"إيفان الرهيب" ينكأ جراح تتار روسيا

"إيفان الرهيب" ينكأ جراح تتار روسيا

26 يناير 2020
الصورة
تمثال لإيفان الرهيب في مدينة أوريول الروسية (Getty)
+ الخط -

أثارت فكرة بناء تمثال للقيصر الروسي إيفان الرهيب (1530-1584) في الساحة المركزية لمدينة أستراخان بمقاطعة أستراخان جنوبي غرب البلاد، جدلاً واسعاً في المقاطعة، وفي أوساط التتار والمسلمين عموماً في روسيا. وحذرت مؤسسات وشخصيات دينية مسلمة من انهيار السلم الأهلي بين القوميات في تلك المنطقة في حال الموافقة على عرض جمعية قومية دينية روسية تمويل تمثال القيصر "مدمر خانية أستراخان" (كانت منطقة تتارية مسلمة)، والشخصية الأكثر دموية في تاريخ روسيا منذ القرن السادس عشر.

وبدأت الخلافات حول النصب التذكاري للقيصر إيفان الرابع الملقب بـ"الرهيب" في أستراخان، في نوفمبر/تشرين الثاني 2013، حين اقترح رئيس تحرير جريدة "فاكت أي كومبرومات" الأسبوعية المحلية، غليب إيفانوف، تشييد تمثال للقيصر الروسي، رداً على وضع أنصاب تذكارية لشخصيات تتارية في المدينة. وقال إيفانوف حينذاك: "لدي عرض رائع أطرحه، وأنا متأكد من أنّ جميع مواطني بلدي سيوافقون عليه! من الضروري وضع نصب تذكاري لإيفان الرهيب في أستراخان، وأراهن أنّ جميع سكان أستراخان مستعدون لدعم هذه الفكرة... أشكر إيفان الرهيب على فضله في زوال خانية أستراخان، حليفة خانية القرم. بفضل إخضاع أستراخان، انتشر النفوذ الروسي وصولاً إلى القوقاز".

وعلى الرغم من حصول الفكرة على دعم القوميين الروس وعدد من مؤسسات المجتمع ذات التوجه القومي الديني المتعصّب، شكّكت عمدة المدينة أليونا غوبانوفا، بالطرح، ووصفت المسألة بأنها "معقدة". وذكّرت أنه في تاريخ أستراخان، توجد العديد من الشخصيات الأخرى التي تستحقّ التخليد. إلا أنّ القوميين لم يقتنعوا، ووسّعوا المبادرة إلى المستوى الفيدرالي. وفي 20 أغسطس/آب الماضي، أعلن كونستانتين مالوفيف، نائب رئيس "كاتدرائية الشعب الروسي العالمية"، ورئيس مجموعة "تسارغراد" الإعلامية ذات التوجه المسيحي القومي، عن استعداده للمساعدة في تمويل إقامة النصب التذكاري خلال اجتماع مع طلاب جامعة أستراخان الحكومية، فيما قدّم النحات من موسكو، أوليغ مولتشانوف، نموذجاً لتمثال إيفان الرهيب على حصان.

وفي مقابلة مع قناة "360" التلفزيونية الروسية في وقت سابق، قال مولتشانوف إنّ "صورة القيصر الروسي تعرّضت لشيطنة من قبل السياسيين المؤيدين للغرب في ذلك الوقت، ومن قبل أعداء الوطن". كما وافقه الرأي رئيس المختبر الأثري لجامعة أستراخان الحكومية، دميتري فاسيلييف، مشدداً على أنّ "إيفان الرهيب هو واحد من أعظم رجال الدولة في التاريخ الروسي، وتمّ الافتراء عليه على نحو غير مستحقّ في السنوات الأخيرة. وفي الواقع، هو حاكم بلدنا، الذي توسّعت في عهده أراضي روسيا، وزاد شعبها وثروتها وقيمها". وأعرب فاسيلييف عن استعداده للتكفل بنصف تكاليف المشروع.

وبعد تعهّد "الأوليغارش الأرثوذكسي" كما أطلق على مالوفيف عدد من الصحف الروسية، بالتمويل اللازم لبناء التمثال من خارج موازنة المدينة، أطلقت سلطات الأخيرة في 17 ديسمبر/كانون الأول الماضي تصويتاً عبر صفحتها على الإنترنت، يتضمن سؤالين؛ الأول: هل تقيّمون إيجاباً دور إيفان الرهيب في روسيا؟ والثاني: هل أنتم مع بناء تمثال له في مدينة أستراخان؟ وطلبت من الراغبين التصويت بنعم أو لا على كلا السؤالين. اللافت أنّ أيّ شخص في داخل روسيا وخارجها يمكن أن يدلي بدلوه في هذه القضية الحساسة، ما دفع الكثير من مؤيدي ومعارضي الفكرة إلى توزيع رابط التصويت على نطاق واسع.

