"ديربيات -2": جلاسكو كرة قدم وأشياء أخرى

28 يوليو 2014
الصورة
صورة أرشيفية لجمهور سيلتك خلال الديربي (Getty)
+ الخط -

يعتقد البعض أن كرة القدم مجرد لعبة للفوز أو الخسارة، يتم التقليل منها ولا تأخذ حقها الكافي، أو أهميتها الحقيقية. ينظر هؤلاء الى اللعبة من منظور ضيق، اختلاف الآراء شيء طبيعي وصحي، لكن يجب إعطاء كل شيء قدره الذي يستحقه، ومع الهالة المحيطة بالساحرة المستديرة، علينا العودة إلى حدودها الأولية ونشأتها القديمة، حيث المهد البريطاني والتعصب الكروي، الذي لا حدود له. ومن ليفربول وديربي الميرسيسايد إلى جلاسكو، ثاني أكبر مدينة اسكتلندية بعد العاصمة، وأشهر مكان كروي داخل الأراضي هناك.

جلاسكو مدينة العلم وكرة القدم، يأتي الطلاب إليها من كل أنحاء العالم نظراً لجامعاتها العريقة، ويذهب المشجعون إلى ملاعبها للوقوف بجوار أنديتها العتيقة، إنها كيمياء خاصة يمتزج فيها عشق اللعبة بحب الحياة والاستمتاع بأدق تفاصيلها. ومع كثرة الديربيات والمباريات الشهيرة، يأتي ديربي مدينة جلاسكو ليضع نفسه في مكانة خاصة جدا،ً لأنه يُلخص بإيجاز أهمية كرة القدم وشعارها الشهير، ليست مجرد لعبة.

ديربي البطولات

حصل فريقا سيلتك ورينجرز على 99 بطولة دوري، 68 بطولة كأس، 41 بطولة كأس الدوري. أرقام خيالية تؤكد عمق التاريخ الخاص بالجانبين، وأن كرة القدم في اسكتلندا اشتهرت بتنافسية القطبين، ثنائي في كفة، وبقية الأندية في كفة أخرى تماماً. رينجرز، الذي تأسس عام 1872، وجد نفسه في منافسة ضارية مع سيلتك، الذي خرج إلى النور في عام 1887، ورغم فارق السنين بين الفريقين، إلا أن الحرب بينهما استمرت منذ ذلك الحين وحتى اليوم.

يعود سر العداوة إلى أسباب عديدة، كروية وسياسية ودينية واجتماعية، الجيران الأعداء في كل ما يخص أمور الحياة. يعتبر رينجرز وسيلتك وجهين مختلفين تماماً للمدينة نفسها، جلاسكو الاسكتلندية البريطانية، التي تتصارع بين الميل إلى القومية البريطانية، والرغبة في الاستقلال، بعيداً عن المملكة الأم، وبين السياسة والرياضة، اشتهر الديربي ليحصل على رقم متقدم في سباق أشهر مباريات كرة القدم على مر التاريخ.

ماذا يعني الصراع؟

"كان عمري 15 عاماً حينما حضرت الديربي لأول مرة عام 1979، اختفيت عن الأنظار ولم أخبر أسرتي بالأمر، لأن والدي كان يمنعنا من الذهاب إلى الملعب، بسبب التعصب القبلي الديني بين مشجعي الفريقين، لذلك ذهبت في صمت دون ضجيج حتى حصلت على مقعد وشاهدت المباراة". يتحدث الممثل والمخرج الكبير، ريتشارد ويلسون، عن كرة القدم وفريقه سيلتك، الذي فاز في تلك المباراة بنتيجة أربعة أهداف مقابل هدفين.

يقول ريتشارد إن المباراة لا تُلعب فقط داخل الملعب، بل يصل الصخب والجنون والعدوانية إلى قمته في المدرجات بين مشجعي الفريقين، فصوت الأنصار طاغٍ والهتافات مستمرة دون توقف، إلى درجة أنه في بعض فترات المباراة، ترك ما يحدث بين اللاعبين، وتفرغ لمشاهدة الحروب الضارية بين الجمهور في كل مدرج.

من الصعب إقناع البعض أن النزاعات القبلية، والتوترات الإقليمية، والخلافات الدينية، تحضر بقوة في مباريات كرة القدم، لأن الصراع بين سيلتك ورينجرز أخذ منحنىً مختلفاً تماماً، إلى درجة أن بعض المشجعين لا يريدون الذهاب إلى المدرجات لمتابعة المباراة. خوف ورعب مستمر، لا نوم ولا راحة، ضربات القلب تتزايد، مع شعور عام بالصدمة مع كل فرصة تضيع، وشيء أقرب إلى تصاعد ضربات القلب إذا اقترب المنافس من التسجيل.

