"القوات المساندة" في ليبيا... تحايل للزج بالمدنيين في الحروب

31 مايو 2019
الصورة
مقاتلون "مدنيون" من قوات حكومة الوفاق (محمود تركية/فرانس برس)

ما زالت الاشتباكات العنيفة تُسجَّل في ليبيا بين المتصارعين في جنوب طرابلس، ويتورّط فيها أفراد كثيرون ليسوا منظَّمين عسكرياً. هؤلاء أتوا طارئين على المعارك المحتدمة.

لا يوجد في ليبيا جيش نظامي. هو واقع يواجهه طرفا القتال في جنوب طرابلس، قوات حكومة الوفاق الوطني وقوات اللواء المتقاعد خليفة حفتر. ويشدّد حفتر على أنّه يقاتل لتوسيع رقعة سيطرته العسكرية تحت شعار "مكافحة الإرهاب"، مدعياً أنّ قوّاته تعمل بشكل نظامي تحت اسم "الجيش الوطني الليبي"، في حين يؤكد مسؤولون ومراقبون كثر أنّ نظام العقيد معمّر القذافي فكّك وحدات الجيش وأوقف الكليات العسكرية عن العمل منذ مطلع تسعينيات القرن الماضي خوفاً من محاولات انقلاب عليه من قبل الجيش.

ويتكتّم طرفا القتال حول هويّة مقاتليهما، فيما تُظهر صور التقطها كاميرات هواتف ناشطين ومواطنين ليبيين أطفالاً دون الثامنة عشرة يشاركون في القتال وكذلك مئات من حاملي السلاح بلباس مدني. يُذكر أنّ الجهات المسؤولة لدى الطرفَين عمدت إلى تأليف ما سمته "الكتائب المساندة"، والمقصود بها القوات القبلية أو المناطقية وربما الأيديولوجية، مثل المقاتلين المداخلة السلفيين في صفوف قوات حفتر.

والكشف عن وجود مقاتلين غير نظاميين في الحرب الدائرة حالياً في طرابلس، جاء عندما تمكّنت قوات حكومة الوفاق من أسر 120 مقاتلاً تابعاً لقوات حفتر في الخامس من إبريل/ نيسان الماضي في أثناء استعادة سيطرتها على بوابة الـ27 الواقعة غربيّ طرابلس والتي كانت قد احتلتها قوات حفتر. وأظهرت تسجيلات فيديو وصور بثّتها جهات عسكرية تابعة للحكومة في مدينة الزاوية (غرب طرابلس) عدداً من الأطفال من بين الأسرى البالغ عددهم 120 أسيراً، الأمر الذي عدّته الحكومة وقتها "جريمة حرب". وتجنيد الأطفال ليس مستجداً في حروب ليبيا، وقد وثّقت منظمة التضامن لحقوق الإنسان الليبية (أهلية) منذ أغسطس/ آب من عام 2015 تجنيد حفتر للأطفال. وفي السياق، أكّد المتحدث باسم المركز الإعلامي لعملية "بركان الغضب" التابع لحكومة الوفاق، مصطفى المجعي، لـ"العربي الجديد" أَسر عشرات الأطفال وهم يرتدون الزيّ العسكري على محاور القتال.




في الجهة الأخرى، ظهر عشرات المقاتلين بلباس مدني في صفوف قوات حكومة الوفاق، وقد نعت صفحات موالية لمجموعات المسلحة التي تتألّف منها قوات الحكومة حالياً، مقتل رامي الشوية، مؤكدة أنّه طبيب، وقد أظهرت صوره المتداولة أنّه شاب في منتصف العشرينيات من عمره. وبينما لا تُخفى مشاركة عناصر غير نظامية في تلك القوات، يُذكر أنّ مكتب حفتر الإعلامي أعلن في نهاية يناير/ كانون الثاني الماضي، صرف مكافأة مالية للقوات المساندة "قدرها خمسة آلاف دينار ليبي (نحو 3500 دولار أميركي) لكلّ فرد من القوات المساندة للقوات المسلحة العربية الليبية".

