"القيروان أيام الأغالبة": الأحادية المذهبية وبداياتها

16 يناير 2018
الصورة
(الجامع الكبير في القيروان، تصوير: ريتشارد هاميلتون سميث)

كان أوّل إصدارات المؤرّخ التونسي الراحل السنة المنقضية، محمد الطالبي (1921-2017)، بعنوان "الدولة الأغلبية" (1966)، وصادف أن آخر عمل يصدر له قبل رحيله كان بعنوان "الصراع اللاهوتي في القيروان أيام الأغالبة" (2017، منشورات سوتيميديا)، وكأنه بصفة رمزية يُغلق قوساً ظلّ مفتوحاً طوال حياته، فقد انشغل في مسائل أخرى بعيدة عن تخصّصه الأصلي، في الدين والسياسة، ودخل في سجالات عديدة كانت سبباً في شهرته، لكن بعيداً عن مجاله، حتى أنه في الإعلام التونسي قلّما جرى تقديمه مؤرّخاً، وقد لقيت أقوال الرجل الكثير من التحريف والتوظيف بين باحثين عن الضجة الإعلامية، أو ملتقطين لهذا الرأي أو ذاك لاستعماله في خصومات السياسة.

وكانت آخر ضجة حفّت بالطالبي تلك المتعلقة برأيه في المسكرات، والتي نجد تفاصيلها في كتابه الأخير (لم يثر أية ضجة كالتي أثارها ظهورٌ تلفزي)، حيث إن خلاف القول بإباحتها أو تحريمها (ودرجات ذلك) كان جزءاً من سجالات فقهاء القيروان في القرن التاسع ميلادي.

يبيّن الطالبي تفاصيل هذا السجال في كتاب "الصراع اللاهوتي في القيروان" من خلال عودة إلى مخطوطات تلك الفترة حيث يجد أثراً لخلاف بين الحنفية التي تُحلّها والمالكية التي تحرّمها، مُظهراً الجدل اللغوي والفقهي في ذلك، ومشيراً إلى أنه وإن "كانت المالكية انتصرت فعلاً على أرض الواقع، فإن الخلاف النظري لم يُحسم في القضية".

والكتاب هو في مجمله "تحقيق لثلاثة مخطوطات من مكتبة القيروان الأثرية" ثم استخلاص لأهم المسائل التي تثيرها، كما لا ينسى الطالبي أن يضمّن العمل إشارات إلى الزمن الحديث، مثل تأكيده في المقدّمة على أن الصراع بين العلماء في الفترة التي يدرسها لم يتعلّق بالفقه فحسب، بل طاولت أيضاً أصول الدين، وهو ما باتت تتحاشاه العلوم الدينية اليوم ويجري صدّ أي محاولة للتفكير فيها، كما يذكر أن الخلاف لم يكن يؤدّي إلى "تكفير ومهاجرة ومنابذة".

وإذا كانت المخطوطات تضيء هذا الصراع، فهي تكشف من جهة أخرى بداية انتصار فئة (المالكية) على البقية، ومن ثم الدخول في أحادية مذهبية، بدأت معها الدعوة إلى "مقاومة البدعة والتمسّك بالسنّة" وهو مسار أدّى بحسب الطالبي إلى توريث فقدان الشخصية، وإفقاد العقل والعقلانية، وغسل الأدمغة من كل فكر نقدي، وصولاً إلى القول بأن هذه الغلبة تحوّلت لاحقاً إلى "رفض للرقيّ" بالاعتقاد بأن الماضي بالضرورة أفضل مما بعده، وهي أهم أطروحة يقدّمها الكتاب إذ تفسّر لماذا لم ينشأ عصر تنوير عربي كالذي عاشته أوروبا في القرن الثامن عشر.

يشير الطالبي أيضاً إلى امتداد "رفض الرقيّ" إلى أيامنا، فكثير من علماء الدين المعاصرين يتخذون نفس المواقف فهم ينقلون بلا تساؤل ولا فهم، وينشرون هذا السلوك أينما حلّوا، من دون أن يشعروا بأنهم يمسكون بالناس في أسفل "سلسلة النشوء والارتقاء".