"العربي الجديد" يكشف: إمبراطورية الشرطة المصرية الاقتصادية

"العربي الجديد" يكشف: إمبراطورية الشرطة المصرية الاقتصادية

30 ديسمبر 2016
الصورة
شركات الداخلية المصرية تتهرب من قواعد الشفافية (العربي الجديد)
+ الخط -
 
فوجئ الشاب المصري أحمد يوسف لدى محاولته شراء شقة في مجمع النخيل السكني، الواقع في حي التجمع الأول على أطراف العاصمة المصرية القاهرة، بحاجته إلى الحصول على موافقة من وزارة الداخلية المصرية، إذ يخضع المشروع السكني لإشرافها ويندرج تحت ممتلكاتها كما أخبره مدير أمن المجمع الذي سبق له العمل عقيداً في الشرطة.

يمتد المجمع المجاور لمبنى أكاديمية الشرطة على مساحة 52.2 كيلومتراً مربعاً، ويضم قسمين، الأول مخصص للعمارات والتي تتراوح أسعار الشقق فيها ما بين مليون جنيه مصري (55.5 ألف دولار) و3 ملايين جنيه (166.6 ألف دولار) في حين يضم القسم الثاني فللاً سكنية تبدأ أسعارها من 10 ملايين جنيه (555.5 ألف دولار) وحتى 30 مليون جنيه مصري (1.6 مليون دولار)، وفقاً لما أكده لـ"العربي الجديد"، العقيد بالمعاش يوسف عدلي، مدير أمن المجمع.

ذراع العادلي المالية

يكشف هذا التحقيق عن ممتلكات ومشاريع وزارة الداخلية المصرية، والتي تضم منظومتها الاقتصادية مؤسسات تجارية وشركات خدمات بترولية وممتلكات عقارية، وثق أصولها معد التحقيق عبر عملية تتبع استغرقت ستة أشهر، قام خلالها بحصر الشركات والأنشطة التجارية المملوكة للشرطة المصرية، بواسطة فحص أوراق تأسيس هذه الشركات وزيارة مقار عدد منها، وتوثيق حجم أعمالها منذ صدور القرارات الوزارية بتأسيس هذه الشركات، فيما يجيب التحقيق عن سؤال حول مدى خضوع إمبراطورية الداخلية الاقتصادية للأجهزة الرقابية من عدمه.

في عام 2000 أصدر اللواء حبيب العادلي، أكثر وزراء الداخلية احتفاظاً بمنصبه في عهد الرئيس المخلوع حسني مبارك (13 عاماً)، قراراً بتأسيس شركة الفتح للتوريدات والاستثمارات، التي تعد أولى شركات الكيان الاقتصادي للداخلية والذي لن يلبث أن يتوسع بقوة، بعد أن اضطلع بالمهمة ذراع العادلي المالية اللواء جهاد يوسف عز الدين محمد مساعد الوزير للشؤون المالية، والذي شغل رئاسة 5 إدارات عامة، هي الإدارة العامة للمشروعات والبحوث المالية، والإدارة العامة لإمداد الشرطة، والإدارة العامة للأسلحة والذخائر، وإدارة خدمات ديوان عام الوزارة، والإدارة المركزية للحسابات والميزانية، علاوة على رئاسته مجلس إدارة شركة الفتح للتوريدات والاستثمارات، ورئاسة مجلس إدارة صندوق أراضي ومشروعات وزارة الداخلية السكنية والاستثمارية، ورئاسة مجلس إدارة نادي النيل لضباط الشرطة، ومجلس إدارة المنطقة الصناعية لوزارة الداخلية ولجنة الاستثمار، وهي اللجنة التي ترأس جميع صناديق التأمين الخاصة بالضباط، قبل أن يتم إجباره في 23 مايو/تموز من عام 2011 على الاستقالة بعد خضوعه لتحقيقات عقب ثورة يناير إثر عدد من البلاغات والشكايات اتهمته بالفساد المالي والإداري.
وتتولى شركة الفتح جميع عمليات الإنشاء والصيانة والترميم بجميع جهات الوزارة ومقاولات تأسيس السجون وأقسام الشرطة، فضلا عن تنفيذ عدد من المشاريع الاستثمارية لصالح جهات حكومية وهيئات خاصة، وفقا لما وثقه معد التحقيق، عبر حصر كافة المناقصات التي فازت بها الشركة خلال الفترة من عام 2010 وحتى عام 2015، والتي بلغ عددها 225 مناقصة وثقها معد التحقيق عبر الجهاز الإعلامي لوزارة الداخلية.

