"الأويغور" يثأرون من بكين في سورية

"الأويغور" يثأرون من بكين في سورية

20 فبراير 2015
الصورة
يلجأ أبناء الأيغور لتركيا هرباً من القمع(أدم ألتان/فرانس برس)
+ الخط -
لم يعد من سبيل أمام أبناء أقلية "الأيغور" المسلمة في ظل جرائم السلطات الصينية، سوى الهجرة إلى بلاد أكثر أمناً، يمكنهم أن يعيشوا فيها بكرامتهم، وهو ما يجدوه في تركيا القريبة. غير أنّ رحلة الهروب هذه طويلة وشاقة، وقد ينتهي بعضهم في سورية والعراق، حيث يجدون فرصتهم للثأر من السلطات الصينية التي تمارس إبادة إثنية في شمال غرب الصين، من دون حسيب أو رقيب، كما يقول لاجئو إيغور لـ "العربي الجديد".

كانت تركيا، ومنذ عام 1950، الوطن البديل لآلاف اللاجئين من قومية "الأيغور"؛ الأقلية التي لا يتجاوز تعدادها 14 مليون نسمة وتقطن شمال غرب الصين، تحديداً في منطقة شرق "تركستان"، كما يطلق عليها الأتراك، أو إقليم شيانجيانغ في الصينية. هؤلاء يهربون على الدوام من قمع السلطات الصينية، ووصلت الدفعة الأخيرة، مكوّنة من خمسمائة لاجئ، إلى مدينة كايسري في تركيا خلال الشهر الماضي.


تواصلت "العربي الجديد" مع بعض اللاجئين الأويغور، ومنهم أحمد (اسم مستعار)، عبر الهاتف. يطلب أحمد عدم الكشف عن هويته خوفاً على عائلته التي لا تزال في الصين. ويؤكّد بلهجة خليطة بين الأيغورية والتركية أن اللاجئين الموجودين معه هم قرابة 90 عائلة، قدموا من مناطق مختلفة من توركستان الشرقية، تمكّن بعضهم من الهروب مع عائلته، وبعضهم الآخر لم يستطع ذلك بسبب التضيقات الأمنية وصعوبة الرحلة.

ويقول أحمد الذي كان يعمل جزاراً في مدينة أكسو، إنّ السلطات الأمنية الصينية تمارس على الأيغور قمعاً شديداً، إذ إنّها "لا تسمح لهم ببيع السلع والمنتجات الحلال الخاصة بهم، وتمارس ضدّهم تمييزاً عنصرياً في فرص العمل لصالح الصينين الذين وطّنتهم في الإقليم، كما تحظر عليهم الصلاة وارتداء نسائهم الحجاب، وتمنعهم من تعليم أولادهم العادات والتقاليد الأويغورية".

ويشير أحمد إلى صعوبة الرحلة التي اجتازتها هذه العائلات للوصول إلى تركيا، قائلاً: "على الأيغوري أن يدفع ما بين 50 ألف إلى مئة ألف دولار رشاوى للمسؤولين الصينيين، للحصول على جواز سفر، وليس هناك ضمانة، في المقابل، بأن يحصل عليه. وقد لا تسمح لك السلطات بمغادرة البلاد حتى لو كانت لديك تأشيرة من السفارة التركية في بكين، ولذلك معظم الموجودين تركوا مدنهم عبر دفع 250 دولار للوصول إلى المدن الساحلية الصينية كعمال في الجزء الخلفي من الشاحنات المتوجهة إلى هناك. وبمساعدة مهربين، تنتقل من الساحل الصيني إلى تايلاند أو كمبوديا، ومنها تدفع للمهربين مبلغ يتراوح بين 5 آلاف إلى 10 آلاف دولار لتصل إلى ماليزيا، إذ تأخذ الرحلة ما يقارب 15 إلى 20 يوماً، ويموت الكثير أثناء هذه الرحلة غرقاً".


محمد أيضاً، يفضل عدم نشر اسمه كاملاً، ويروي لـ "العربي الجديد"، حكايته مع قمع سلطة بكين. يقول إنّه كان يملك دكاناً لبيع المواد الغذاية في مدينة كولجا في تركستان الشرقية، ويؤكّد أنّه "وصل إلى تركيا عبر مساعدة الحكومة التركية التي تواصل معها بعدما تمت ملاحقته على خلفية نشاطه السياسي".
ويفضل عدم كشف المزيد من التفاصيل لأن "هناك الكثير ممن ينتظرون القدوم إلى تركيا عبر الطريق نفسه". ويضيف أنّ "الكثير من الأيغور يختارون القدوم إلى تركيا. وإضافة إلى اللغة المشتركة التي يسهل عليهم تعلمها، كونهم يتحدثون لهجة تركية قريبة منها، فإن البلد يقدم لهم الكثير من التسهيلات، ويمنحهم وثائق تسهل عليهم الحصول على الإقامة الدائمة في وقت لاحق". غير أنّه يلفت إلى وجود إيغوريين يلتحقون "بالمجاهدين في سورية والعراق".