كرة قدم مختلفة

صرّح الدنماركي الأسطوري، مايكل لاودرب، بأنه نادم بسبب عدم مشاركته في ديربي جلاسكو. ما الذي يجعل نجماً كبيراً لعب في صفوف برشلونة ثم ريال مدريد وحضر مباريات كلاسيكو مختلفة يدلي بهذا التصريح؟ الحقيقة أن لاودرب ليس وحده مَن عبّر عن عشقه لأجواء المدينة الاسكتلندية، بل جميع لاعبي البارسا وقعوا في غرام ملاعب جلاسكو، بعد فوز سيلتك عليهم في دوري الأبطال عام 2012، وأكدوا أن صوت الجمهور وزئير الأنصار ليس له مثيل.

وصف ريتشارد ويلسون هذه الدراما الكروية بالسيمفونية، التي لا تتكرر، ثم شرح أهم ما يُميّز جماهير بلاده، الضجيج المستمر والضوضاء المحببة، التي تبدأ من الدقيقة الأولى حتى التسعين، في أهازيج متواصلة ودعم غير محدود. وقال المخرج: "نحن، الإسكتلنديين، في صراع مستمر مع أنفسنا لنقول للعالم إننا اخترعنا شيئاً، ليس من المبالغة أن نذكر أهمية هذا التنافس المجنون. من هنا عبّر بعضُ أفضل اللاعبين في العالم عن إعجابهم بما شهدوه أو شاركوا فيه في أثناء المباريات.

وكتب اللاعب السابق، جاري لينيكر، عن الديربي قائلا: " أستطيع أن أشهد أنه لا يوجد شيء للمقارنة مع الأجواء الاسكتلندية من حيث كثافتها وشراستها، ناهيك عن الضجيج الهائل. إنها مثيرة للجدل والغرابة حقاً." لذلك يعتقد الاقتصاديون في العاصمة ادنبره أنهم يملكون مفاتيح الحياة في اسكتلندا، لكنهم يتناسون أن العبور إلى العالم يجب أن يمر عبر كرة جلاسكو وجنونها غير المألوف.

الطائفية الدينية

يُعرف التاريخ الاسكتلندي القديم بالسير، ويليام والاس، صرخة الحرية التي انطلقت في وجه الظلم والاحتلال لأراضٍ لا تعرف اليأس أو الخنوع. .الديربي في مدينة جلاسكو ليس مجرد لقاء عادي، تتدخل النزعة الدينية في الأمور. الطائفة البروتستانتية تشجع نادي رينجرز، النادي الاقرب إلى القصر الملكي في باكينجهام، بينما تنتمي الطائفة الكاثوليكية إلى السيلتك، الفريق المقرب من الايرلنديين.

الجانب التاريخي له دور كبير في هذا التقسيم، تؤثر كل عائلة في ميول أطفالها، وتجعلهم أقرب إلى ما يريدونه، لذلك تشتهر المدارس الدينية في اسكتلندا بجعل التلاميذ يسيرون وفق مسار محدد لهم. لذلك كبرت الأمور وأصبح لكل جانب ميوله الخاصة، ديانته، طائفته، انتماؤه السياسي، وفريق كرة القدم الذي يشجعه، وفي جلاسكو، لا تحصل على شيء وتترك آخر، بل تأخذ النموذج كاملاً دون تأويل.

يقول مايكل أوفاريل، أحد مشجعي سيلتك، إنه نشأ وتربى في مدرسة كاثوليكية، لذلك أحب فريق سيلتك منذ الصغر، ورغم عدم إيمانه التام بالجمع بين الطائفة الدينية والتشجيع الكروي، إلا أنه اعترف بكثرة مشجعي سيلتك داخل أية مدرسة كاثوليكية، وتزايد عدد جمهور رينجرز في المدارس البروتستانتية.

الهتافات داخل الملعب لا تخص فقط جوانب كرة القدم، بل تتجه إلى الطائفية المشتركة، إلى درجة أن إدارتي الناديين ناشدتا جماهيرهما بضرورة التركيز فقط على الأمور الرياضية، ونبذ أية خلافات أخرى، خصوصاً أن كرة القدم لعبة قامت على الوحدة لا التفرقة بين شعوب الكيان الواحد.

وفي مسح إحصائي على سكان مدينة جلاسكو، وجد المختصون أن نسبة 74 % من جمهور سيلتك كاثوليك، بينما 4 % فقط بروتستانت. أما عشاق وأنصار رينجرز، فنسبة 65 % بروتستانت و5 % كاثوليك، ولغة الأرقام لا تكذب أبداً ولا تتجمل، لذلك فإن الاختلاف الديني بين الجمهوريين حاضر بشدة خلال مباريات كرة القدم.

ايرلندا وصراع الديربي

تدخل ايرلندا وقضية استقلالها على الخط، في الصراع بين سيلتك ورينجرز، فجمهور سيلتك ينحدر من أصل ايرلندي ويتبع المذهب الكاثوليكي، لذلك يقف دائماً وعلى طول الخط مع الجانب الايرلندي الانفصالي، أما رينجرز وجمهوره القريب من الطائفة البروتستانتية فمن أنصار الوحدة البريطانية والميل إلى اسكتلندا والقصر في إنجلترا. لذلك يرفع جمهور الخضر علم ايرلندا في بعض مباريات الفريق، أما رينجرز فدائماً يرفعون الأعلام الزرقاء الخاصة بالملكية.

كان لسكان ايرلندا إسهامات كبيرة في تأسيس نادي سيلتك، وسكان اسكتلندا القادمون من إنجلترا أو الراغبون في وحدة أكبر مع المملكة البريطانية، هم أول ما دعموا نادي رينجرز، لذلك تدخل السياسة على الخط مع الدين وكرة القدم في رسم خطوط التنافس بين القطبين الكبيرين، الجانب اليساري المعارض الخاص بسيلتك، والنزعة اليمينية المحافظة التي تميز المنتمين إلى رينجرز.

ويعتبر جمهور رينجرز من محبي الرأسمالية والانفتاح المالي، إلى درجة أنهم خرجوا في مسيرات عديدة لدعم رجال المال والحكومات الرأسمالية في إنجلترا، وعلى رأسها وزارة المرأة الحديدية، مارجريت تاتشر، أما سيلتك، فهم رواد العدالة الاجتماعية والبعد عن اقتصاديات السوق، لذلك يذهب البعض إلى القول إن الصراع بين رينجرز وسيلتك من الممكن أن يُسمّى تنافساً كروياً رأسمالياً -اشتراكياً.

الديربي القديم

التاريخ وحده لا يكفي، ومع تفّشي الأزمة الاقتصادية بين الأندية الأوروبية ودخول رأس المال إلى دهاليز وخبايا اللعبة، فإن نادي رينجرز العريق لم يتحمل الصدمات المتتالية، ليُعلن إفلاسه وهبوطه إلى الدرجة الثالثة، وابتعاده تماماً عن أجواء الكبار بعد نهاية موسم 2012 الكروي ليبدأ من الصفر، في محاولة منه لاستعادة الأيام الخوالي والعودة من جديد إلى الدوري الاسكتلندي ومنافسة فرقه مرة أخرى.

ورغم العداوة الشديدة بين رينجرز وسيلتك، إلا أن أجواء كرة القدم في جلاسكو تأثرت كثيراً بسبب غياب رينجرز، وبدلاً من وجود قطبين ومنافسة مستمرة، أصبح سيلتك هو الآمر الناهي بمفرده، مما أدى إلى خفوت نجم المستديرة وقلة الاهتمام بها مقارنة بالسنوات القديمة الماضية.

"أكره رينجرز ولا أطيقهم، كنت أذهب إلى الملعب كي أهاجمهم فقط في مباريات الديربي. حينما نفوز عليهم هذا يعني أجمل لحظات العمر، وعندما نخسر أجلس بمفردي لا أتحدث مع أحد لمدة ثلاثة أيام. بالنسبة إليّ، رينجرز هو العدو. لكن أعترف دون خجل أو خوف بأنني أفتقد إلى عدوي، وأن الدوري من دونه ليس له طعم أو مذاق. لقد أحببت المنافسة بكل أجزائها. عشقي لفريقي وعدم حبي لخصمي، ومن دون أي منهما، كرة القدم ينقصها الكثير."

جاءت هذه التصريحات على لسان توماس روين، واحد من جمهور سيلتك، والذي يؤكد بما لا يدع مجالاً للشك أن قيمة الكرة ليست فقط في فوز فريقك، بل في جوانب من الصعب فهمها أو إدراكها، إلا إذا كنت عاشقاً متيّماً بكل تفاصيل الساحرة المستديرة. إنه السر الخفي للديربي القديم، أو الحرب الكروية بين سيلتك ورينجرز.

دلالات

المساهمون