وتشمل مشاريع شركة الفتح تأسيس أقسام للشرطة، وصالات ألعاب رياضية، واستراحات للوزارة بعدد من المحافظات، ومباني تتبع هيئات الأسلحة والذخيرة، وشرطة المسطحات المائية، ومباني للأحوال المدنية، ومشاريع إسكانية لعدد من الوزارات الأخرى، فيما يعد مشروع إعادة تأسيس نادي قضاة إسكندرية، وبناء مدينة القضاة السكنية بمنطقة برج العرب غرب الإسكندرية، أحد أكبر المشاريع التي تولتها الشركة بعد إرساء مناقصة المشروع عليها بالأمر المباشر من قبل المستشار أحمد الزند وزير العدل السابق، وتبلغ تكلفة المشروع 100 مليون جنيه، وفقا لما أكده المستشار الزند في تصريحات صحافية قائلا لدى وضع حجر الأساس في عام 2014 "الشرطة معمرة، يد تبني ويد تحارب الإرهاب".
 
 
 

ولادة الإمبراطورية في عام 2000

شهد عام 2000 مزيدا من التوسع لإمبراطورية الداخلية الاقتصادية، إذ تم تأسيس شركة المستقبل للأعمال الاستثمارية والتوريدات العامة والخدمات، التي يعرفها موقعها الإلكتروني، على أنها إحدى شركات قطاع الاستثمار في وزارة الداخلية، وتقوم بأنشطة في مجال الخدمات البترولية، وتصنيع وتوريد لوحات المرور المعدنية، والاستثمارات العقارية، والاستثمارات الزراعية، والمقاولات، والتوريدات العامة، وأعمال الصيانة، وأعمال النظافة، والخدمات السياحية.

واطلع معد التحقيق على أوراق تأسيس الشركة، المُسجلة في الهيئة العامة للاستثمار، وتظهر الأوراق أن رأس المال المرخص به للشركة 200 مليون جنيه مصري، بينما يبلغ رأس المال المصـدر 30 مليون جنيه، ورأس المال المدفـوع 30 مليون جنيه مصري، وتشمل قائمة المساهمين في تأسيس الشركة كُلاً من صندوق تحسين الرعاية الاجتماعية والصحية لأعضاء هيئة الشرطة، صندوق العطاء لضباط الأمن المركزي، صندوق التأمين الخاص بضباط المرور، صندوق التضامن لضباط أكاديمية الشرطة، صندوق الوفاء لضباط أمن القاهرة، صندوق التكافل لضباط قطاع السجون.

ووثق معد التحقيق، عبر بيانات الجهاز الإعلامي لوزارة الداخلية وموقع الشركة كافة المناقصات التي حصلت عليها خلال آخر عامين، وتبين من الحصر حصول الشركة على مناقصات توريد مستلزمات جراحية، وسيارات مفرقعات، ومهمات لقوات حفظ السلام، وأجهزة كهربائية ومفروشات وأثاث، وتجهيز الفنادق التابعة لوزارة الداخلية، كما قامت بمشاريع لصالح جهات حكومية على رأسها الهيئة العامة لسكك حديد مصر، وشركة السويس لتصنيع البترول.
وفي العام ذاته، أسس اللواء جهاد يوسف المنطقة الصناعية للوزارة، والتي تضم 8 مصانع، على طريق القاهرة السويس، تعمل في تصنيع الملابس والأحذية والأثاث.

