"أمهات سوريات".. شهادات لجنازة واحدة

18 أكتوبر 2017
الصورة
(أم سورية تزور المقبرة في درعا،2017، تصوير: محمد أبازيد)

إن كان كتاب "أمهات سوريات" يضّم مجموعة شهادات لتجارب فردية مريرة ومروعة عاشتها المرأة السورية وتعيشها في الحرب، فإن هذه الذاكرة الفردية هي جزء لا يتجزأ من الصورة الكبيرة والجمعية، ومن هذا الباب، قامت "الرابطة السورية للمواطنة" بنشر هذه التجارب كما ترويها الأمهات اللواتي عشنها، بوصفها مكوناً أساسياً لتوثيق التراجيديا ولبناء "السلام والمصالحة في ظل المساءلة" وفقاً لمقدمة الكتاب التي وضعها محرر الشهادات حسان عباس.

تعود الشهادات لـ أديبة خليل، وسحر حسن، وعزيزة ملا، ونادية مراد، وإلهام وكوثر حسن، وأنطوانيت بارومي، وفداء ميرزا، من الحسكة؛ وأم أحمد من الميدان في دمشق، وأم أحمد أخرى من داريا، وأم جعفر من اللاذقية، أم حسن من عربين، وأم رسلان وأم سعيد من القصير، وأم فيصل من الرقة، وأم محمد من كرم الزيتون، وفاطمة إبراهيم وهيام إبراهيم وأم آلان ونورا وسلطانة أحمد من القامشلي، وفاطمة من جوبر، وأم عصام من الحراك، وكوردستان من كوباني، وهبة ومريم حلاق من ريف دمشق، وأم مي من حلب، وميادة وجورية من طرطوس، وأم محمد من القلمون، وأم نوفل من ريف حماة، ولينا رمضان من راس العين.

الخوف هو أكثر شعور يجري وصفه على الألسنة في كل شهادة؛ الخوف قبل الانفجار، الخوف أثناء القصف، الخوف بعد انتهاء القصف، على من ستعثر هذه الأم حياً ومن من أحبائها سيكون جثة؟ الخوف من السفر والخوف من البقاء، الخوف عند وصول نبأ الاعتقال، الخوف مما يحدث أثناء الاعتقال، الخوف من تسلم جثّة. أما الأمل فيشغل أقل مساحة من شهاداتهن، إنه سطر صغير في آخر كل شهادة، يبدو واجباً أكثر منه شعوراً صادقاً وواثقاً لديهن.

فقدان الأبناء سواء بالقتل أو الاختطاف أو الاعتقال في سجون النظام، هو جوهر هذه الشهادات. أحياناً يتدفق الألم جارحاً من تفاصيل صغيرة، كأن تقول أديبة خليل من الحسكة، بعد أن وصل جثمان ابنها بعد عام من قتله على يد "التكفيريين" كما تصفهم، فتجد أن ابنها مات قابضاً على علبة "مرتديلا" ما زالت مغلقة، تقول "عرفت أنه مات جائعاً فبكيت وبكيت".

أم جعفر من اللاذقية تتذكر ابنها الذي التحق بالخدمة العسكرية عام 2011، فأبقوه فيها مع اندلاع الثورة، واستشهد لكنها تقول "لست فرحة بلقب أم الشهيد". أم حسن من عربين أخذت مفاتيح بيتها، تعتقد أنها ستعود بعد يومين، والآن مع مرور السنوات تسأل "معقول يصير فينا متل القضية الفلسطينية".

حتى في قلب المأساة، يستطيع بعض أطرافها المزاح وهم ذاهبون إلى حتفهم: يقول الشاب لوالدته أم فيصل وهو ذاهب إلى قارب الغرق "إن غرقت في البحر يا أمي فلن تتكلفوا بدفني، ستجدينني في علب السردين والطون".

هذه اغتصبت ابنتها، وتلك اعتقلت، وأخرى فقدت كل عائلتها، أو تلك التي دفنت أطفالها بجوار بعضهم بعضاً، أو هذه التي لا تعرف مصير ابنها إن كان حياً أم ميتاً، وأخرى لم تفقد أحداً من أبنائها ولكنها تعيش بانتظار لحظة الفقدان، كلها حكايات تلتئم، تتجمع مع بعضها كأفراد يتجمعون للمشي في جنازة واحدة.