ونشر عدد كبير من المواقع القومية اليمينية الروسية، مقالات معادية للتتار تمجّد دور إيفان الرهيب في توسيع حدود الدولة الروسية، مع الإشارة في نهاية كل مقال إلى رابط التصويت على استفتاء إقامة التمثال في أستراخان، في محاولة واضحة للتأثير على التصويت في المدينة، عبر استخدام أصوات الروس من المدن المختلفة، والذين يشكلون أغلبية ساحقة مقارنة بالأقلية التتارية في البلاد. وفي المقابل، شنّ كثير من مسلمي روسيا حملة ضدّ التصويت في مواقعهم الإعلامية وصفحاتهم على مواقع التواصل الاجتماعي المختلفة.

ومع الجدل الحاصل، والاحتجاجات، قرّرت إدارة المدينة تمديد التصويت لغاية 3 فبراير/شباط المقبل، بدلاً من الـ 20 من شهر يناير/كانون الثاني الحالي، للنظر في الطعون الواردة من المواطنين.

ويرفض كثير من التتار مبدأ الاحتكام إلى التصويت عبر الإنترنت في قضية حساسة. ونقل موقع "قوقاز أوزل" عن إمام الجامع الأبيض في أستراخان، مسلم يونوسوف، قوله إنّه "يجب ألا تحلّ مثل هذه القضية برأي الأغلبية، لأنّ المسلمين والتتار يشكلون أقلية في المدينة"، محذراً من أنّ "بناء التمثال سوف يتسبّب في توتّر بين القوميات في أستراخان". ورداً على اتهامات للتتار بأنّهم ضدّ الدولة الروسية، لفت يونوسوف إلى أنّه "عند الحديث عن أنّ إيفان الرهيب ضمّ خانية أستراخان إلى روسيا، فهذا كلام غير صحيح، والصحيح أنه ضم أستراخان إلى إمارة موسكو"، موضحاً أنّ "روسيا وفق المفهوم المعاصر بلد متعدد القوميات، وفي مدينة ومقاطعة أستراخان يعيش نحو 140 قومية كثير منها السكان الأصليين".

ومعلوم أنّ القيصر إيفان الرابع سعى لتوسيع إمارة موسكو لتكون مرتبطة ببحري البلطيق وقزوين، وكانت قازان وأستراخان والقرم في ذلك الوقت أراضي تتارية. وفي العام 1552، قاد القيصر الشاب 150 ألف مقاتل إلى أبواب قازان وحاصرها لمدة خمسين يوماً. قاوم سكان المدينة ذات الغالبية المسلمة وكان عددهم 30 ألفاً، الحصار، قبل أن تسقط مدينتهم وتنهار ويرتكب جنود إيفان الرهيب مجازر تتناقل أخبارها الأجيال التتارية إلى الآن لقساوتها. وقد أجبر القيصر الدموي السكان على اعتناق المسيحية.

وفي لقاء مع صحيفة "غازيتا رو"، قال المؤرخ التتاري المعروف، البروفيسور مارسيل أحمد زيانوف: "بعد الاستيلاء على قازان، أُجبر التتار على اعتناق المسيحية في سابقة لم تكن موجودة في تاريخ روسيا". وتورد الروايات الشعبية التتارية أنّ جنود إيفان الرهيب أجبروا من رفض اعتناق المسيحية من سكان قازان على رمي نفسه في النهر من فوق صخرة، أصبحت معلماً يجسد الظلم الذي تعرّض له أهل المنطقة، ومزاراً تاريخياً شهيراً في العاصمة التتارية. وبعد سقوط قازان، أكبر خانيات التتار، هتفت روسيا بأن إيفان الرهيب أول سلافي يستولي على معقل تتاري، واحتفلت بالنصر. وفي العام 1554، استولى إيفان على أستراخان، وأصبح نهر الفولغا قناة روسية تماماً.

ولا يخفي التتار الروس حقدهم التاريخي على أول قياصرة روسيا. وفي 30 ديسمبر/كانون الأول الماضي، نشر المنتدى العالمي للشباب التتار، ومقره جمهورية تتارستان، رسالة مفتوحة موجّهة إلى زعماء مدينة أستراخان والمنطقة، أعرب فيها التتار عن قلقهم البالغ تجاه المسألة، مؤكدين أنّ إيفان الرابع "رمز مشؤوم للإبادة الجماعية وانعدام القانون والاستبداد وسياسة التعصب الديني والعنف". كما جاء في الرسالة: "نعرب عن دعمنا للمسلمين في منطقة أستراخان، التي عارضت مبادرة إقامة نصب تذكاري لإيفان الرهيب، ونرجو إيقاف عملية التصويت وعدم النظر في تثبيت الأمر، وبناء مركز تاريخي وثقافي لإحياء ذكرى الاستيلاء على أستراخان".