"بزنس" تكنولوجيا المعلومات

أسست وزارة الداخلية، شركة تكنولوجيا المعلومات المدنية (سیتك)، في عام 2000، ووفقاً لما يظهر على موقعها الإلكتروني فإن الشركة تعمل في إدارة مشروعات تكنولوجيا المعلومات وإنتاج برامج وأنظمة حاسبات آلية وتطبيقاتها بمختلف أنواعها وأنظمة تشغيلها وتوفر عملية التدريب في مصر والدول العربية، ويصل رأس مال الشركة المرخص به إلى مائة مليون جنيه مصري، وتضم قائمة المساهمين فيها كلاً من صندوق تطوير نظام الأحوال المدنية، وصندوق تحسين الخدمات الاجتماعية والصحية لأعضاء هيئة الشرطة، والشركة المصرية للمشروعات الاستثمارية المملوكة لوزارة النقل، والشركة المصرية للاتصالات.

ويقع المقر الرئيسي للشركة في برج الفيروز السكني التابع لوزارة الداخلية في حي مصر الجديدة، ويحتل مقر الشركة دورين كاملين في البرج، وتنتشر على جدرانه شعارات وزارة الداخلية المصرية، وفقا لمشاهدات معد التحقيق عقب زيارة مقر الشركة، مدعيا أنه أحد الراغبين في الاستفسار عن شروط التعاقد لتأسيس مشروع يعمل في مجال تكنولوجيا المعلومات، وهو ما ردت عليه الثلاثينية يسرية عادل موظفة الاستقبال في الشركة قائلة: "التعاقد يتطلب مقابلة مع اللواء الدكتور مصطفى راضي (مساعد أول وزیر الداخلية)، والذي يرأس الشركة، للاتفاق على كافة تفاصيل التعاقد، وتوضيح أسبابه".

وتابعت يسرية قائلة "الشركة مختصة في تصميم البرمجيات، تقديم الحلول المتكاملة لأنظمة إدارة أصول المنشأة ERP، وأنظمة الأرشيف الإلكتروني ومتابعة الدورة المستندية، وأنظمة وأجهزة ومستلزمات الشبكات والتأمين وأنظمة التشغيل، وتجهيز مراكز المعلومات، وكافة أعمال توريدات الحاسب الآلي".

ومؤخراً توسعت أنشطة الشركة لتشمل توفير مراكز تدريب مجهزة ومعتمدة، وإعداد مراكز خدمة العملاء والدعم الفني، وتقديم الاستشارات الفنية، وعقود الصيانة، وعقود الدعم الفني لجميع العملاء داخل مصر من القطاع الخاص أو الحكومي، وفقا لما أوضحته يسرية عادل.
 
 
 

استغلال النفوذ والسطوة القانونية

على هامش الإمبراطورية تعمل مطابع وزارة الداخلية التي تم تأسيسها عام 1988، ضمن منظومة الشرطة المصرية الاقتصادية، إذ تتولي طباعة تذاكر مباريات الدوري العام لكرة القدم، كما أن مُجمع الشرطة لصيانة السيارات الذي تم تأسيسه في عام 2001 يعمل في مجال صيانة السيارات وبيع وتوريد قطع الغيار، فيما تتراوح أسعار حفلات الزفاف التي تقام في صالات دار مناسبات الشرطة بين 40 ألف جنيه (2200 دولار) إلى 80 ألف جنيه مصري (4400 دولار).
 
وتساهم تلك الشركات في تعظيم موارد وزارة الداخلية الاقتصادية التي تضم أرباح الشركات التابعة بها، والرسوم الإدارية المفروضة على المواطنين، إلى جانب مخصصاتها المالية في الموازنة العامة، وفقا لما يؤكده منسق المبادرة الوطنية لإعادة بناء الشرطة والعقيد بالمعاش محمد يوسف، والذي يرى في الشركات التي أسستها الوزارة محاولة للاستفادة من نفوذها المجتمعي وسطوتها القانونية التي تتيح لها احتكار أغلب المناقصات الخاصة بها، قائلا لـ"العربي الجديد": "هذه المصالح التجارية لا تخضع للإشراف من جانب الأجهزة الرقابية المصرية".

