميات والأعراق والأديان، لأن الحكم بيننا هو وثيقة واحدة: الدستور".

ويضيف "لن أدخل في الجدال حول الإسلام والمسلمين، فكل واحد حر في ما يعتقد، لكن الخوف والكراهية يسممان العلاقات بين الناس، والأديان كلها تدعونا إلى محبة المختلف ونبذ التصادم وزرع الضغينة".

وعن رأيه حول خطاب دونالد ترامب، اكتفى بالقول "لن أصوت له"، بينما القسيس يبتسم، وأضاف مازحا: "أهل البلدة جمهوريون، لكنهم ينتمون إلى الشرق الأوسط".

ويقود مجلس العلاقات الإسلامية الأميركية (كير) جهودا لإقناع قواعد الجمهوريين بأن خطاب ترامب سيسبب مشاكل كثيرة لأميركا. وقد زار أعضاء "كير" الكثير من المدن والبلدات لإقناع الناس بالتصويت للديموقراطيين.

يقول إبراهيم هوبر "كمسلمين نحاول الاقتداء بتصرفات النبي في حياتنا اليومية، وكما نعرف فإن النبي تعرض للهجوم والإساءة في مناسبات عدة. في مجتمع المدينة كان أحد جيرانه يرمي النفايات في طريقه يوميا، وحينما لم يفعل ذلك في أحد الأيام ذهب الرسول للاطمئنان عليه. انبهر الجار من أخلاق النبي". وأضاف "في كل مرة يتعرض فيها النبي شخصيا للإساءة والهجوم لم يجب بشكل عنيف، بل كان يحاول كسب الناس والإجابة بشكل فاضل ومتسامح".

دلالات