}
قراءات

عزمي بشارة.. نحو تأسيس مفهومي للظاهرة الشعبوية (1)

حسام أبو حامد

30 ديسمبر 2019
في 14 سبتمبر/ أيلول الماضي، احتضن موقع "ضفة ثالثة" مشكورا ملفا على حلقات قمت بإعداده والتقديم له تحت عنوان «الشعبوية: "نحن الشعب، فمن أنتم؟".. من المصطلح إلى المفهوم» طرحت فيه على عدد من الباحثين والمثقفين والكتاب العرب تساؤلات حول الظاهرة الشعبوية بوصفها إشكالية راهنة كان سؤالها المركزي ما الشعبوية؟ هل تعدت مستواها الاصطلاحي لتتصبح مفهوما محدد في دلالته وإحالاته؟ واشتقت منه عدد من الأسئلة الفرعية: هل الشعبوية خطاب فكري، أم مهارة معينة في اجتذاب الناس؟ هل نحن أمام شعبوية أم شعبويات؟ هل كل شعبي هو شعبوي؟ هل الحركات الموصوفة بالشعبوية هي حقا كذلك، وتشكل خطرا على الديمقراطيات الغربية، أم أن الحركات الموصوفة بالشعبوية في تلك الساحة السياسية إنما هي في حقيقتها حركات نتجت عن أزمة الديمقراطية التمثيلية لانتزاع مزيد من المطالب الجماهيرية؟ ما هي ملامح الشعبوية السياسية في الدول النامية ومنها الدول العربية، وكيف تختلف عن الشعبوية في الديمقراطيات الغربية؟

وكان من حسن حظنا، قرّاء وكتابا وباحثين، أنه ما أن انتهت حلقات الملف حتى انطلقت في الدوحة سلسلة محاضرات "حوارات العصر" التي نظمتها كلية العلوم الاجتماعية والإنسانية في معهد الدوحة للدراسات العليا، واختتمت في 23 تشرين الأول/أكتوبر 2019، وشهد يومها الثاني والأخير من هذه الفعالية عقد ورشة عمل بعنوان: "الشعبوية وتحولات السياسة المعاصرة"، تحدثت فيها ثلة من الباحثين والأكاديميين، كان من ضمنهم المفكر العربي عزمي بشارة، مدير عام المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، ورئيس مجلس أمناء معهد الدوحة للدراسات العليا، فقدم محاضرة عامة حول "الشعبوية والأزمة الدائمة للديمقراطية"، ميّز فيها بين الشعبوية والحركات الأيديولوجية الشمولية التي تكتسب تأييداً شعبياً عبر استخدام الديماغوجيا والأدوات الشعبوية، والتحريض ضد الآخر، موضحاً أن الشعبوية ليست أيديولوجيا، وأن الحركات الأيديولوجية الشمولية تستغل الشعبوية في التعبئة ضد الخصوم السياسيين، أو للتجييش ضد النظام الديمقراطي نفسه، وليس فقط ضد فساد السياسيين والبرلمانيين، ولكن هدفها تسيد أيديولوجية نخبوية باسم الشعب.
ولم تمض أسابيع قليلة أخرى، حتى صدر عن المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات كتاب جديد للدكتور بشارة، حمل عنوان «في الإجابة عن سؤال: ما الشعبوية؟» (بيروت/ الدوحة: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، تشرين الثاني نوفمبر 2019)، فكان محاولة منهجية أراد منها مؤلفه: «تفسير ظاهرة الشعبوية والإسهام في تطوير مفهومها، حيث أصبحت موضوعا ملحا في الآونة الأخيرة، مع رواج استخدام مصطلحها في الإعلام والأوساط الأكاديمية، ولا سيما في وصف حركات يمينية نشأت وانتشرت خارج الأحزاب المعروفة وسياسيين جدد برزوا وصعدوا من خارج المنظومات الحزبية في أوروبا والولايات المتحدة الأميركية، وسؤال العديد من المهتمين عن معناه، وهل من مفهوم محدد للظاهرة؟» (المقدمة ص 11).