وأوضح العقيد يوسف أن فكرة تأسيس كيان اقتصادي لوزارة الداخلية، بدأت في عام 2000، خلال ولاية الوزير السابق حبيب العادلي، والذي تبنى تأسيس منظومة موسعة من الشركات الاستثمارية والتجارية تعمل وفقا لقوانين تأسيس شركات القطاع الخاص من أجل توسيع صلاحيات هذه الشركات في تنفيذ تعاقدات مع جهات ليست حكومية، مؤكداً أن أغلب هذه الشركات تستثمر نفوذ الوزارة في احتكار أغلب مناقصات الهيئات الحكومية، أو فرض سطوتها على بعض المشاريع الخاصة.

وتابع أن الوجه الخفي للاستفادة المالية الضخمة لهذا الكيان الاقتصادي يتمثل في استخدام بعض القيادات الأمنية صلاحياتهم داخل إدارة هذه الشركة في منح بعض المؤسسات الخاصة، مناقصات واستثمارات تابعة للوزارة وشركاتها يقومون بها من الباطن مقابل مكافآت مالية لهذه القيادات، أو دخولهم في شراكات سرية في هذه الشركات الخاصة التي تعمل مقاولا فرعيا في مشاريع شركات تابعة للوزارة.
 
 
 

شركات غير مُدرجة بالبورصة

توصلت "العربي الجديد" إلى أن كافة الشركات التابعة لقطاع الاستثمار في وزارة الداخلية، ليست مُسجلة في البورصة المصرية، إذ تغيب عن نسخة عام 2016 من الكتاب السنوي للبورصة الذي يضم كافة أسماء الشركات المُدرجة بها، وهو ما يفسره يوسف عبد الرؤوف، خبير أسواق المال، قائلا في إفادة خاصة لـ"العربي الجديد"، "الإدراج في البورصة يفرض على الشركات المُسجلة درجة أعلى من الإفصاح والشفافية، إذ تلزم البورصة الشركات المُسجلة بالإفصاح عن رأسمالها والمساهمين في حصص بها، وإعلان أرباحها بشكل دوري خلافا للشركات غير المُسجلة".

وأضاف عبد الرؤوف، أن شروط تسجيل الشركات المُدرجة في البورصة والتي على رأسها توفر حد أدنى من رأس المال المُدرج، وتحقيق أرباح سنوية، ومرور ثلاثة أعوام على التأسيس وغيرها من القيود التنظيمية الرسمية، تتوفر في شركات وزارة الداخلية، بما يعني إمكانية إدراج هذه الشركات في البورصة في حال توفرت الإرادة لذلك.
 
 
 

بعيداً عن رقابة الجهاز المركزي للمحاسبات

في نهاية عام 2015 تقدم عاصم عبد المعطي، الوكيل السابق للجهاز المركزي للمحاسبات، وعضو المركز المصري لمكافحة الفساد، ببلاغ إلى النائب العام، ضد القائمين على الصناديق الخاصة لوزارة الداخلية والتي تدخل إليها أرباح شركات المنظومة الاقتصادية للشرطة.
وفي بلاغه، اتهم عبد المعطي الوزارة، بفتح حسابات سرية للصناديق الخاصة التي تتبعها، رغم صدور القانون رقم 139 لسنة 2006، والذي يقضي بإغلاق كل الحسابات المفتوحة خارج نطاق إجراءات رقابة البنك المركزي.

