"الخطوط الجزائرية" تواجه سوء التسيير وشبح الإفلاس

03 يناير 2020
الصورة
محاولات إنقاذ الخطوط الجزائرية من أزماتها (Getty)
تسير أوضاع الخطوط الجوية الجزائرية نحو المزيد من التعقيد، بسبب تواصل عجزها عن تحقيق الأرباح، بالرغم من ارتفاع أسعار خدماتها، ما بات يؤرق الجزائريين، في وقت تم فيه إقحام الشركة في قلب صراع سياسي، بين شق يطالب بالإبقاء عليها تحت سيطرة الحكومة، وآخر يرى أن بيع حصة منها هو الحل الأمثل لإنقاذها، ما جعلها حبيسة العجز المالي، بل ومهددة بالإفلاس.

يجمع المتابعون لملف "الجوية الجزائرية"، على أن مشاكل الشركة العمومية كلها بدأت من التوظيف العشوائي، الذي جعل الشركة تسجل "تخمة في العمال"، وذلك تحت ضغط أسماء ثقيلة وفاعلة في الدولة الجزائرية، تتوسط أحيانا، وتضغط أحيانا أخرى، لتوظيف مقربين منها، خاصة في المكاتب الخارجية، أي برواتب بالعملة الصعبة، ما يكلف الجوية الجزائرية أموالا طائلة.

وتستحوذ الخطوط الجوية الجزائرية على 95 في المائة من حركة الملاحة الجوية الداخلية. ومنذ سنوات، تعاني هذه الخطوط من متاعب مالية، رغم أن شركة الطيران استفادت من إعادة جدولة ديونها لدى البنوك الجزائرية عدة مرات، ضمن عملية لتجديد أسطولها انطلقت عام 2013، حيث تم تمديد آجال التسديد حتى 2021.

وتسيّر الخطوط الجزائرية، المملوكة كليا للدولة، رحلات إلى نحو 43 وجهة دولية، إضافة إلى 25 وجهة داخلية، وتمتلك أسطولا من 56 طائرة. كما أعلنت، في أكتوبر الماضي، عن مناقصة دولية لشراء 30 طائرة لتجديد أسطولھا الجوي. وبالتعاقد الجديد، يرتفع عدد الطائرات بأسطول الشركة إلى 90 طائرة.

توظيفات سياسية

وعلى مدار السنوات الماضية، سرّب الإعلام الجزائري العديد من الأسماء التي تم توظيفها بتدخّل مباشر من أسماء فاعلة في عهد الرئيس السابق عبد العزيز بوتفليقة، على غرار شقيقه عبد الغني بوتفليقة وأخت زوجة شقيقه الأصغر. كما تم تسريب أسماء أخرى تم توظيفها بطرقة مشبوهة ولا تؤدي أي مهام داخل الجوية الجزائرية، منها زوجة وزير الصناعة الأسبق عبد السلام بوشوارب (متابع في قضايا فساد) في وكالة الخطوط الجوية الجزائرية بمطار "أورلي" في باريس، وبنات وزير الداخلية الأسبق الطيب بلعيز، ورئيس الدولة المؤقت سابقا عبد القادر بن صالح، اللواتي يعملن في وكالة الخطوط الجوية الجزائرية في مدينتي تولوز وباريس.

كما كشفت التسريبات عن توظيف نجل الرئيس السابق للاتحاد الجزائري لكرة القدم محمد روراوة، ونجل الوزير السابق أبو جرة سلطاني، الذي عين كمدير إحدى وكالات الجوية في الجزائر، وابن سعيدة بن حبيلس رئيسة الهلال الأحمر الجزائري، والذي يشغل منصب مدير مكتب الخطوط الجوية الجزائرية في لندن.

وفي السياق، كشف المدير العام الأسبق للخطوط الجوية الجزائرية والنائب البرلماني، وحيد بوعبد الله، أن "سوء التسيير هو ما أوصل الجوية الجزائرية إلى ما هي عليه اليوم، وسط عجز في الميزانية، للسنة الثامنة عشرة على التوالي، ليصل في 2018 إلى 30 مليون دولار".

واعترف بوعبد الله، في حديث مع "العربي الجديد"، بالتوظيف العشوائي داخل الشركة، وقال إنه وظّف أبناء مسؤولين أحيانا لا يملكون مؤهلات تفيد الشركة، "وهذا فوق طاقتي، النظام الجزائري بني هكذا، وهذه الوضعية أوصلت الجوية الجزائرية إلى تسجيل 10 آلاف عامل لـ 56 طائرة، مقابل مثلا 3 آلاف عامل لنفس العدد من الطائرات لدى الخطوط الجوية المغربية".

وحسب بوعبد الله، فإن "مظاهر سوء التسيير لا تكمن في التوظيف فقط، فمثلا تعاقدت الشركة مع شركة صيانة فرنسية سنة 2015، في وقت يعمل في الشركة تقنيو صيانة وتلقوا دورات تكوينية في نفس الشركة الفرنسية، وهم يتقاضون أجوراً من دون القيام بأي عمل".

غلاء وسوء خدمات

واختزلت الخطوط الجوية الجزائرية لدى الجزائريين في نقطتين، سوء الخدمات وارتفاع أسعار التذاكر، الذي حول العطلة الصيفية بالنسبة للمغتربين الجزائريين إلى ما يشبه الكابوس السنوي، ما جعل الكثيرين منهم يحجمون عن العودة، أو تغيير الوجهة نحو تونس والمغرب أو أوروبا.

وبلغ سعر تذكرة السفر من مطار أورلي بباريس إلى مطار هواري بومدين الدولي في الجزائر عبر الجوية الجزائرية 1100 دولار، في رحلة لا تتعدى ساعة و45 دقيقة، في وقت تبلغ فيه كلفة الرحلة من المطار نفسه في باريس إلى واشنطن 300 دولار عبر الجوية الفرنسية والتي تستغرق 7 ساعات، و500 دولار بين باريس والدوحة عبر الجزائرية نفسها لرحلة تستغرق 6 ساعات ونصف.

وفي السياق، قال سمير شعابنة، ممثل الجالية الجزائرية في فرنسا داخل البرلمان الجزائري، إن "مستوى أسعار تذاكر السفر نحو الجزائر لا يشجع إطلاقاً على قضاء العطلة داخل أرض الوطن"، وأضاف لـ"العربي الجديد"، أن "نواب الجالية في المهجر طلبوا مرارا من الحكومة التدخل لإقرار تخفيضات على تذاكر السفر للمغتربين، ولم يتلقوا أي رد".

وتابع النائب البرلماني أن "الأسر الجزائرية بدأت تفكر في العزوف عن المجيء إلى البلاد خلال موسم العطل، بسبب الارتفاع الكبير في أسعار تذاكر الطيران، خاصة عبر الخطوط الجوية الجزائرية، في حين أن الأسعار لا تعكس نوعية الخدمات المقدمة، كما لا يمكن أن تغطي الشركة عجزها المالي وسوء تسييرها بأموال المسافرين".

خلاف حول الخصخصة

ولم تنجُ الجوية الجزائرية، على غرار العديد من الشركات العمومية الأخرى، من الصراع الاقتصادي - السياسي الذي أثير حول خصخصة شركات الدولة الجزائرية، والذي نشب مع تغوّل الكارتل المالي، منذ سنة 2013، بالتزامن مع مرض الرئيس السابق عبد العزيز بوتفليقة، حيث أسالت شركة الطيران لعاب العديد من رجال الأعمال، في مقدمتهم علي حداد، رئيس الكارتل المالي سابقا المسجون في قضايا فساد.

وفي نهاية سنة 2017، قامت الحكومة بالتوقيع على ميثاق "تعاون عمومي-خاص"، يسمح بفتح رأسمال شركات عمومية عاجزة ماليا أمام القطاع الخاص للاستثمار فيها، وكانت الجوية الجزائرية وبعض الفنادق العمومية في مقدمة تلك الشركات. إلا أن ضغط الشارع والمعارضة السياسية وبتدخل من المؤسسة العسكرية، دفع الرئاسة إلى تجميد الميثاق، ومنذ ذلك اليوم لم يفتح ملف خصخصة الخطوط الجوية الجزائرية.

ورأى الخبير المالي فرحات علي أن "خصخصة الشركة من حيث المبدأ لا تعتبر حلاَ لأزماتها، فمثلا الجوية الفرنسية ملك للدولة الفرنسية وتسجل أرباحا سنوية، نفس الشيء للجوية البريطانية، وغيرها من شركات النقل الجوي للمسافرين. القضية بالنسبة للجوية الجزائرية، هي قضية سياسة دولة في تسيير شركاتها العمومية، وأين تريد أن تصل بها، لا يمكن أن نترك الجوية الجزائرية بين فكي كماشة سوء التسيير وتبقى الدولة تدعمها سنويا من أجل تسديد أجور العمال".

وأضاف فرحات لـ"العربي الجديد" أنه "إذا كان يجب فتح رأسمال الشركة فيجب أن يسبق الفتح دراسة دقيقة للعملية بعيدا عن الحسابات السياسية، حيث تكون حسابات السوق هي الأولوية".

دعوات للتوسع

وطلب عضو مجلس الأمة الجزائري (الغرفة الثانية بالبرلمان) عبد الوهاب بن زعيم، من الحكومة، في سبتمبر/أيلول الماضي، الإسراع في شراء شركة الطيران الفرنسية "إيغل أزور" (AIGLE Azur)، والتي علّقت رحلاتها نهائياً، بسبب المصاعب المالية التي تتخبط فيها.
وأضاف بن زعيم، في حديث سابق مع "العربي الجديد"، أنّ "الجزائر ستستفيد من شراء الشركة الفرنسية، فمعظم خطوطها مربوطة بالمطارات الجزائرية، ولها اعتمادات حصرية للنقل، وكذلك للنقل إلى الدول العربية والأفريقية".

وأوضح أنّ "النقل الجوي مسألة تتعلّق بالسيادة الوطنية، لا سيما حركة تنقل الجالية، حيث لا ينبغي على الحكومة السماح لشركة أجنبية بالفوز بهذه السوق التي ستسمح لها باقتحام المغرب العربي وأفريقيا"، مشيراً إلى أنّ "الأمر يتعلق أيضاً بمناصب الشغل، حيث توظف إيغل أزور 400 عامل في الجزائر، كما تمتلك أسطولاً جوياً معتبراً يقدر بـ11 طائرة".

وردت شركة الخطوط الجوية الجزائرية الحكومية، أن شراء أسهم نظيرتها الفرنسية "إيغل أزور" "يتعين أن تسبقه دراسة معمقة متصلة بوضعية الشركة المفلسة، بهدف تحديد حجم ديونها المتراكمة، إلى جانب حالة أسطولها الجوي".