"راس بيروت": خريطة المدينة بروايات مستأجريها

27 يناير 2018
الصورة
(تجهيز "بناية يعقوبيان"، مروان رشماوي)
+ الخط -

منذ ثلاثة أعوام يقوم إستوديو "أشغال عامة" في بيروت بورش عمل مختلفة هدفها إنجاز مشروع أكبر تحت عنوان "مرصد الإخلاء في بيروت".

أسئلة المشروع كثيرة، تتنوع بين الحق في المدينة والحق في السكن والمشهد العمراني في بيروت الذي لا يكفّ عن التحوّل، ثمّة منشآت جديدة في كل مكان وأبراج فارغة منذ سنوات، لمن هذه الأبراج والبنايات العالية؟ وأين يذهب المستأجرون منذ خمسين عاماً حين يتركون بيوتهم شيوخاً بحثاً عن مكان يناسب مداخيلهم المتواضعة؟

الإستوديو بالتعاون مع مبادرة "حسن الجوار" قام بفتح نقاش عام حول "المشهد السكني في راس بيروت" أول أمس الخميس، يقوم على نتائج بحث توصّل إليه "أشغال عامة" حول التغيرات التي وقعت في الحي الممتدّ من شارع "بلس" إلى الحمراء، ومن شارع "السادات" إلى "عبد العزيز"، وهو أحد أقدم أحياء المدينة التي كانت تعرف تعددية طائفية وطبقية.

شارك في الدراسة 12 باحثاً، وكان من أكثر نتائجها غرابة؛ أن بناية من كل خمس بنايات في الحي خالية، وهي نسبة كبيرة، قياساً بالمتعارف عليه عالمياً في دراسات التخطيط؛ حيث تكون نسبة العمارات الخالية ما بين 3 إلى 5 %، لكن دراسة راس بيروت تشير إلى أن 20% من الحي مبانٍ خالية، وفقاً لعبير سقسوق المسؤولة في "أشغال عامة" في حديث لـ"العربي الجديد".

تفسر سقسوق: "ثمة أبنية مهجورة منذ سنوات الحرب، وهذه هي الأقل، النسبة الأكثر هي العمارات الجديدة العالية والتي تحتوي الكثير من الشقق باهظة الثمن والكبيرة، أي أن العرض لا يتناسب مع الطلب، ولعدم وجود ضريبة على الملكية لا يكترث صاحب المبنى أن يظل خالياً لسنوات". سبب آخر، تكمل الباحثة: "الإخلاءات؛ فالناس يجري إخراجهم من بيوتهم، والمستأجر بإيجار قديم يعيش منذ عقود في الحي نفسه، ويضطر إلى تركه اليوم في عمر متقدّم والبحث عن مكان آخر".

تبيّن سقسوق أن البحث هو نتيجة ورشة عمل، والتي هي جزء من مشروع أكبر وأوسع عن المشهد السكني في بيروت كلّها، "نحاول رسم خريطة للوضع في بيروت من خلال روايات مستأجريها"، وقد استهدف المشروع في البداية ستة أحياء هي: الباشورة، والشياح، وطريق الجديدة، والبدوي، ومار مخايل، والمصيطبة، وجرى اختيار هذه المناطق لأن الدراسات لم تلتفت إليها من قبل.

الهدف الأساسي من "رصد الإخلاء" هو جمع المعلومات الدقيقة والإحصائيات لفهم الوضع السكاني للمدينة، فمن غير المعقول أن تكون المدينة مكتظّة والمباني خالية. تقول المعمارية منى الحلاق من مبادرة "حسن الجوار" في تعليق لـ"العربي الجديد" مؤكدة: "لا بد من مقاربة لهذه المفارقة".

توضّح حلاق: "من خلال الدراسة جرى تجميع معلومات مختلفة مثل نسبة الإيجارات والملكية في راس بيروت، ثم ماذا يوجد في الطابق الأرضي، ومن هم المهتمون بهذه الأبنية استثمارياً، وكم عمر كل بناء، كذلك أين جرى إخلاء المستأجرين وأصحاب الإيجارات القديمة، وأين ذهب هؤلاء". تضيف: "البحث كان بمثابة دافع للناس ومحفّز ليحكوا قصصهم، لكي نفهم هذه المدينة وتحولاتها، ويظلّ ملف الحقّ في السكن مفتوحاً ولا ننسى وجه المدينة القديم".

مؤخراً أقرّ قانون جديد للإيجار في لبنان، وهو أحد أبرز العوامل المؤثرة على المشهد السكني في المدينة، عن ذلك تشرح سقسوق: "كل النقاش في الصحافة تركّز على المالك والمستأجر دون أن يلتفت أحد إلى علاقة القانون بالسياسات السكنية، فالقانون صدر دون مراعاة للفروقات بين المستأجرين".

لكن ما هي الحلول المقترحة من المبادرة؛ "الأمر أبعد من قانون الإيجار، على الدولة تبنّي سياسة مختلفة عن التملك عبر القروض، نحتاج سياسة عقارية تحدّ من سعر العقار، وتفرض على أصحاب المباني الكبيرة والشقق الباهظة، توفير 20% من الشقق للسكن الميسّر لذوي الدخل المحدود، وأن تبني مساكن اجتماعية".

هذا عن الحق في السكن، فماذا عن الحق في المدينة؟ تجيب سقسوق: "أن يكون من حقّ ساكن المدينة إبداء الرأي في أي قرار رسمي يؤخذ بشأن مدينته، لا أن يقتصر هذا الحق على السلطة وأصحاب المال من المستثمرين".

المساهمون