وأكد مقدم البلاغ لـ"العربي الجديد" أن الجهاز المركزي للمحاسبات غير مخول بمراقبة هذه الصناديق، أو حصر أموال الحسابات السرية للداخلية، لأسباب تتعلق بأن دور الجهاز يقتصر على التدقيق في مالية الدولة المرتبطة بالموازنة الرسمية، المرتبطة بالبنك المركزي.

وأضاف عبد المعطي، أن موارد هذه الصناديق تساهم في تأسيس مشاريع استثمارية ضخمة تعود بعوائدها علي العاملين بوزارة الداخلية وتشمل إلى جانب النشاطات الاستثمارية، ما يتم تحصيله من رسوم من المواطنين بعضها تم التلاعب فيها، موضحاً أن بعض أرصدة هذه الصناديق تظل لفترات طويلة دون الاستفادة منها في الأغراض المنشأة من أجلها، كما أن أموال هذه الصناديق موزَّعة على حسابات مودَعة بصورة غير قانونية في مصارف تجارية وهو ما يخالف القانون 139 الذي أُقِر في عام 2006، والذي ينص على وجوب إيداع أموال الصناديق الخاصة لدى المصرف المركزي.

وتماطل الدولة في منح الجهاز المركزي للمحاسبات صلاحية حصر أعداد الصناديق الخاصة والجهات والأشخاص المستفيدة منها وحصر المشاريع الاستثمارية الضخمة التي تساهم في تنفيذها، وفقا للخبير المحاسبي عبد المعطي، الأمر الذي يصفه عقيد الشرطة محمد يوسف، قائلا "ما يجري داخل هذه الصناديق، يشبه نظام التوفير المعروف بـ"الجمعية" بين مجموعة العاملين بالوزارة، إذ تؤسس كل جهة داخل الوزارة صندوقها الخاص، الذي يضطلع مجلس إدارته بجمع أمواله وتدويرها عبر هذه الشركات لتعظيم أرباح الصندوق التي توزع بعد ذلك على الأفراد في شكل منح مباشرة أو امتيازات أخرى مثل الشقق السكنية في مجمع النخيل، أو قطع للأراضي في المساحات التابعة للوزارة".

خارج الموازنة العامة للدولة

يوضح البيان التحليلي لموازنة عام (2016-2017)، المنشور على الموقع الرسمي لوزارة المالية المصرية عدم إدراج أموال الصناديق الخاصة، التي تضم أرباح المشاريع الاستثمارية وإيرادات الداخلية، ضمن بند مُخصصات الوزارة المالية، وهو ما يفسره الخبير المالي عبدالرؤوف بأن كل صندوق يدار على أنه إقطاعية مالية خاصة للفئة المستفيدة منه في الوزارة، موضحاً أن الإجراء القانوني الذي ينبغي اتباعه تطبيقاً لقوانين وزارة المالية هو ضم هذه الصناديق الممولة لمشاريع وزارة الداخلية الاستثمارية إلي خزينة الدولة، وإدراج الأرقام الواردة ضمن البيان المالي لتخفيض عجز الموازنة العامة للدولة.
 
 
 

غموض في الموقف الضرائبي

تصنف شركات إمبراطورية الداخلية الاقتصادية ضمن الشركات المُساهمة، الخاضعة للقانون رقم 159 لسنة 1981، والقانون 91 لسنة 2005 الذي لا يمنح كافة الشركات التي تندرج تحته، أي إعفاء ضريبي، بحسب الخبير في القانون التجاري وتأسيس الشركات ياسر عبد العال، والذي يؤكد أن شركات الداخلية غير معفاة من الضرائب، مثل المؤسسة العسكرية المعفاة من الضرائب ومتطلّبات الترخيص التجاري وفقاً للمادة 47 من قانون ضريبة الدخل لعام 2005، وكذلك المادة الأولى من قانون الإعفاءات الجمركية لعام 1986 التي تنص على إعفاء واردات وزارة الدفاع ووزارة الدولة للإنتاج الحربي من أي ضريبة.
بالمقابل يؤكد رضا عطية، الخبير الاقتصادي وعضو جمعية الضرائب المصرية، أن أغلب الشركات التي تتبع الأجهزة الأمنية والسيادية لا تخضع للضرائب رغم إلزام القانون لها بتسديد الضرائب المفروضة عليها، بعد تقديم إقرار ضريبي سنوي. وأضاف عطية لـ"العربي الجديد": "أن 13 جهة سيادية لديها شركات استثمارية ومن بينها وزارة الداخلية التي لديها العديد من المشاريع الربحية الضخمة، لا تدخل قيمة ضرائبها في الموازنة العامة للدولة".

ومن أجل حسم هذا الجدل، تواصل معد التحقيق مع عبد المنعم السيد مطر رئيس مصلحة الضرائب المصرية، عبر العديد من الرسائل والاتصالات التلفونية، للحصول على معلومة تؤكد أو تنفي خضوع شركات الداخلية لقانون الضرائب، ومدى التزامها بتسديد الضرائب المفروضة عليها، لكن مطر لم يرد حتى موعد نشر التحقيق، على أي من محاولات التواصل معه.

مخالفات مالية بمليارات الجنيهات

يؤكد المستشار هشام جنينة، الرئيس الأسبق للجهاز المركزي للمحاسبات، أن رفض قيادات أمنية بوزارة الداخلية المصرية توفير المستندات التي تُظهر القيم المالية لحجم الأموال في الصناديق الخاصة للوزارة، يقف وراء عدم خضوع أنشطة الداخلية للرقابة خلال فترة رئاسته للجهاز.

وتابع في تصريحات خاصة لـ"العربي الجديد": "الجهاز تمكن فقط من مراقبة 4 صناديق فقط من أصل 64 صندوقاً تابعة للوزارة، وهو ما اضطر المركزي للمحاسبات إلى كتابة مذكرة تتناول المعوقات التي قامت بها قيادات الوزارة لمنع حصر الصناديق الخاصة، وتم إرسالها إلى رئيس مجلس الوزراء آنذاك المهندس إبراهيم محلب".

وأضاف جنينة، تم منع دخول أعضاء لجنة التفتيش المنتدبة من الجهاز إلى مبنى الوزارة، لافتا إلى وجود مخالفات مالية كثيرة داخل الوزارة والأجهزة التابعة لها تصل إلى مليارات الجنيهات.

من جانبه، يرى يوسف ماجد، باحث دكتوراه في كلية الاقتصاد والعلوم السياسية في جامعة القاهرة، ومحاضر مادة الموازنة، أن إدراج موازنة الوزارة كرقم واحد عن طريق الاعتمادات الإجمالية غير المفصلة على شكل بنود الإنفاق يسهل من تملص الوزارة من كل أشكال المراقبة على جهات إنفاقها، موضحاً أن هذا الأمر مخالف للقانون رقم 72 لسنة 2013 الذي أضاف تعديلاً لقانون الموازنة العامة للدولة رقم 53 لسنة 1973 والذي حدد أن ما يُدرج كاعتمادات إجمالية لا يجوز أن يزيد على 5 % من إجمالي الاعتمادات المدرجة لإنفاق الجهة بالموازنة العامة للدولة، مستثنياً في ذلك موازنة القوات المسلحة التي تُدرج كرقم واحد.

وأضاف ماجد أن الصناديق الخاصة التي تتبع وزارة الداخلية ليست مُدرجة في الأساس داخل الموازنة، ما يجعل هذه الصناديق تعمل وتُحصِّل إيرادات عامة من المواطن بدون أن يدري أحد كيفية إنفاق أموالها، وتابع: "توجد هيئات لا يعلم المواطن شيئاً عن علاقتها بالخزانة العامة وكيفية تحويل الأموال منها وإليها، على الرغم من قيامها بجمع أموال، وحصولها على مخصصات من المالية العامة".

