"المجلس الأعلى للإعلام" في مصر: 6 أشهر من خنق حرية التعبير

04 أكتوبر 2017
الصورة
حظر بث برامج على قنوات مصرية (جيانلويجي غويرسيا/فرانس برس)
+ الخط -
ستة أشهر فقط هي عمر المجلس الأعلى لتنظيم الإعلام، المؤسسة التي حلّت محل وزارة الإعلام في مصر، صدر خلالها عدد كبير من القرارات والتوصيات والتصريحات المعادية لحرية الإعلام بمفهومه الواسع. فالمجلس الذي بدأ اجتماعاته في الثالث عشر من إبريل/نيسان الماضي، يكمل خلال أسبوعين نصف عام شملت حفنة من القرارات "الصادمة"، وعلى رأسها تقديم بلاغات للنائب العام المصري ضد إعلاميين ووقف إعلاميين عن الظهور مثل ريهام سعيد ومحمد الغيطي، وقرارات بإيقاف استطلاعات بحوث نسب المشاهدة، وغرامات مالية على قنوات بسبب مسلسلات رمضان، إلى جانب ترحيب واسع بقرار حجب المواقع الإلكترونية، وتشكيل مرصد لـ"كشف المواقع المهددة للأمن القومي".

"الكود الأخلاقي"
في التاسع من يونيو/حزيران الماضي، أعلن المجلس الأعلى لتنظيم الإعلام، مخاطبة الصحف الورقية والمواقع الإلكترونية والقنوات الفضائية لبدء تطبيق الكود الأخلاقي الإعلامي عند تناول القضايا الخلافية العربية.
ويتضمن "الكود الأخلاقي"، شقين، الأول، هو حق كل إعلامي في مساندة وجهة نظر بلاده بكل السبل والطرق والوسائل وبكل ما تضمنه حرية الرأي والتعبير، وأن ينحاز لوجهة نظر بلده بأي وسيلة. والشق الثاني يتضمن أن يلتزم الإعلامي بألا تتضمن عباراته سّبًا أو قذفًا أو تجريحًا لأشخاص وأن يكون الرأي والنقد محل الخلاف موجّهًا إلى القرار محل الخلاف ولا ينسحب على شخصه.

ترحيب بقرار حجب المواقع
لم يكن صادمًا في ظل الأوضاع السياسية والتحكم في منظومة الإعلام المصرية، أن يخرج رئيس المجلس الأعلى لتنظيم الإعلام، مكرم محمد أحمد، مرحّبًا بقرار حجْب المواقع الإخبارية. وقال مكرم إنه "ينبغى أن تغلق كل المواقع التابعة لجماعة الإخوان الإرهابية، مواقع متسرّبة ويسبّون في قواتنا المسلحة ليل نهار وينبغي التخلص منها".

تشكيل مرصد المواقع المهدِّدة للأمن القومي
كما أعلن مكرم عن تشكيل المرصد القومي بالمجلس الأعلى لتنظيم الإعلام لرصد المواقع التي تحرّض على الإرهاب والعنف واتخاذ قرار بشأنها.

بلاغات للنائب العام
تقدم المجلس الأعلى للإعلام ببلاغ إلى النائب العام يطالب فيه بالتحقيق مع الكاتب الصحافي، إبراهيم عيسى، بتهمة إثارة الفتنة الطائفية، بعد أن أكد في مقالاته أن الدولة عاجزة عن حماية الأقباط من الإرهابيين. وطالب المجلس نقابة الصحافيين بالتحقيق مع عيسى في التهمة ذاتها، مؤكدًا أن "الظروف التي تمر بها البلاد لا تتحمل مثل هذه المعالجات".

وقف بحوث نسب المشاهدة
أصدر المجلس الأعلى لتنظيم الإعلام قرارًا في 21 يونيو/حزيران الماضي، بإيقاف استطلاعات الرأي التي تجريها الشركات أو الهيئات الخاصة لأبحاث التحقق من الانتشار والمشاهدة والاستماع.
وكانت شركة "إيبسوس" للأبحاث التسويقية، قد أعلنت في آخر استطلاع لها عن تفوق القنوات العربية على المصرية في نسب المشاهدة. كما أفاد تقرير الشركة، بتفوق مجموعة قنوات الجزيرة والقنوات المعارضة مثل "الشرق" على مستوى الشرق الأوسط وإفريقيا على القنوات المصرية.

منع إعلاميين وضيوف من الظهور
أصدر المجلس قراراً بمنع ظهور أستاذ الفقه المقارن بجامعة الأزهر، صبري عبد الرؤوف، على شاشات التلفزيون وعدم استضافته في المحطات الإذاعية، على خلفية ظهوره في برنامج ديني على إحدى القنوات الخاصة، وتصريحاته بشأن "معاشرة المتوفَّى".
كما أصدر المجلس قرارًا بإيقاف برنامج انفراد على قناة "العاصمة" الذي يقدمه سعيد حساسين لمدة شهر؛ بعدما تبادل ضيوف الحلقة السب والقذف والاتهامات بالخيانة والعمالة وتوجيه اتهامات لشعوب وقادة السعودية والعراق وإيران.
كما قرر المجلس توجيه إنذار للقناة للفت نظر البرنامج "دودي شوط" لعدم تكرار مثل هذه المناقشات التي تضر بالأسرة والمجتمع. ونفس الحال بالنسبة لبرنامج "3 في 1" للمذيعة شيماء سيف حيث قرر المجلس إرسال خطاب للقناة بلفت نظر البرنامج لعدم تكرار المشاهد والحوارات التي قد تحمل إيحاءات غير مقبولة.
وقرر المجلس الأعلى للاعلام وقف برنامج "صبايا الخير" الذي تقدمه ريهام سعيد، والمذاع على قناة "النهار" لمدة شهر مع توجيه إنذار للقناة بعدم تكرار الجرائم الإعلامية مرة أخرى، مخاطباً نقابة الإعلاميين للتحقيق مع فريق العمل في برنامج "صبايا الخير".



حظر ظهور المثليين
قرر المجلس حظر "الترويج لشعارات المثليين أو نشرها"؛ لأن "المثلية مرض وعار يحسُن التستّر عليه لا الترويج لإشاعته إلى أن يتم علاجه والتخلص من عاره، حفاظًا على السير والأخلاق العامة واحترامًا لقيم المجتمع وعقائده الصحيحة"، بحسب ما قال.
كما حظر المجلس ظهور المثليين في أي من أجهزة الإعلام المقروءة والمسموعة والمرئية إلا أن يكون الظهور "للاعتراف بخطأ السلوك والتوبة عنه"، بحد زعمه.

قانونياً
يحدد قانون التنظيم المؤسسي للصحافة والإعلام رقم 92 لسنة 2016، مجموعة من الاختصاصات للمجلس الأعلى لتنظيم الإعلام، والتي لم يكن من بينها إبداء الرأي حول محتوى أي عمل فني أو الرقابة على الأعمال الإبداعية. واقتصر القانون على أن يكون للمجلس اختصاصات إدارية مُتعلقة بمنح التصاريح للإعلاميين وتلقي إخطارات تأسيس الصحف، وأخرى فنية تتعلق بالمحتوى مثل: تلقي وفحص الشكاوى عما يُنشر في الصحف أو يبث بوسائل الإعلام، ويكون منطويا على المساس بحياة الأفراد أو سمعتهم.
وبحسب ورقة الموقف التي أصدرتها مؤسسة حرية الفكر والتعبير، فإن الإجراء الوحيد الذي صرّح به القانون للمجلس هو إحالة الصحافي أو الإعلامي إلى النقابة المعنية لمساءلته.
وعلى مستوى اعتزام المجلس الأعلى لتنظيم الإعلام سحب ترخيص الوسيلة الإعلامية الفضائية، التي تُذيع لفظا مُسيئاً، وإلزامها بإعادة إجراءات الترخيص من جديد "يُمثل هذا القرار اعتداء على اختصاصات الهيئة العامة للاستثمار والمناطق الحرة، والتي يخوّلها القانون إصدار القرارات اللازمة لمباشرة النشاط في المنطقة الحرة العامة، سواء في منح الترخيص ابتداء، أو في مراقبة تنفيذه بعدئذ وإلغاء الترخيص الممنوح للمنشأة في حال مخالفة الترخيص".
ولكن تبقى الإدارة العامة للرقابة على المصنفات الفنية التابعة لوزارة الثقافة، الجهة الرقابية الأبرز، والتي حدد القانون رقم 430 لسنة 1955 ولائحته التنفيذية اختصاصاتها بالرقابة على المصنفات السمعية البصرية، بالإضافة إلى القواعد الأساسية للرقابة على المصنفات. ويكفي وجود 20 بندا بهذه القواعد يمكن من خلالها منع ظهور أي عمل فني. وردًا على هجوم الرافضين لنوعية الأعمال الدرامية التي تقدم في رمضان، قال مستشار وزير الثقافة لشؤون السينما، ورئيس الرقابة على المصنفات الفنية، خالد عبد الجليل، في 28 مايو/أيار 2017: "أنا كمبدع أرجو من الجميع ألا يورطوني مع المبدعين بقواعد وقوانين مقيّدة.. وإذا أراد مجلس النواب أن يفرض قواعده فعليه أن يصدر قوانين والرقابة حينها جهة تنفيذ.. وحتى يحدث هذا فالرقابة لن تتورط مع المبدعين".
وربما يفسر ذلك سعْي المجلس الأعلى لتنظيم الإعلام إلى لعب هذا الدور في التقييد على المبدعين وممارسة الضغوط على القنوات الفضائية، وفقًا لتقرير المؤسسة. وأضاف التقرير "أظهر القرار مخالفة المجلس الأعلى لتنظيم الإعلام للدستور المصري، الذي ينص على العناية بحقوق المبدعين وحمايتها ورعايتها، ويحظر الدستور كذلك فرض رقابة على الصحف ووسائل الإعلام المصرية أو مصادرتها أو وقفها أو إغلاقها، كما ألزم الدولة بإتاحة المواد الثقافية بجميع أنواعها لمختلف فئات الشعب".