الظاهرة الشعبوية
تشير "الشعبوية" عموما إلى نزعة سياسية تقوم على تقديس "الشعب"، وتؤمن بالتعارض بين الشعب الذي هو دائما على حق، وبين النخب الذين هم دائما على خطأ، وتتوسل بمحورية دور الشعب في الممارسة السياسية، وتنتعش بتوظيفها مشاعر الغضب لدى العامة، خاصة في أوقات الكوارث، والأزمات الاقتصادية، والاضطرابات السياسية. والبعض يراها في أي خطاب سطحي تتبناه الحركات والأحزاب السياسية يهدف الى تعبئة الجمهور واستثارته عاطفيا بعيدا عن أي حكم نقدي، وفي قادة كاريزميين يمتلكون مهارات خاصة في القيادة وقدرة على السيطرة على توجهات الجمهور، وفق دعاياتهم وخطابهم الثقافي البسيط.
مع ذلك، لا يزال المصطلح غامضا، تتعدد دلالاته حدّ التناقض أحيانا، بسبب تنوع السياقات التاريخية والاجتماعية، السياسية والاقتصادية، التي تواجد بها، ونتيجة تنوع دلالات مفهوم "الشعب" المتغيرة من شعبوية لأخرى، ولم تحافظ الشعبوية منذ ظهور المصطلح على جوهر ثابت.

وفي كتابه المذكور، يبين بشارة أن الاهتمام البحثي والسياسي الغربي الراهن بظاهرة الشعبوية السياسية ينصبّ على الديمقراطيات الليبرالية في الغرب عموما، متضمنا قلقا حول مصيرها بفعل تنامي هذه الظاهرة، التي تتمثل أهم ملامحها عند بشارة في أنها «نمط من الخطاب السياسي، يتداخل فيه المستويان الخطابي والسلوكي بشكل وثيق. وقد يتفاعل هذا الخطاب مع عفوية تقوم على مزاج سياسي غاضب لجمهور فقد الثقة بالنظام والأحزاب السياسية القائمة والنخب الحاكمة، كما يوظف بوصفه استراتيجية سياسية في مخاطبة هذا المزاج، هادفة إلى إحداث تغيير سياسي عبر الوصول إلى الحكم. ويتحول هذا الخطاب إلى أيديولوجيا في الحالات المتطرفة. ويقدم حملة الخطاب أنفسهم بوصفهم الممثلين "الحقيقيين" للشعب، باعتبار ما عداهم ممثلين زائفين للشعب أو أعداء له» (ص 17).

وبينما اعتبر بعض الباحثين الشعبوية أمرا طبيعيا، واستراتيجية عمل عقلانية تستخدمها فئات متضررة، ينفي البعض فكرة منتشرة بين الليبراليين تفيد بأن الشعبوية ظاهرة متقادمة رجعية ترفض الآخر، ويراها ظاهرة حديثة، أصبحت منذ زوال الاشتراكية أداة يستخدمها الأقل نجاحا لتقليد الأكثر نجاحا والتنافس معهم، وربما مكافحتهم، ولا سيما النخب المعرفية من المثقفين والمتعلمين في المجتمعات الغنية المتطورة. وآخرون يحافظون على اعتقادهم بأنها غير عقلانية، تعبّر عن خوف وردة فعل على الانفتاح، أو مرض سياسي تنقل عدواه قيادات كاريزمية، تتوجه إلى مصوّتين خائفين في زمن الأزمات.


الخطاب الشعبوي
ينبه بشارة أن ليس من جوهر ثابت للخطاب الشعبوي، ولا يمكن التعامل معه على أنه إما أن يظهر أو يغيب، وشعبويته ليست مطلقة، بل على درجات؛ فقبل أن نجد أنفسنا أمام خطابات تهدف إلى تحقيق مقبولية شعبية عبر المبالغة والكذب وشيطنة الآخر متحولة إلى أيديولوجيا في الحالات المتطرفة، نواجه، بداية، عدم اكتفاء أحزاب وقادة سياسيين بمخاطبة عقول الناس، بل عواطفهم أيضا، لإثارة خوف ونفور أو كسب تضامن وتأييد، وسنجد أننا أمام ديماغوجية الأحزاب المركزية الهادفة إلى مجاراة جمهور الناخبين، ولا تخلو البرلمانات بأحزابها التقليدية من الخطاب الديماغوجي، وتستخدم القوى السياسية المصنفة وسطية البلاغة الشعبوية بحسب المرحلة في قضايا مختلفة مثل: الهجرة والإرهاب والمناعة القومية وحقوق العاملين، وتتملق أيضا "أصالة الشعب" وتشيد بـ"فطرته السليمة".