وعلى الرغم من أنّ التتار هم السكان التاريخيون لمنطقة أستراخان، إلا أنهم يشكلون اليوم أقلية فيها، إذ يبلغ تعداد المواطنين من أصول روسية سلافية 66.7 في المائة من مجمل عدد السكان، في حين تبلغ نسبة التتار 6.6 في المائة فقط، إضافة إلى النسبة ذاتها من مسلمي القوقاز الروسي وبلدان آسيا الوسطى ذات الغالبية المسلمة.

واللافت، أنّ قناة "تسارغراد" التي يديرها كونستانتين مالوفيف، صاحب فكرة تمويل عملية بناء التمثال، شنّت حملة إعلامية على سكان المنطقة من التتار، واتهمتهم بإثارة النزعات القومية، ومحاولة الانفصال عن روسيا. وفي مقال نشره موقع القناة، الأربعاء الماضي، تحت عنوان "التتار يريدون فصل أستراخان عن روسيا"، لميخائيل سمولين، الذي يقدّم ذاته كمؤرخ روسي وشخصية أرثوذكسية، هاجم الكاتب التتار واصفاً إياهم بـ"الانفصاليين"، ومشيراً إلى أنهم أقلية في المنطقة الروسية، وطالبهم بالكفّ عن تشويه صورة القيصر الروسي العظيم.

وذهب سمولين إلى أنّ مدينة أستراخان لم تكن موجودة في ذلك الوقت، وأنه "كانت هناك مدينة حاجي طرخان على الضفة اليمنى لنهر الفولغا، على بعد 12 كيلومترا شمال أستراخان الحديثة"، موضحاً أنّ حاجي طرخان هي مدينة التتار وليست أستراخان، في دعوة مبطنة لخروج التتار من "المدينة الروسية" والذهاب إلى مدينتهم التاريخية.

يُذكر أنه في نهاية العام 2019، تمّ بناء نصب تذكاري لإيفان الرهيب في مدينة تشيبوكساري، بمناسبة الذكرى 550 لنشأة عاصمة جمهورية تشوفاشيا القريبة من تتارستان، ويشكل المسلمون التتار نسبة وازنة من سكانها.

ودفاعاً عن بناء التمثال، قال رئيس قسم التعليم في إدارة المدينة دميتري زاخاروف وقتها: "اعتاد الروس على رؤية القيصر كطاغية وديكتاتور"، مضيفاً أنّ "هذه الصور النمطية انتقلت إلى أذهان الروس من الكتب المدرسية". ومع إشارته إلى أنّ "قلة من الناس يفكرون في الدور الإبداعي لإيفان الرابع"، عدّد زاخاروف إنجازات الأخير وقال إنه يعدّ "شخصية خلاقة ومؤسساً للمدينة".

ولا تقتصر الحملة لإعادة "تلميع" صورة إيفان الرهيب الذي يشكّ في أنه دبر مقتل معظم زوجاته الثماني، وقتل ابنه ووريث عرشه في لحظة طيش وغضب، على بناء تمثال في أستراخان، ففي عام 2016 اقترح نشطاء "اتحاد حاملي الراية الأرثوذكسية" (منظمة قومية دينية سلافية)، إقامة تماثيل إيفان الرهيب في قازان وموسكو وكولومنا. وتعقيباً على هذا الاقتراح، قال النائب بمجلس الدوما عن جمهورية تتارستان، إلدار علم الدينوف، في تصريحات لموقع "إن قازان" المحلي، إنّ البلاد تحتاج إلى رموز توحدها، متسائلاً "هل حقاً لا يوجد أشخاص في البلاد يستحقون أن تقام تماثيل لهم؟ هناك أبطال الحرب والطيارون ورواد الفضاء والعسكريون والعاملون البسطاء! لماذا نبحث عن بعض الشخصيات المثيرة للجدل التي تفرقنا؟"، مشدداً على أنّ روسيا "تحتاج إلى شخصيات وتماثيل توحدنا".

وتعيش في روسيا مئات القوميات، ويعدّ التتار القومية الثانية من حيث العدد. ووفق إحصاءات عام 2010، بلغ عددهم نحو 5 ملايين و310 آلاف تقريباً، ما يعادل نسبة 3.72 في المائة من إجمالي سكان روسيا. لكنّ خبراء يرجحون أنّ أعداد التتار ونسبتهم ازدادت في السنوات الأخيرة، نظراً لأنّ الأزمة الديمغرافية في البلاد تمسّ أساساً القومية الروسية، فيما تزداد أعداد التتار. ويبلغ عدد المسلمين في روسيا قرابة 20 مليوناً.

المساهمون