"حارة اليهود" أم أنها "حارة التطبيع"؟

30 يونيو 2015
الصورة
من المسلسل (العربي الجديد)
+ الخط -
مبكراً جداً، وقبل أن تستبينَ معالم مسلسل "حارة اليهود"، بدأت ردود الأفعال المثيرة في الداخل المصري والإسرائيلي أيضاً. صحيح أنّ الحلقات الأولى التي عرضت حتى الآن لا تكفي لتكوين نظرة نقدية متكاملة للعمل، لكن طبخة الدراما المشبعة برائحة المهادنة والتطبيع في رمضان وصلت إلى تلّ أبيب، فتلقاها الصهاينة بقبول حسن.
السفارة الإسرائيلية بالقاهرة أبدت ارتياحاً لظهور المسلسل اللطيف المجامل، فجاء تصريحها على صفحتها الرسمية بالفيسبوك يقول: "لقد شاهدنا في سفارة إسرائيل أولى حلقات المسلسل المصري "حارة اليهود"، ولقد لاحظنا لأول مرة أنه يمثّل اليهود بطبيعتهم الحقيقية الإنسانية كبني آدم قبل كل شيء، ونبارك على هذا".
وهكذا عُرِضَ المسلسل بوصفه "عربون صداقة" باركته الدولة الصهيونية، أو "مهراً " لعلاقة جديدة، ولم يفوّت النظام المصري فرصته، فقرّر إعادة سفيره إلى إسرائيل بعد غياب 3 سنوات، وإصلاح ما أفسدته ثورة يناير وتوابعها، يومَ قام الرئيس مرسي بسحب السفير رداً على الاعتداءات الإسرائيلية على غزة في 2012. أي أن السفير المصري سيشاهد بقية أحداث المسلسل في تلّ أبيب معززاً مكرّماً.
تبدأ المشاهد الأولى في رسم مضمون العبارات السيسية بدقّة، التي أبدى فيها رأيه بيهود مصر، فالتسامح اليهودي والمعبد المفتوح والتنوّع، هو الرسالة الحرفية التي انطلق منها المسلسل. لذا لم تخطئ مراسلة القناة 24 الإسرائيلية حين ذكرت أن: "السيسي له الفضل في التحول الضخم للدراما المصرية لصالح اليهود، بخاصة أنه عند ترشحه للانتخابات الرئاسية لم يخف أنه ابن حارة اليهود وأنه تربى وترعرع فيها".




ملهم المسلسل

مسلسل "حارة اليهود"، الذي ألّفه مدحت العدل، وأخرجه محمد العدل، وأنتجته شركتهما "العدل غروب"، يبدأ حقيقة في فترة أسبق من لحظة الشروع في كتابته ثم إخراجه، فترة تسبق "تفصيله على المقاس"، من خياطين دقيقين، بفترة طويلة، تحديداً منذ ذكر السيسي، في لقاء تلفزيوني، مسوّقاً لمؤهّلاته ومروّجاً لقبوله إقليمياً، بأنّه تربى وترعرع في "حارة اليهود". مضطراً إلى نظرية مشهورة، صرّح بها الدكتور مصطفى الفقي، وهي أنّ رئيس مصر القادم لا بدّ من أن يأتي بمباركة أميركية ورضا إسرائيلي.
لذا تحدّث السيسي عن سماحة اليهود، بالرغم من أنّهم لم يعودوا يمثّلون في الداخل المصري أي ثقل انتخابي، أو حضور مدني، فالجالية اليهودية المصرية لا تزيد حالياً عن 11 شخصاً، رجل واحد وعشر نساء.
يقول السيسي في مقابلة تلفزيونية مع إبراهيم عيسى ولميس الحديدي: "أنا اتربيت في منطقة من أقدم مناطق مصر، فيها تنوّع ثقافي وإنساني وحضاري بلا حدود... خلي بالِك (موجهاً كلامه للميس الحديدي) أنا كنت باشوف في "حارة اليهود" المعبد اليهودي، ولا حدّ بيقول مين اللي دخل المعبد؟ ومين اللي خرج؟ ولا حدّ بيحاول يؤذي أي يهودي أو يضايقه".
ويبدو أن هذه الكلمات ألهمت صنّاع المسلسل، المؤمنين بكلام رئيسهم و"تسامحه".

حبّ محرّم أم منشود؟


الشخصية اليهودية التقليدية للغاية ترضخ بكامل الرضا للبلطجي "فتحي العسال"، الذي يمثل السلطة التي تأخذ "الفِردة" من أبناء الحارة مقابل حمايتها، فيدفعها الموظف اليهودي الغلبان عن طيب خاطر، معتبراً أن رضوخه للبلطجي يمثل إرادة الرب.
ينطلق العمل من علاقة عاطفية تربط بين اليهودية "ليلى" والضابط المسلم "علي"، وهي علاقة واضحة ومقبولة بين أهالي الحارة عامة، باستثناء العواذل، يحاول المؤلف من خلالها أن يروج لفكرة مثالية، فـ "علي" يكتب لحبيبته اليهودية من الجبهة الفلسطينية رسالة مطلعها: "حبيبتي ومعشوقتي وسر بقائي". ويقرر أن يتقدم لخطبتها دون اعتبار لسذاجة الطلب واستحالته. أم الفتاة فقط هي من تعترض على هذا الزواج لأنهم يهود ولا يصح لهم ذلك!
أما والده فهو يرى ليلى غير مناسبة، ليس بسبب ديانتها، بل لأنها فقيرة قائلاً: إذا أردت أن تتزوج يهودية فلتكن بنت "شيكوريل"! ويدلل على رؤيته الطبقية بآية قرآنية تتحدث عن أن الله جعل الناس بعضهم فوق بعض درجات! ثم يمر الحوار ببساطة كأنه ليس معضلة كبرى في المجتمعات الشرقية والكنتونات الدينية.
أزمة هذه المعالجة أنها تتحدث عن مرحلة زمنية محددة، لا مجال فيها لتغيير الواقع لتمرير قيم خيالية، ثم جعلها جزءاً من التاريخ. فـ "حارة اليهود" لم يكن اسماً مجرداً من طبيعتها الخاصة، وغير اليهود فيها لم يكونوا سوى دخلاء.
"ألبير آريه" أحد أعمدة الجالية اليهودية يتحدث عن الحارة المغلقة، بسكانها من المسلمين أو المسيحيين، وأهلها جميعاً كانوا من الفقراء. في إشارة إلى أنه لم يكن منهم من كان يجيد اللغات الأجنبية، ولا من كان صائغاً إقطاعياً، ولا من بين أبنائها "مدرب رقص" لأبناء وبنات الطبقة الغنية، فقد كان أغنياء اليهود يسكنون في الأحياء الراقية ويحتقرون أهلها ويصفونهم بـ "يهود الحارة"!
وبالطبع فالعلاقة العاطفية بين مسلم ويهودية داخل حارة اليهود أمرٌ مستحيل الحدوث، حتى لو جاز ذلك في خارج حارة اليهود، ويحكي ألبير آريه عن أن البلاد كانت في حالة حرب، وكان الجيش لا يسمح بمثل تلك العلاقات لضباطه، ولو حدثت لأحدهم يفصل من الخدمة!

أغلاط مقصودة

"التمييز الديني" أهم سمات المسلسل الذي يحاول صهر المجتمع في بوتقة وطنية واحدة،
فالمشاهد لن يستطيع تجنب عملية التصنيف والتمييز، إذ ترتكز الفكرة على أساس اختراق الحارة المنغلقة التي اتخذها اليهود الفقراء، أو اتخذت لهم، "غيتو" في العديد من بلدان العالم، ثم معالجة أخلاقياتهم وسلوكهم. بالرغم من محاولته الترويج لفكرة أن أغلبية سكان حارة اليهود من المسلمين وليس اليهود! وهو ما لم يحدث إلا الفترة اللاحقة لتهجير اليهود في العهد الناصري، وعدم السماح لهم بالعودة، أما قبل ذلك فقد كانت حارة اليهود لليهود فقط!
تبدأ أحداث المسلسل بحالة ذعر تسيطر على أبناء حارة اليهود مع غارة حربية على القاهرة سنة 1948، فيهرع السكان جميعاً للاحتماء بالمعبد اليهودي. يتحدث الأب اليهودي منزعجاً من عودة الغارات بعد رحيل هتلر وأيامه، فتجيبه ابنته أثناء دخولها المعبد اليهودي: بأن المشكلة هي أن الذين طردهم هتلر وشردهم هم من يقتلون الآن الفلسطينيين. يجيبها الأب بأننا في مصر الآن! بما يعني أن كلامها لا داعي له. حوار مبكر قُصد منه تهيئة الأجواء بأن الفتاة اليهودية المصرية ليست صهيونية.


يختلط علينا أمر هذه الغارة، التي تبدو طبيعية يعتاد الناس على مثلها في ذلك التوقيت؛ فمصر تحت حماية الإنجليز، وقد انتهت الحرب العالمية وتفكك الأسطول الجوي الألماني الذي كان يغير على مستعمرات بريطانيا، والمعارك مع عصابات الصهاينة كانت على أرض فلسطين. واحتمال وجود غارات إسرائيلية على القاهرة غير وارد؛ فهناك تقدم واضح للجيوش
العربية، وذلك قبل الهدنة التي فرضتها القوات الدولية، ثم انقلب ميزان القوى بعدها بالصورة التي ضاعت فيها فلسطين.

شعب الإخوان

يبدو جليا إسقاط رؤية 30 يونيو 2013 على أحداث 1948م، فالمؤلف هو مدحت العدل، صاحب أغنية: "إحنا شعب وانتوا شعب، لينا رب وليكو رب". قاصداً الإخوان، مجتثاً وطنيتهم واندماجهم التاريخي مع الشعب المصري.


في المقابل لم يأل العدل جهداً في إنصاف الجالية اليهودية المصرية كاملة. بمن فيهم المتعصبون للصهيونية؛ فقد كانت لديهم الحجج الدينية، والأصول المنطقية، والمظلومية التاريخية، والقناعات غير الإجرامية، لذا فهم جزء أصيل من هذا الشعب. والجدل الدرامي حول المزاعم الصهيونية يكون باهتاً للغاية، فأقصى ما يمكن أن تقوله ليلي عن أخيها المتصهين: "البيه بقى خواجه، وكأنه لا عاش ولا اتربى في حارة اليهود".
وإذا وضع المشاهد شخصية موسى الصهيوني، ذي الوجه المشرق والإخلاص للقضية، في كفة ميزان "العدل"، ووضع "حسن المخللاتي" الإخواني المتعصب في الكفة الأخرى، لرجحت كفة موسى بالطبع! فقد تم استثمار اسم الإخوان، المغضوب عليهم حالياً، في حشد التعاطف نحو اليهود والصهاينة!
الإخوان المسلمون متعصبون ومتهمون منذ اللقطات الأولى، يراهم الشعب كذلك منذ سنة 1948، فداخل المعبد اليهودي، الذي احتمى به المواطنون جميعاً من الغارة، تبدأ السخرية من حسن البنا وكتائب الإخوان التي أعلن أنها ستذهب للحرب في فلسطين لكنها لم تذهب!
وفي الوقت الذي يضحي فيه الجيش المصري بنفسه في الميدان، ويقع الضابط العاشق في الأسر(عاشق لوطنه وللفتاة اليهودية أيضاً)، يرتدّ الإخوان على أعقابهم، ويأتي حسن البنا ليقول: "الحرب ليست في فلسطين فقط، إنما الجهاد هنا لا يقل عن الجهاد هناك، لذلك فأنا أطالب اعتبار الكوكاكولا شراباً محرماً، وبطابع بريد عليه صورة الأقصى، وبقرش صاغ واحد يشتريه المصريون من أجل فلسطين... إن اليهود هناك واليهود هنا، لهم مصالح ومحال وأماكن... كل قرش ندفعه للمؤسسات اليهودية ما هو إلا رصاصة في صدر مسلم".
وبعد تكبير أنصار البنا، يبتسم ابتسامة رضا غير نقية، تتبعها مشاهد لأعمال إرهابية تستهدف المصالح اليهودية دون تمييز، يكون جميع ضحاياها من الأبرياء، وأكثرهم من المسلمين.
يتم تحميل الإخوان مسؤولية العنف، إذ يبدأ التساؤل: "هل لأن ناساً يئسوا مما حدث لهم في فلسطين يمكن أن يقتلوا أي يهودي ويأخذوه بذنب الصهاينة"؟ فيرد الإخواني على ذلك بأن "أبسط حق من حقوقنا هو ضرب مصالح اليهود هنا في مصر رداً على ما يرتكبه اليهود هناك في فلسطين"!
لم يصل الإخوان أيضاً لمستوى وطنية البلطجي "فتحي العسال" الذي يقاوم "ورجالته" فساد الإنجليز المحتلين، الذين يذهبون إلى بيوت الدعارة ولا يريدون أن يدفعوا ثمن متعتهم! ثم إنه يعلن موالاته لجيش بلاده العظيم، فيرفض أخذ "الإتاوة" عن والد الضابط علي لحين عودته سالماً من الجبهة، ويهتف: مصر منصورة وجيشنا بطل، وكلنا نقف وراه ونضحي بحياتنا علشانه!
ولا يضاهي عدم وطنية الإخوان سوى "قاسم"، البدوي الفلسطيني الخائن، فهو صهيوني متحمس أكثر من الصهاينة أنفسهم، بما يكرس لنظرية خيانة البدو وعمالتهم!

المساهمون