اشتد التوتر في الفترة الأخيرة في تركستان بين الأويغور والسلطات الصينية، وهو ما لم يحصل على تغطية إعلامية بسبب القيود والتعتيم الإعلامي الذي تفرضه السلطات الصينية. وفي الوقت الذي يطالب فيه الأيغور بحرية ممارسة شعائرهم الدينية، تتهم السلطات الصينية الناشطين الأيغور بالإرهاب والانتماء إلى تنظيمات سلفية مسلّحة. 
يعدّ الإسلام الجزء الأهم في الهوية الأويغورية، وهم يستخدمون الأبجدية العربية في كتابة لغتهم، لكنّهم يعتمدون بشكل أساسي على "مدرسة الإمام الماتريدي" التي تُعتبر إحدى أكثر مدارس الفكر الإسلاميّ السني الحنفي، اعتدالاً وتسامحاً.
 والماتريدي، فقيه إسلاميّ عاش في القرن التاسع في سمرقند.

ويعتبره الأويغور أباهم الروحيّ، لكن جزءاً منهم بدأ، في السنوات الأخيرة، يبتعد عن مدرسة الماتريدي الفكريّة المعتدلة، ويميلون إلى الاتّجاهات المتشدّدة كالفكر السلفي، وذلك بسبب القمع الذي تمارسه الصين وتأثير السلفيّة المتزايد في المنطقة والعالم، لتصبح تنظيمات السلفية الجهادية الناشطة في سورية مقصداً لبعضهم، للانتقام من الصين عبر قتال حلفائها.


وتستغل الصين ذلك لتعزو الأحداث التي حصلت في الإقليم خلال الشهرين الماضيين، وأدّت إلى مقتل أكثر من 200 شخص، إلى أعمال "إرهابية"، يقوم بها إسلاميّون يريدون فصل شينجيانغ عن الصين، متجاهلة أصل المشكلة، وهي تصرفات الأمن الصيني التعسفية واستخدامه القوّة المفرطة ضدّ المتظاهرين المدنيّين، وفتح النار عليهم بشكل عشوائيّ، وإعدام بعضهم في الشوارع من دون محاكمة، بعدما خرجوا مطالبين بحقوقهم في حرية ممارسة الشعائر الدينية. وهذا ما يؤكده نائب رئيس مؤتمر الأويغور العالميّ، سيد تومتورك، متهماً الصين "بتشديد إجراءاتها الأمنية اتجاه الأويغور، وممارسة قمع شديد ضد القيم الدينيّة التي يؤمنون بها، الأمر الذي لا يمت بصلة لمكافحة الإرهاب"، متهماً الصيح بارتكاب "إبادة إثنيّة وثقافيّة تحت ذريعة مكافحة الإرهاب".

ويعتبر تومتورك أنّ ما تريده الصين في توركستان الشرقيّة ليس القضاء على الاتّجاهات السلفيّة، بل "إطلاق حملة للقضاء على كلّ ما هو إسلاميّ بهدف محو الخصوصية الأيغورية".

وأمام هذا الواقع، لا يبقى لـ "الأويغور" سوى الهروب نحو بلدان أخرى يمكنهم أن يحصلوا فيها على الأمان والحدّ الأدنى من كرامتهم الإنسانية، رغم أنّ البعض منها يأبى أن ينسى قمع السلطات الصينية، ويفضل البحث عن الثأر، فيجد سبيله بالانضمام إلى الجماعات الجهادية، وهو ما يؤكّده لـ "العربي الجديد"، أحمد اللاجئ في كايسري، قائلاً إنّ "الظروف المعيشيّة في تركستان الشرقيّة صعبة وخانقة أكثر منها في أي منطقة حرب. عندما فُرضت علينا قيود بشأن التكلّم بلغتنا الخاصّة في أرضنا، وعندما مُنعنا من الذهاب إلى المساجد، وعندما تضطرّ بناتنا إلى العمل في أماكن بعيدة عن ديارهنّ، وعندما يتعرّض مثقّفونا وسياسيّونا الذين يعبّرون عن آرائهم إلى التعذيب، كل ذلك لا يبقي أمامنا خياراً سوى الهجرة، أنا أتيت إلى تركيا، وبعض من أعرفهم توجهوا إلى سورية ليحاربوا هناك، لأنهم يؤمنون بأن قتال نظام الأسد يعني أنك تقاتل الصين أيضاً، داعمته الرئيسيّة".

وكان وزير الداخليه الماليزي أحمد زاهد حميدي، قد كشف قبل أيام، عن دخول أكثر من 300 مواطن صيني إلى العراق وسورية للانضمام إلى تنظيم "داعش" عبر ماليزيا، بعدما أبلغه بذلك نائب وزير الأمن المدني الصيني مينغ هونغ وي، مشيراً إلى خطورة المشكلة التي بينت وجود صلات بين ما أطلق عليه "الإرهابيين الدوليين في الصين والإرهابيين من دول أخرى في جنوب شرق آسيا".

دلالات

المساهمون