ولفت الخبير المالي شريف شاهين، إلى أن أنشطة وزارة الداخلية مُعفاة من تسديد الضرائب بقوة سلطتها وليس بقوة القانون الذي يُلزمها بكافة هيئاتها، والأنشطة التجارية التابعة لها بتسديد ضرائب علي حجم الأرباح التي تحققها بشكل دوري، مؤكداً أن الوزارة ظلت طيلة السنوات الأخيرة لا تسدد الضرائب المفروضة على أنشطتها التجارية خلافاً للهيئات الحكومية الأخرى مثل الهيئة العامة للبترول والهيئة العام لقناة السويس والشركات التابعة لها، واللتين يُقدر حجم مساهمتهما الضريبية خلال السنوات الخمس الأخيرة بأكثر من ثلثى حصيلة ضرائب الشركات.

ويضيف شاهين أن أموال الصناديق الخاصة، التي أسست هذه الإمبراطورية الاقتصادية لوزارة الداخلية، تأتي من خارج الموازنة العامة للدولة، وتشمل أرباحا ورسوما تفرض على المواطنين، مؤكداً أن هذه الأموال الموجودة في الصناديق قد تكفي لسد العجز في الموازنة العامة للدولة، من دون الاضطرار للاقتراض الخارجي، وهو ما يقتضى وضع هذه الصناديق تحت رقابة الجهاز المركزي للمحاسبات.
 
 
 

التنافس مع الجيش

يعتبر عمر عاشور، أستاذ الدراسات الأمنية والعلوم السياسية بجامعة إكستر البريطانية، مشاريع وزارة الداخلية المصرية التي انطلقت في عام 2000، ملمحاً من بين تجليات صراع أكبر بين وزارتي الداخلية والدفاع على الموارد المالية، والنفوذ الاستثماري، إذ سعت وزارة الداخلية لتتبع نهج وزارة الدفاع في تأسيس إمبراطورية اقتصادية موازية خارج رقابة الأجهزة الرقابية تذهب أرباحها إلي الأفراد العاملين فيها، موضحاً أن هذه الاستثمارات الضخمة لوزارة الداخلية تعكس الصراع السياسي بين الوزارتين في فترة مبارك حول امتلاك أدوات الحكم، ومدى القدرة على الاستفادة من الدور السياسي في زيادة مواردهم الاقتصادية.
ويضيف عاشور الزميل المشارك بالمعهد الملكي للدراسات الدولية (تشاثام هاوس)، قائلا في تصريحات خاصة لـ "العربي الجديد" هذا الصراع مُرشح للتصاعد خلال ولاية الرئيس عبدالفتاح السيسي بعد توسع صلاحيات المؤسسة العسكرية، ودخولها طرفا رئيسيا في عدد من مشاريع الإنشاءات والأشغال العامة بالتعاون مع مستثمرين ومتعاقدين من القطاع الخاص، واحتكار كافة مناقصات المشتريات الحكومية الأساسية"، مؤكداً أن السلطة الحالية ستترك هامشاً من هذه المشاريع لصالح الداخلية، حتى لا يعود التنافس بين المؤسستين إلى ما كان عليه وقت مبارك، دون أن تسمح لها بالتغلغل في الدولة ومنافسة الجيش لتبقى حدود عملها ضمن مشاريع تعبر عن مصالح العاملين فيها.

ويتابع عاشور موضحا أن "الفارق بين استثمارات وزارتي الدفاع والداخلية يتمثل في أن معظم قطاعات الاقتصاد التي يديرها الجيش محمية بقوة القوانين، خلافاً لاستثمارات وزارة الداخلية المحمية بالتلاعب والسطوة والتهرب من تنفيذ القانون".

غير أن اللواء أحمد جاد منصور، مساعد وزير الداخلية، ورئيس أكاديمية الشرطة الأسبق، يرى في استثمارات الشرطة المصرية "حقاً مشروعاً" لأبناء الوزارة الذين يضحون بحياتهم، قائلا لـ"العربي الجديد": "لن تفرط الوزارة في حق أبنائها المستحق تحت أي ظرف".