"تاريخ شمال أفريقيا": في انتظار المؤرخ الأهلي

04 يوليو 2016
الصورة
(برنار لوغان)

منذ أيام صدر عن "منشورات روشي" في باريس كتاب "تاريخ شمال أفريقيا" للمؤرخ الفرنسي برنار لوغان. عمل يمكن القول إنه منتظر باعتبار أن مؤلّفه قدّم الكثير من الأعمال حول بلدان من شمال أفريقيا، وأفريقيا عموماً.

سيأخذ هذا العمل، لا شكّ، موقعاً في مكتبة فرنسية ثرية بالكتابات حول تاريخ شمال أفريقيا، حيث نعثر على أعمال مثل كتاب إدمون جوهو الذي يحمل نفس العنوان أو كتاب "شمال أفريقيا الفرنسي" للثلاثي ألبرتيني وماركاي وإيفر، إضافة إلى أشهرهم جميعاً عمل شارل أندري جوليان "تاريخ أفريقيا الشمالية من البدايات إلى 1830".

كل هذه الكتابات، وهي أعمال ضخمة، تشير إلى تقليد فرنسي في التأريخ لهذه المنطقة من العالم، والتي كانت تحت سيطرتها الاستعمارية ما يفسّر أسباب هذا الاهتمام.

في المقابل، من الصعب أن نعثر على عملية تاريخ موازية من هذه المنطقة لنفسها، حيث أن مؤرخي القرنين الأخيرين تركزت اهتماماتهم على التواريخ القُطرية حسب التقسيم الحدودي ما بعد الاستعمار، أو حصره في مراحل تاريخية معينة (التاريخ القديم أو المرحلة الإسلامية..). هنا، يمكننا فقط أن نستثني كتاب "مجمل تاريخ المغرب" للمؤرخ والمفكر المغربي عبد الله العروي، وربما معه "كتاب العبر" لابن خلدون بشيء من التجاوز.

يختلف عمل برنار لوغان عن بقية الكتب الفرنسية التي تصدّت للتأريخ لشمال أفريقيا، إذ أنه ينطلق من مشروع مختلف باعتباره يعمل منذ سنوات على مسح تاريخ القارة، فيما كانت أعمال جوليان مندمجة في المشروع الثقافي الاستعماري، وكان جوهو عسكرياً.

الاختلاف الثاني، هو أن لوغان لا يلتزم بالتعريف المتداول لشمال أفريقيا (تونس – الجزائر – المغرب) وإنما يتجاوزه إلى مصر التي تعتبر في كتابات من سبقوه ضمن المشرق، وهو خيار له انعكاساته على العمل باعتبار أن هذه التحديدات تقدّم في ما بعد خارطة تفاعلات وعلاقات مختلفة، إذ يبيّن مثلاً في الفصول الأولى أثر الحضارة الفرعونية على المجال الغربي، كما أن هذه الصورة العامة لا تقف في العصور الحديثة مع التقسيمات الاستعمارية ما يتيح له إضاءة أوسع لكيفية تحرّر هذه الشعوب.

هذا التقسيم أتاح للوغان أيضاً أن يتقدّم خطوة جديدة في التأريخ للمنطقة حين تطرّق إلى "الربيع العربي"، والذي لا يمكن فهمه دون أن تكون العلاقات (الرسمية والشعبية) بين تونس ومصر مطروقة ضمن تراكم تاريخي بعيد المدى.

عنصر آخر قد يعطي مذاقاً خاصاً لعمل لوغان الجديد، هو أنه معروف بميولاته الأفريقية، بداية بكونه ولد في مراكش المغربية، وصولاً إلى تبنّيه قضايا شعوب القارة والكتابة عنها بنفس تفكيكي للسياسات الأوروبية.

هذه الخصال التي لا ينكرها أحد على لوغان يمكن أن تذكّرنا أيضاً بنموذج مثقف أوروبي يتحوّل إلى لسان دفاع (وتفكير) لـ "التابع" كما نظّرت له الأثروبولوجية الهندية غياتري سبيفاك حين وضعت سؤال "هل يمكن للتابع أن يتكلّم؟"، في وضع تاريخ شمال أفريقيا يبدو أن مؤرّخي المنطقة ما زالوا يتركون الكلام لغيرهم.