"الانتحار" وسيلة إخفاء جرائم القتل في العراق

13 مايو 2019
الصورة
الشرطة تكتفي بتحقيقات بسيطة (صباح عرار/ فرانس برس)
على الرغم من تعدد حالات الانتحار في العراق وانتشارها في أكثر من محافظة، يتحدث مسؤولون في جهاز الأمن العراقي عن استغلال هذا الانتشار، وما يرافقه من أحاديث إعلامية وشعبية، كغطاء لإخفاء جرائم القتل التي تقع بين حين وآخر لأسباب مختلفة. ومع ضبابية مشهد العنف هذا، يبقى مصير عشرات الضحايا مجهولاً ما بين الانتحار والقتل.

تسجّل المحافظات العراقية بشكل أسبوعي حالات انتحار غالبيتها لشباب من الجنسين، وعادة ما يجري إغلاق ملفاتهم الأمنية، من دون أن يجري التحقيق في الحوادث، ما إذا كانت حالات انتحار حقيقية، أو جرائم قتل عمد.




مسؤول في وزارة الداخلية العراقية في بغداد، يؤكد أنّ عدة حوادث قتل بدوافع ما يعرف بـ"غسل العار" أي تلك التي تقع ضحيتها نساء على أيدي رجال من العائلة، أو حالات ثأر، أو حتى خلافات، أو عمليات جنائية، وقعت في الشهرين الماضيين بالعراق، اعتبرت انتحاراً وجرى إغلاق ملفاتها. وفقاً للمسؤول، فإنّ هذه الحالات كثرت في الآونة الأخيرة، وجرى رصد أربع جرائم قتل لأشخاص داخل منازلهم سجلت على أنّها انتحار، وأخرى سقوط من أعلى بناية مرتفعة، وكلّها تحوم الشكوك حولها بأنّها جرائم من ارتكاب أطراف، وجرى ترتيب الصورة لتظهر انتحاراً، مع تسجيلها كذلك في الملفات. يعلق: "مراكز الشرطة تجري تحقيقات بسيطة مع ذوي الضحايا، والتقارير الطبية تصل إلينا من المستشفيات التي تجري الفحوص للجثامين. التحقيقات هذه والتقارير تشكل حداً قاطعاً بالنسبة لنا لإغلاق الملفات".

يكشف أنّ وزارة الداخلية طلبت من مراكز الشرطة التوقف عن التسليم بروايات الأهل أو المقربين من الضحايا على أنّها وقائع انتحار، وخصصت محققين لمراجعة تفاصيل كلّ حالة. يؤكد أنّ "حالة انتحار لفتاة قبل أسابيع تبين أنّها مقتولة خنقاً منذ ساعات، لكن جرى وضع حبل في رقبتها وتعليقها بغرفة منزلها، ثم الاتصال بالشرطة مع زعم أنّها انتحرت".

الناشط الإنساني المهتم بتوثيق حالات الانتحار التي جرت في بغداد أخيراً، محمد التميمي، يقول لـ"العربي الجديد" إنّ "الرشوة والضغوط العشائرية والوساطات عادة ما تشكل عاملاً رئيساً في إنهاء التحقيق، واعتبار الضحية منتحراً، لكن، في الحقيقة، فإنّ كثيراً من الجرائم ارتكبت تحت عنوان: انتحار". يضيف: "في العادة، فإنّ الضحايا الذين يعتبرون منتحرين وهم مقتولون، يكون قاتلهم قريباً لهم أو من معارفهم، وهي جرائم قتل داخل الأسرة أو الأصدقاء والمعارف للأسف". ويبيّن أنّ "كثيراً من التقارير الطبية شهدت تزويراً وتحويلاً لمسارها، بينما ارتفع عدد حالات الانتحار لأنّ كثيرين يرتكبون الجرائم ويغطونها بالانتحار".

منظمات مجتمع مدني تحمّل الحكومة مسؤولية كلّ ذلك، لكونها لم تتخذ أيّ إجراءات لتطوير عمل الشرطة، وإنهاء الضغوط عليها. منال العيسى، مديرة منظمة "أمل بغداد" الناشطة في الدفاع عن حقوق النساء في العراق، تقول إنّ "الدولة مطالبة بالتحقيق بشكل حقيقي في ادعاءات الانتحار وتطوير قدرات الشرطة، فالموضوع بات غطاءً للإفلات من العقاب، وهناك أشخاص قتلوا واعتبروا منتحرين". تؤكد لـ"العربي الجديد" أنّ "جرائم قتل تمت بدوافع السرقة وما يعرف بغسل العار أو الطمع على الإرث أو الخلافات الأسرية أو حتى مشاكل الجيرة، وجرى ترتيب سيناريو لقتلهم ثم الزعم بأنّهم انتحروا". تؤكد أنّ الشعب العراقي محبّ للحياة بالرغم من كلّ ما مرّ به، ونسب الانتحار الحالية تؤشر لما هو غير صحيح، ومنها أنّها تحولت إلى غطاء قتل جديد.

يشكك بعض أهالي الضحايا بصحة انتحار أبنائهم، لكنّهم لا يستطيعون فعل شيء أمام تلك التقارير. يؤكد والد أحد المنتحرين ويدعى أبو محمد، أنّ ابنه "لم يكن يعاني من أيّ مشكلة نفسية، وظروفه المعيشية جيدة نوعاً ما، لكن فوجئنا باتصال الشرطة بأنّ ابننا ألقى بنفسه من أعلى جسر في بغداد ووجد ميتاً على مسافة بعيدة، عقب جرف النهر له". يوضح لـ"العربي الجديد": "وجدنا جثته في نهر دجلة. لا نعرف السبب فلا عداء لنا مع أحد، ولا نتوقع انتحار ابننا". يؤكد: "سجل الملف على أنّه حالة انتحار، لأنّ التقرير الطبي لم يسجل عليه أيّ اعتداء. لكن، لدينا شكوك بكلّ ذلك، فقد يكون هناك من دفعه في النهر من دون أيّ ضرب. ولا نعرف كيف نكشف الحقيقة".




بدورها، تشير مؤسسة "غالوب" للإحصاءات إلى أنّ زيادة معدل الانتحار في العراق تعود إلى "المشاعر السلبية ومن بينها الحزن والكآبة والقلق والخوف، وما يتبع ذلك من تأثيرات أخرى، كالغضب واللجوء الى العنف".