انتقادات حقوقية

اعتبرت مؤسسة "حرية الفكر والتعبير" في تقريرها السنوي الرابع عن حالة حرية الفكر والتعبير في مصر، الصادر منذ أسابيع، أن المجلس الأعلى للإعلام قد أصبح "محورًا لانتهاك حرية الصحافة والإعلام"، فضلًا عن تنصيبه نفسَه جهة رقابية جديدة، في إشارة إلى تطبيق غرامات على القنوات الفضائية إبان عرض مسلسلات رمضان. وأشار التقرير أيضًا إلى تجاوز النقابة صلاحياتها باستصدار عقوبات ضد الإعلاميين.
وأضاف التقرير "تثير هذه المواقف قلقاً كبيراً حول غَلبة المنحى الرقابي المحافظ على أداء واهتمام نقابة الإعلاميين، بدلاً من الاهتمام بوظيفتها الأساسية في رعاية مصالح الإعلاميين والدفاع عنها، وخاصة أن مرحلة تأسيس النقابة تتطلب نقاشات مستمرة حول تحديد إجراءات الانضمام لها وحجم الاشتراكات وتنظيم انتخاب قيادات النقابة".
وبحسب ورقة الموقف التي أصدرتها المؤسسة في يونيو/حزيران الماضي، بعنوان "عودة الحِسبة"، أعدها الباحث، محمود عثمان، فإن إشكالية حق المجلس الأعلى لتنظيم الإعلام في أن يصدر مثل تلك القرارات بغض النظر عن اختصاصاته الحالية.
وانتقد التقرير استباق المجلس، لصدور اللائحة التنفيذية واتخاذ مثل هذه القرارات. في حين أن على بساط بحثه ملفات أكثر إلحاحاً، مثل حجب الحكومة للمواقع الإلكترونية. كما تمتد خطورة قرار الأعلى لتنظيم الإعلام إلى الإخلال بجمع من المبادئ الدستورية، ومنها: مبدأ شرعية العقوبة والذي يقضي أنه لا جريمة ولا عقوبة إلا بنص قانوني، وأن لا تقع العقوبة إلا بحكم قضائي. فضلاً عن إخلال القرار بمبدأ أنه لا عقاب إلا على الأفعال اللاحقة لتاريخ نفاذ القانون. ووجود مثل هذا المبدأ يعد ضماناً ضد تحكُّم المجلس الأعلى لتنظيم الإعلام المطلق، وألا يكون خصماً وحكماً في ذات الوقت.
والأخطر من ذلك أن المجلس أعلن عن استحقاق المواطن الذي سيبلغ عن وجود إساءة لقرابة 10% من الغرامة المُحصّلة. هذا التحريض على تتبع المبدعين هو المنحى الذي استنكرته أحكام المحاكم المصرية بل والمُشرّع المصري حين وعى ضرورةَ كبح راغبي الشهرة الذين من الممكن، أن يقوموا برفع دعاوى يومياً ضد الفنانين بدعوى حماية الأخلاق العامة.



المساهمون