"اللاهوت السياسي": خرافة إنهاء سيادة الدولة

29 مايو 2018
الصورة
ليونيل فاينينغر/ الولايات المتحدة

جرت في السنوات الأخيرة استعادة مقولات المفكّر الألماني كارل شميت (1888 – 1985) في أوروبا، خاصة في بعض أوساط اليسار مع تصاعد أزمة الرأسمالية، لإبراز أفكاره المناهضة لليبرالية ورفضه أن تتخلّى الدولة عن سلطتها، ورغم أن توجّهاته جاءت ردّة فعل على هزيمة بلاده في الحرب العالمية الأولى (1914 – 1918) إلا أنها شكّلت مرجعية لا يمكن تجاوزها في تدريس النظريات الدستورية.

في عام 1922، أصدر صاحب "أزمة البرلمانية الديمقراطية" أحد أهم مؤلّفاته تحت عنوان "اللاهوت السياسي"، الذي تأثّر فيه بمفهوم "الإرادة الحرة" في الكنيسة الكاثوليكية، ونظّر فيه لإمكانية التخلي عن سيادة القانون في اللحظة التي تستدعيها المصلحة العامة، وأن الدولة لا توجد إلا للحفاظ على سلامتها من أجل ضمان النظام والاستقرار.

يمكن القول إن أفكار شميت انتصرت في العقد التالي مع صعود هتلر إلى السلطة، لكن سرعان ما انتهى "شهر العسل" مع النازية التي كان من المدافعين عن أفكارها، حتى اتهم بأنه هيغلي الفكر وكاثوليكي الهوى، وتمّت ملاحقته حتى انتهاء الحرب العالمية الثانية، التي بقي بعد انتهائها معتقلاً لمدة عام لدى قوات الحلفاء.

تركت هذه التجربة العميقة أثرها لدى صاحب "الرومانسية السياسية"، لكن مراجعاته الذاتية ذهبت به نحو تأمل مفهوم السيادة في المسيحية، ليضع ما سمّي "أجندة جديدة" في الجزء الثاني من كتابه "اللاهوت السياسي" عام 1970، الذي أتى في فترة بدا فيها متشائماً لأبعد الحدود من تأثيرات الليبرالية ودورها في تفكيك الدولة الحديثة.

عن سلسلة "ترجمان" في "المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات"، صدر حديثاً المجلدان بعنوانيهما الفرعييْن "أربعة فصول عن مفهوم الحكم واللاهوت السياسي"، و"أسطورة إنهاء كل لاهوت سياسي" بترجمة رانية الساحلي وياسر الصاروط.

في الجزء الأول، يرى المؤلّف أن جوهر الحكم السيادي يتمثّل في تقرير ما هو استثناء وتقرير الإجراءات التي يجب اتّخاذها للقضاء على هذا الاستثناء، وهذا يعني أن الحاكم السيادي هو من يقرر ما هو "العادي".

ويؤكد شميت على أن قوة السيادة يجب أن تكون حكراً على فاعل واحد يقف "خارج" النظام القانوني لكنه "ينتمي إليه" ويشكّل جزءاً منه في الوقت ذاته. وبذلك، لا يعود من الممكن تعريف السياسة على أساس الدولة بل على العكس يجب تعريف الدولة وفهمها على أساس السياسة والسياسي.

أما الجزء الثاني، فيردّ على أطروحة إيريك بيترسون الموسومة "التوحيد باعتباره مشكلة سياسية: مساهمات في تاريخ اللاهوت السياسي في عهد الإمبراطورية الرومانية"، التي تحاول أن تضع حدّاً لأي اعتقاد بأنّ للإيمان بالله أيّ أهمية سياسية أو بأنّ للاهوت أيّ أهمية اجتماعية، رافضاً بدوره ما يسمّيه "خرافة" إنهاء اللاهوت السياسي.

ويخلص إلى أن "عدم التَلَهوُت يقتضي ضمناً عدم التسييس، بمعنى أن العالم يتوقف عن أن يكون ذا شكل سياسي، وبالتالي، يتوقف التمييز بين الصديق والعدو عن أن يكون معياراً للشأن السياسي".

تعليق: