"الجغرافيا الثقافية لأوروبا".. دراسة متخيل الرحالة العرب

11 يوليو 2020
الصورة
(باريس في القرن التاسع عشر)

"الجغرافيا الثقافية لأوروبا القرن التاسع عشر في متخيل الرحالة العرب" عنوان الكتاب الصادر حديثاً عن "الدار المتوسطية للباحث التونسي عادل النفاتي. يأتي الكتاب في قسمين؛ كل منهما في ثلاثة فصول؛ يعالج الباحث من خلالها إشكالية تمثل النخب العربية للآخر الغربي ولذواتهم. 

بالنسبة إلى الباحث "تبين للحكام العرب منذ مطلع القرن التاسع عشر تغير السياقات الدولية والمحلية وأنه من الضروري سلوك مسلك الإصلاح أسوة بما وقع في عاصمة الحكم العثماني وضرورة النظر في تجارب الأوروبيين"، ويذكر أن هذا لفت نظر الحكام إلى أن "الحاجة ملحة لإرسال السفراء والمستكشفين لاستطلاع أوضاع الغرب". 

الصورة
الجغرافيا الثقافية - القسم الثقافي

يقول النفاتي في مقدمة أطروحته التي نال عنها درجة الدكتوراه، إن تناوله لهذا الموضوع يندرج "ضمن مبحث أكبر، وهو صورة "الآخر" في الكتابات العربية بصفة عامة. كإشكالية... مثلت مشغلاً فكرياً لعدد من الكتّاب والباحثين العرب والمستشرقين... لافتاً إلى "أنّ النظر والبحث في صورة "آخر" العربي المسلم في القرن التاسع عشر أو حتى قبله، لا يطرح من حيث المادة المصدرية اختيارات كبرى فيما عدا التعامل مع مؤلفات الرحلة، باعتبارها الوعاء الأبرز الذي أمّن نقل صور المجتمعات المختلفة والحضارات بأبعادها المتشابكة والمتنوّعة، متضمنة بشكل من الأشكال صورة ما عن "آخر" مدوّنيها، وهو ما يدفعنا إلى ضرورة الوقوف عند الملامح الكبرى لأدب الرحلة عند العرب والمسلمين الذين تركوا منذ قرون عدة مصنّفات في هذا الجنس". 

بالنسبة إلى النفاتي فإن التّعامل مع نصوص الرحلة يختلف عن التعامل مع المصادر الأدبية الأخرى، مؤكداً على وجوب أخذ مسألتين في عين الاعتبار عند دراسة هذه النصوص؛ "انجذاب الرحالة العرب إلى الماضي ووطأة التراث العربي الإسلامي وفعله في وجدان الشخصية العربية الإسلامية من جهة، وثقل الحاضر وما يفيض به من هموم  تخلّفه عن ركب الحضارة الإنسانية من جهة ثانية".

يعتبر المؤلف أن تغيراً حصل في نظرة الثقافة العربية الإسلامية إلى ذاتها والوعي بوجودها، وفي النظر إلى "الآخر" وفي الحكم عليه. ففي حين كان الرحّالة المسلم يرحل من أجل السياحة أو طالباً للمعرفة يلازمه إحساس بالرضا والتفوّق، يعجز عن التخلص منه متى نظر إلى الآخر. يبدو الأمر مختلفاً في الرحلة العربية المعاصرة حيث الباعث على الرحلة وشعور الرحّالة تغيرا: فالشعور بالقوة أصبح إحساساً بالانحطاط والضعف، والشعور بالاطمئنان والرضاء تحوّل إلى قلق ورغبة في إدراك بعض ما يجده عند "الآخر".

يقول النفاتي: "على خلاف السرديات القديمة، فقد تضمنت السرديّات المعاصرة وجهين لأوروبا: وجه أول عني بالجانب المادي للتقدم الغربي، ووجه آخر ركز على الجوانب غير المحسوسة أو اللامادية. ولم يكن للوجهين نفس الأهمية من حيث الاهتمام، فقد حمل الوجه الأول تكثيفاً كبيراً للصورة المادية وزخماً وصفياً هائلاً يعكس الانشغال العربي بالتقدم المادي للغرب". 

يشير الكاتب في حديث إلى "العربي الجديد" إلى "حالة الانبهار التي اعترت كتابنا العرب لدى معاينتهم التقدم الغربي وكذلك صعوبة صياغة أفكارهم عن المدن الغربية في ظل سيادة الصور الكلاسيكية التي تصور الآخر  في صورة الكافر"، ويضيف: "مع كتّاب الرحلة العرب في القرن والتاسع عشر سجلنا نقلة نوعية في خطاب الأنا نحو الآخر المخالف، وأن المهم حسب رأيي هو ذلك التدرج نحو القبول بالآخر المختلف وهي نقطة مفصلية في تطور الفكر العربي". 

اعتمد الكاتب في تدوين سردية العمل على تسع رحلات عربية من أوساط جغرافية مختلفة امتدت على كل من المغرب وتونس ومصر ولبنان، إضافة إلى بعض الاقتباسات لنصوص رحلية أخرى. كما وظّف النفاتي المنهج التحليلي لتتبع الجغرافيا الثقافية كسبيل لدراسة الواقع الثقافي المادي واللامادي الغربي من منظور عربي.