"داعش" في ريف حلب: تهجير 2100 عائلة وإعدامات

"داعش" في ريف حلب: تهجير 2100 عائلة وإعدامات

23 يوليو 2014
الصورة

شعارات داعش في أعزاز في ريف حلب (فبراير/2014/الأناضول)

+ الخط -

منذ إعلان تأسيسه في سورية في 9 نيسان/إبريل 2013، لم يتوقف تنظيم دولة العراق والشام (داعش) عن سياسة التمدد المدروس نحو المنابع النفطية، وطرق الإمداد والمناطق الاستراتيجية، السياسة التي يرافقها دوماً جرائم حرب وانتهاكات بحق المدنيين، واستيلاء على الأموال الخاصة والعامة، وتقييد للحريات.
كانت معارك التنظيم مع الفصائل الكردية مبكرةً، بالنسبة لنشأته في سورية، بسبب طموحه للسيطرة على حقول النفط في المناطق الكردية (مركدة مثلاً)، وتأمين طرق إمداد نحو الرقة ودير الزور. وهو يخوض حربه ضد الفصائل الكردية بمنطق التكفير و"حروب الردّة" كأيديولوجيا حشد وتعبئة للعناصر، لكنها معارك براغماتية واستراتيجية بحتة، على مستوى الأهداف.
وشهدت مدينة كوباني (عين العرب)، في ريف حلب الشرقي، أحد فصول التمدد الدموي للتنظيم، بمعارك عنيفة بينه وبين الفصائل الكردية في تلك المناطق، أفضت إلى سيطرة التنظيم على بلدات وقرى عديدة في منطقة كوباني، وارتكاب انتهاكات واسعة بحق السكان المدنيين في تلك القرى، من قتل وتشريد وخطف واعتداء على الممتلكات العامة والخاصة، مما تسبب بموجات نزوح كبيرة وكارثة إنسانية، مستمرة منذ بداية يوليو/ تموز 2014 (الجاري). 
كوباني: إعدامات ميدانية وسرقات وتهجير 
حشد "داعش" قوات كبيرة في منطقة جرابلس في ريف حلب الشرقي، وفي بلدة الشيوخ التابعة لها، بهدف مهاجمة القرى الكردية في ريف حلب الشرقي، والقريبة من مدينة عين العرب (كوباني)، إحدى أكبر المدن التي يتمركز فيها السوريون الأكراد، ويوجد فيها

نازحون من مناطق أخرى. دارت اشتباكات عنيفة بين تنظيم الدولة من جهة وقوات أحزاب كردية، ومنها قوات الحماية (YPG)التابعة لحزب الاتحاد الديمقراطي الكردي، واستمرت أياماً، انسحبت بعدها القوات الكردية من المنطقة، وتمكن تنظيم الدولة، بعد ذلك من السيطرة على القرى: خرب عطو، زور مغار، الزيارة، البياضية، جبنة، جاروخة، بيندر، تعلك، كندار، عبدكوي، الطباش، الملوح، سوسك.
وقد أجبرت تلك الاشتباكات وسيطرة تنظيم الدولة السكان المدنيين على الهروب، والنزوح إلى الحدود التركية، أو إلى مدينة كوباني (عين العرب) والقرى المجاورة لها، خوفاً من أعمال انتقامية يرتكبها تنظيم الدولة من قتل واعتقال وتنكيل بالمدنيين، وأصبحت أغلب تلك القرى خاويةً من سكانها، كونها تحولت إلى خط اشتباك دائم منذ فبراير/شباط الماضي، إبان سيطرة تنظيم داعش على مدينة تل أبيض في شرق منطقة كوباني (عين العرب) تماماً.
وتقع أغلب هذه القرى في ريف كوباني (عين العرب) الغربي (35 كم شرق مدينة كوباني، عين العرب)، وتتموضع على سلسلة جبال تمكنها من الإشراف على مدينة جرابلس التي يسيطر عليها تنظيم "داعش"، مما يعطي هذه القرى أهمية استراتيجية، لتأمين مدينة جرابلس، وامتلاك طرق إمداد من جرابلس نحو مناطق سيطرة التنظيم في جنوب الحسكة ودير الزور. وفي ريف كوباني الشرقي، وتحديداً في قرى عفدكه وملوح القمر وأبي صرة وكورك، فقد استمرت الاشتباكات المسلحة بين قوات داعش والقوات الكردية، ونجم عنها مقتل عشرات من مقاتلي الطرفين، وتدمير آليات عسكرية لهما. ونتيجة ذلك، اضطر سكان هذه القرى إلى النزوح بسبب تلك الاشتباكات على دفعات متوالية، منذ نهاية فبراير/شباط الماضي، فيما حاول تنظيم الدولة إحراز مزيد من التقدم في ريف كوباني الغربي، فهاجم في صباح 11 يوليو/تموز/2014 قريتي جل أوغلي والجبنة، وبدأ الهجوم بقصف عشوائي عليهما، ثم تقدم بالدبابات والمدرعات، ليضطر سكان القريتين، حينها، إلى النزوح باتجاه مدينة كوباني والحدود التركية القريبة، وتمكّن التنظيم من السيطرة عليهما، بعد انسحاب القوات الكردية منهما.
بعد سيطرة التنظيم على القرى المذكورة، وقيامه بحملات تفتيش شاملة للمنازل وعمليات مصادرة ونهب للسيارات والآلات الزراعية ومصادرة قطعان الأغنام والأبقار في القرى، إضافة إلى إحراق منازل خالية بذريعة انتساب أصحابها لحزب الاتحاد الديمقراطي الكردي، كل تلك الجرائم تسببت في تهجير نحو 1800 عائلة سورية من أهالي ريف كوباني، وعرضتهم لمخاطر وتهديدات واسعة.
من الخطف إلى التهجير
تواصلت الشبكة السورية لحقوق الإنسان مع نشطاء ونازحين من كوباني، ومنهم أحد المشرفين على أعمال إغاثة النازحين من ريف كوباني، وهو جوان البرازي، وقد تحدث عن خروج آلاف من النازحين، من دون أوراق ثبوتية من قرى ريف كوباني الشرقي والغربي، بعد اقتراب قوات داعش منها، والذين نزح أغلبهم نحو القرى التي لم يصل إليها داعش بعد من ريف كوباني، أو نحو الشريط الحدودي مع تركيا، وقد يواجهون صعوبات في تأمين الإغاثة والمستلزمات لهم على المدى البعيد، على الرغم من تكاتف اجتماعي تلقوه في القرى التي نزحوا إليها، بسبب فقر أهالي هذه القرى.
ومع عدم وجود إحصائية دقيقة بعد لأعداد النازحين، إلا أن الشهادات والمقابلات

والإحصائيات الأولية تقدر العوائل النازحة بأكثر من 2100 عائلة، هربت من قوات داعش سيئة الصيت، والمشهورة بانتهاكاتها وأعمالها الانتقامية، والتي شهدت المناطق التي سيطرت عليها داعش قسماً منها. ومن هذه الحوادث إعدام التنظيم المذكور ثمانية رجال من قرى مختلفة، بتهمة انتمائهم لقوات الحماية الكردية، بعد اقتحام قرى في ريف كوباني الغربي، في قرى زور مغار والزيارة والبياضية، في 5 يوليو/تموز الجاري. كما قتل المدرس، محمد صوفي محمد، لدى اعتقاله من حافلة على طريق كوباني الشرقي، متوجهة نحو تركيا، وقطع رأسه وتم التمثيل بجثته. في 23 مايو/ أيار الماضي. كما سبقت الحرب الأخيرة حالات خطف جماعي، كان أبرزها اختطاف 125 طفلاً من طلاب المدارس الأكراد على حاجز تابع له على طريق منبج، وكانوا في طريقهم إلى منطقة كوباني، عائدين من حلب، بعد أن أنهوا امتحانات الشهادة الإعدادية، في ليلة 29 مايو/ أيار 2014، من الذكور فقط، ولم يتعرضوا للإناث.
جرائم حرب وتوصيات حقوقية
استعمل تنظيم الدولة الإسلامية في العراق والشام الأسلحة الثقيلة في قصف مناطق كوباني، مما أدى إلى القتل العشوائي للمدنيين. ويعتبر إجبار السكان على ترك منازلهم، وتشريدهم تحت قوة السلاح، من أجل الحصول على الأراضي والإمداد، جريمة حرب، حسب القانون الدولي، كما أن إعدام الأهالي من دون محاكمات تستوفي الشروط يعتبر جريمة حرب أخرى، تضاف إلى سجل حافل بالانتهاكات، يقترفها التنظيم الذي يمتلك موارد مالية ضخمة، من خلال الحقول النفطية والمحاصيل الزراعية وغنائم السلاح والبنوك والإتاوات والضرائب التي يفرضها على الأهالي. وهو بذلك يمتلك أضخم ميزانية لجماعةٍ مسلحةٍ، تمارس انتهاكات حقوقية ممنهجة، وتمتلك أيديولوجيا شمولية وتكفيرية ومعادية للإنسان، ولم تعمل الدول العربية، أو المجتمع الدولي، على وقف تمدد التنظيم، أو حظر وصول السلاح إليه، وملاحقة عناصره وقياداته وداعميه، عدا عن أن سياسات حصار المعارضة السورية أسهمت في تمدد التنظيم، وعدم قدرتها على مواجهته في المناطق التي يتوسع فيها.
كما أن السكوت عن السياسات الطائفية والعنصرية في العراق وسورية وإيران وفّر حاملاً موضوعياً لسردية التنظيم، ووفر له الظروف الموضوعية لتمدده. ولا يمكن الحديث عن الحد من نفوذ التنظيم، وتوسعه المستمر، من دون العمل الجاد على توفير حل سياسي في سورية، ووقف جرائم النظام السوري.
ولا بد من التنبيه إلى أن استمرار توسع التنظيم، وعدم وضع حل جذري ومتكامل في سورية، يهدد بارتفاع مضطرد في أعداد الضحايا، وفي المسؤوليات الإغاثية والكلفة الأخلاقية التي تتحملها المؤسسات الدولية.