"الفزع" تاريخ قبلي سوداني للأخذ بالثأر

"الفزع" تاريخ قبلي سوداني للأخذ بالثأر

07 أكتوبر 2014
الفزع تقليد تاريخي في السودان (ديفيد ستيوارت سميث/Getty)
+ الخط -
"الفزع" تقليد مجتمعي تشتهر به بعض القبائل في السودان، لا سيما في ولايات كردفان ودارفور، وهو تقليد عُرف قديماً بين القبائل منذ أيام الجاهلية، للنداء على أهل القبيلة المحددة وحلفائها لمناصرتها في مواجهة اعتداء من قبيلة أخرى أو سرقة أو لأخذ ثأر، جراء مقتل أحد أفرادها.
قبل فترة، وتحديداً في ولاية غرب كردفان، وعبر وثيقة صلح تقليدية متعارف عليها بين القبائل، طوت قبيلتا "الحَمَر" و"المعاليا" صفحة نزاع قبلي اندلع بينهما مطلع العام الجاري، وراح ضحيته 57 شخصاً، وقدرت خسائر الطرفين فيه بأكثر من 77 مليون جنيه سوداني (نحو 7 ملايين دولار). ومثّل النزاع بين القبيلتين أكبر عملية "فزع"؛ إذ تنادى أهل القبيلتين من كل الأنحاء للمناصرة في المعركة التي اندلعت على خلفية مقتل أحد أفراد "الحمر" على يد أحد أبناء "المعاليا"، الأمر الذي تطور لما يشبه حرباً خاضتها القبيلتان لتحصيل "الثأر".
ووقعت القبيلتان يوم السبت 26 أيلول/ سبتمبر اتفاق صلح التزم خلاله كل طرف بدفع ديات قتلى الطرف الآخر، إضافة إلى 25 في المائة من قيمة خسائر كل طرف، على أن يبدأ نهاية أكتوبر/تشرين الأول الجاري دفع الأموال على أقساط لمدة ستة أشهر.
وعادة ما تجمع المبالغ من كافة أفراد القبيلة ممن تجاوز سنهم الثامنة عشرة، حتى وإن لم يشتركوا في القتال بجانب حلفاء القبيلة.
ويقول رئيس مجلس شورى القبائل العربية بمدينة "الفاشر" إبراهيم عبد الله لـ"العربي الجديد" إن الفزع تقليد مجتمعي، يتم من خلاله إبلاغ أفراد القبيلة في المناطق القريبة والبعيدة عن حادثة محددة عبر تقليد محدد لمناصرتها، وقديماً كان يتم إعلامهم عبر النقارة وابتعاث شخص معين للمناطق البعيدة. ولكن حديثاً حل الهاتف الخلوي تلك الأزمة.
بعدها يتجمع أهل القبيلة في موقعين أحدهما بمنزل رجل الإدارة الأهلية، وهو كبير القبيلة وشخصية صاحبة كلمة مسموعة ومحترمة، والتجمع الآخر لدى "العقيد"، وهو الشخصية التي تقود القوة إلى المعركة.
وعادة ما يُختار العقيد وفقاً لمعطيات محددة، متمثلة في أن يكون شخصية متميزة وفارساً وكريماً وخدوماً وملبياً للدعوات ويحوز احترام الجميع.

طقوس

وترافق عملية الفزع طقوس محددة قبل وبعد العملية، متمثلة في قراءة أوراد من القرآن قبل تحرك الموكب، خاصة في حالات الحرب القبلية الكبيرة.
يقول إبراهيم عبد الله "عادة ما يُجهز من لبى نداء الفزع بالماء وكميات كبيرة من الطعام الذي يتم إعداده خصيصاً، كما يستعان بشيوخ القبيلة لقراءة القرآن، والمعتاد أن تقرأ سورة يس ألف مرة وكذلك آية الكرسي وآيات وأوراد متعارف عليها حتى ينصرهم الله".
ويتابع: "يتم عمل مُحايات بأن تكتب آيات قرآنية على لوح خشبي ويغسل بالماء، ويشرب الفازعون ذلك الماء قبل أن يتحركوا لوجهتهم". وتقام احتفالات خاصة بعد عودتهم من المعركة بإطلاق الأعيرة النارية في الهواء والتكبير والتهليل، وتعمد سيدات مرموقات في القبيلة يعرفن بـ"الحَكامات" إلى الغناء للعائدين من المعركة، ومدح بطولاتهم وثباتهم، كما تذبح الذبائح وتقام الولائم.
ويكون الفزع شرفاً أو للأخذ بالثأر، يكون ناتجاً عن سرقة بقرات، قد تتطور لحرب أهلية تستخدم فيها الأسلحة الحديثة ويقتل فيها المئات، وقد يكون الفزع للأخذ بثأر ربما يكون ناتجاً عن مشاجرة بين رجلين لا دخل للبقية فيها، لكن القبيلة تُجر للحرب هي وحلفاؤها من القبائل الأخرى ممن بينهم ميثاق مناصرة في السراء والضراء.

دراجات نارية

يقول الناشط في منظمات المجتمع المدني بولاية غرب كردفان النزير أحمد محمد لـ"العربي الجديد" إن "الفزع ظاهرة منتشرة في ولايات كردفان، وتأتي دون ترتيب مسبق وفقاً للحدث المحدد من اعتداء أو سرقة المواشي أو خلافه". يضيف: "عادة يحدث التناجي في الصراعات القبلية"، ويردف "سابقاً في الفزع كانت تستخدم الدواب في المعركة، أما حديثاً فأصبحت الدراجات النارية تلعب دوراً أساسياً، إذ أصبح يستعان بها في المعركة، باعتبارها أسهل وأسرع".
ويضيف: "عادة في السرقات يفزع بين عشرة إلى خمسة عشر شخصاً فقط للحاق بالمسروقات واستردادها". ويؤكد النزير أن الفزع لا يقتصر في كردفان على الرجال والشباب فقط، وإنما تشترك فيه أيضاً النساء اللواتي يحاربن في المعارك مثل الرجال، إلى جانب مشاركتهن في حمل الزاد والمياه وتضميد الجراح، والقيام بدورهن في زيادة حماسة الرجال للحرب، عبر إنشاد الأغاني، وإطلاق الزغاريد أثناء المعركة، حتى يثبتوا، وترفع من روحهم القتالية".

دلالات