يشرح الخبير الأمني الليبي محي الدين زكري لـ"العربي الجديد" أنّ "القوات المساندة اصطلاح عسكري يعني القوات الاحتياطية التي تساند القوات القتالية"، لكنّه يؤكد أنّ "الأفراد المساندين هم عسكريون كذلك". يضيف أنّ "قبول مشاركة المدنيين في القتال جريمة يعاقب عليها القانون العسكري". ويتابع زكري أنّ "التوصيف العسكري الصحيح للقوات المتقاتلة حالياً هو أقرب إلى المليشيات رغم وجود ضباط وعسكريين يقودون المحاور من الطرفَين"، مشيراً إلى أنّ "المدنيين قد ينخرطون في دروات تأهيلية تمكّنهم من تقديم دعم لوجستي للقوات القتالية". ويوضح زكري أنّ "ذلك الدعم يتمثّل في تقديم الخبرة الفنية كالإمداد والتموين والميكانيكا والإصلاح وفحص الأجهزة والشؤون القانونية في المكاتب الرئيسية"، لافتاً إلى أنّ "مسمّى القوات المساندة أخذ أبعاداً أخرى أقلّ ما يمكن وصفها بأنّها تحايل على القانون العسكري وتهرّب من المسؤولية القانونية". ويكمل زكري أنّ "إثبات ما حصل سابقاً قد يكون متعذراً قانوناً بحكم تحديد أرقام عسكرية للمقاتلين المدنيين بحكم غياب الرقابة القانونية، لكنّ إثبات تورّط الطرفَين في جرائم زجّ المدنيين في القتال اليوم أمر ممكن بحكم تسارع وتيرة المعركة والحاجة إلى مقاتلين من خلال السماح لهم بالانضمام إلى القتال من دون الخضوع للإجراءات العسكرية القانونية".

تجدر الإشارة إلى أنّ مسمّى "المتطوعين" عُرف في صفوف كتائب القذافي إبان ثورة فبراير/ شباط 2011، فيما عرف عن "مقاتلي الثوار" أنّهم مدنيون حملوا السلاح لإطاحة النظام وقتها. وأكثر كتائب الثوار التي انتشرت في مختلف المناطق لتأمينها في ذلك الوقت، بقيت تقبل المدنيين كحملة سلاح. وعلى الرغم من جهود السلطات الحكومية المتتالية على البلاد لدمج المدنيين في المؤسسات الرسمية العسكرية والأمنية، فإنّها فشلت واستمرّت "كتائب الثوار" في السيطرة على المشهد الأمني في الغرب الليبي حتى باتت تُعرف باسم المليشيات تبعاً لأمرائها المدنيين في الغالب، علماً أنّ عدداً منها تمكّن من الدفع بمقاتليه إلى دورات عسكرية متطوّرة.




بالنسبة إلى قوات حفتر، لم تخفِ تصريحات إبان إطلاق "عملية الكرامة" في عام 2014، استعانتها بمقاتلي قبائل شرق البلاد التي قدّمت له الولاء والدعم، قبل أن يطلق دورات تدريبية عسكرية لبعضهم مؤلّفاً كتائب عسكرية ضاربة ككتيبة طارق بن زياد التابعة للقوات الخاصة الصاعقة. لكنّ كتائبه الأخرى بمعظمها مدينة بانتمائها إلى المداخلة السلفيين. وفي العملية العسكرية التي أطلقها حفتر في منتصف يناير/ كانون الثاني الماضي للسيطرة على جنوب البلاد، تشكّلت قوات من مجموعات مسلحة قبلية أعلنت ولاءها له، وقد استخدمها في بسط سيطرته على الجنوب، كاللواء السادس المؤلف من مقاتلي قبيلة أولاد سليمان، وكتائب أخرى كالكتيبة 241 المؤلفة من مقاتلي قبائل المقارحة والحساونة، وسرية خالد بن الوليد المؤلفة من مقاتلي قبيلة الطوارق.
تعليق: