"البائع": محاكمة أخلاقية للمدينة

01 مارس 2017
الصورة
(من الفيلم)
+ الخط -

يستمر عرض فيلم "البائع" (2016) للمخرج الإيراني أصغر فرهادي في الصالات العالمية، بعد أن لفت الأنظار في الدورة الأخيرة من "مهرجان كان السينمائي"، وصولاً إلى حصوله على "أوسكار أفضل فيلم أجنبي" أول أمس.

وكان فرهادي قد أعلن أنه لن يحضر حفل توزيع جوائز الأوسكار بسبب قرارات ترامب الأخيرة التي تحظر دخول مواطني ثمانية بلدان إلى الولايات المتحدة منها إيران، معتبراً أن تطرّف الرئيس الأميركي يشابه سلوك المتشدّدين في بلاده، حيث صرّح أن "زرع الخوف هو أداة مهمة يستغلّها أفراد ضيّقو الأفق لتبرير التصرّفات المتطرّفة والمتعصّبة". مقاربة نجدها في عمله الأخير الذي يصوّر واقعاً متوتّراً لا يمكن أن يصمد طويلاً بسبب التصدّعات العميقة في بنيته، مقدماً رؤيته السابقة عبر إطار دراما اجتماعية احترف معالجتها.

منذ اللحظة الأولى، تُنذر مشاهد الفيلم بما هو كارثي؛ يهرع البطلان مع بقية السكّان إلى الهروب لأن المبنى آيلٌ للسقوط. تدريجياً، سنتعرّف على هوية البطلين المنتمين إلى الطبقة الوسطى؛ عماد يعمل معلماً في مدرسة ثانوية (أداء شهاب حسيني)، ويشارك العمل مع زوجته رنا (تارانه عليدوستي) التي تستعدّ لتمثيل إحدى الشخصيات في عرض مسرحية "موت بائع متجول" للكاتب الأميركي آرثر ميلر.

عقب الهروب من المبنى، يستأجران شقة صغيرة يملكها أحد زملائهما في المسرحية، وبينما يكون الزوج في المسرح تتعرّض رنا لاعتداء من رجل مجهول، فيسارع الجيران لنقلها إلى المستشفى.

بعد الحادثة، يقرّر الزوجان إكمال حياتهم على نحو طبيعي وعدم اللجوء إلى الشرطة، إلا أن أصداء واقعة الاعتداء ستحوّل الفنان الهادئ والمتعلّم، مع مرور الوقت، إلى شخص يسعى إلى الانتقام بنفسه. يتمكّن أخيراً من معرفة الفاعل، فيستجوبه في مشهد طويل وخانق تجري أحداثه ضمن البيت المتصدّع.

يخلص البطلان إلى أنهما يعيشان واقعاً مهترئاً لا يختلف كثيراً عن المبنى الذين تركوه في المشهد الأول، حيث بدا هروب الناس كما لو أن الحادثة أكبر بكثير من تداعي مبنى قديم.

ما يميّز سيناريو "البائع المتجول"، الذي كتبه فرهادي، هو تخليق الشخصيات وفهم دوافعها وصراعاتها الداخلية ضمن الإطار الدرامي الناظم للحكاية، حتى تبدو التحوّلات القصوى للشخصية وليدة سياقها التاريخي والاجتماعي والنفسي. على سبيل المثال، نذكر طريقة تعامل عماد مع الصديق الذي تسبّب في مأساته، لإخفائه حقيقة مفادها أن الشقة كانت مؤجّرة لعاهرة، وهذا تفصيل بالغ الأهمية كونه قد يزيح صفة الاعتداء عن المعتدي الذي كان قادماً لزيارة العاهرة، لكنه تفاجأ بوجود الزوجة في الحمام. والفيلم لا يوضّح ما الذي حدث تماماً، ليدفع المشاهد إلى التعامل مع ما هو نفسي أكثر مما هو واقعي، وهذه من إحدى ميزات السيناريو.

طهران كما يُظهرها فرهادي، مدينة ضخمة شهدت طفرة معمارية سريعة إلاّ أن الكثير من الرياء والنفاق الاجتماعي يتراكم في قاعها وهي بهذا تشبه كثيراً نيويورك التي يرثيها ميلر في مطلع مسرحيته السابقة الذكر.

عماد الواعي للمأساة التي يعيشها، سنراه على الخشبة بعد أن كاد أن يكون مجرماً من دون قصد، يشبه في هذا المعتدي الذي أراد محاكمته أخلاقياً، ولا نعرف إن كان قد مات أم لا.

إن محاولة عماد لأن يكون بطلاً على أرض الواقع أعادته إلى الخشبة ممثّلاً، كما يظهر في آخر مشاهد الفيلم، فمجابهة واقع كهذا لا تتطلّب أفراداً بل تستدعي إعادة النظر بكلّ ما هو قائم، يقول عماد وهو يتأمّل طهران في أحد المشاهد: "يجب أن تهدم كلّها ويُعاد إعمارها من جديد".

المساهمون