من الناحية العملية، تبدو الشعبوية لبشارة نوعا من المزاج السياسي؛ أي أفكار تسود المركز، لكن السياسيين الشعبويين يعبّرون عنها ويحشدون أولئك الذين يؤمنون بها بحدة ومرارة. ولكن المحلّوية والسلطوية وعدم الثقة بالنخب، التي تمثل "ثالوث الشعبوية"، لا تعرّف فقط التيار الشعبوي الراديكالي اليميني، بل يوجد هذا الثالوث بأضلاعه الثلاثة في سياسات التيارات المركزية بصيغ أخف، وبات جامعا مشتركا بين أحزاب كثيرة في أوروبا، فتصبح الشعبوية غير مختلفة نوعيا عن التيار المركزي، بل بالدرجة. فعند تناولنا المحلّوية التي تعطي الأولوية لمصالح السكان الوطنيين المحليين، سنجد أن جميع الأحزاب المركزية تتحدث عن مصالح الشعب والمصلحة الوطنية، ولو نزعت منها المحلّوية الإقصائية الإثنية فلن يبقى سوى وضع مصالح المواطنين قبل القضايا العالمية. لا تخلو تلك الأحزاب أيضا من السلطوية، أما عدم الثقة بالنخبة فهو التيار الأكثر انتشارا في التيارات المركزية في المجتمع، إذ يسود الاعتقاد أنه إذا ما منحت للناس الحرية والسلطة فسوف يسيئون استخدامهما ويفسدونهما.
في حالة رسوخ النظام الديمقراطي قد يؤدي الاحتجاج الناجم عن الاغتراب عن السياسيين وتراجع الثقة بالبرلمانات إلى إصلاحه وإصلاح النظام الحزبي. في مثل هذه الحالات، الأزمات الناجمة عن التوتر بين النظام التمثيلي والمشاركة الشعبية، وبين تفسيرات القوى السياسية للمساواة وتفسيراتها للحريات، وبين الخطاب الديمقراطي والواقع، تفيد في تطوير النظام الديمقراطي، وثمة حالات أخرى أسهمت فيها في وصول عناصر إلى الحكم تسعى إلى تقييد الحريات، أو التعبير عن المشاركة الشعبية بالتشديد على الخطاب القومي الشوفيني والتشريعات ضد الأجانب.

يبين بشارة أنه ليست كل استراتيجية شعبية هي شعبوية، مع أنها قد تضم عناصر شعبوية، فقد يحتوي النظام الديمقراطي القائم، وداخل أطره المؤسسية، بعض الحركات الشعبوية السياسية، فتؤدي عملية الاحتواء إلى تعديل خطابها، وفي الوقت نفسه إلى تغيير النظام نفسه. وإن كانت مشكلة التعبئة الشعبوية تتمثل بأنها لا تكتفي بتوجيه الغضب ضد السياسات فحسب، بل أيضا ضد المؤسسات الديمقراطية، فإن أسلوب الخطاب الشعبوي نفسه يصبح مشكلة للنظام الديمقراطي؛ ففي ظل تنامي منسوب الكراهية وشيطنة الآخر، يتبع هذا الخطاب أسلوب تقسيم المجتمع إلى "نحن" متخيلة تمثل الشعب، و"هم" متخيلة تمثل أعداءه (النخب والسياسيون والمثقفون والأحزاب عموما). هنا يتحول الأسلوب إلى أيديولوجيا، فتخرج الظاهرة عن كونها استراتيجية في العمل السياسي لتصبح ظاهرة معادية للديمقراطية.


أزمة الديمقراطية بوصفها مصدرا للشعبوية
لكن عن أي ديمقراطية يجري الحديث هنا؟
الديمقراطية كما يوضح بشارة ليست أيديولوجيا نهائية، ويمكن بالطبع أن تنشـأ عالميا بدائل عنها، على اعتبار أن انتصار الديمقراطية ليس حتمياً، لكن حتى الآن فالديمقراطية الوحيدة في عصرنا التي تستحق هذه التسمية بحسب بشارة هي الديمقراطية الليبرالية، التي يمارس الشعب فيها سيادته بوصفه مصدرا لشرعية النظام في الانتخابات، لكن تمثيله يبقى عملية منفصلة تقوم بها مؤسسات وسياسيون محترفون، مما يوفر فضاء يسمح بتوسط الأحزاب والمؤسسات المدنية، ويمكن من التقييم والحوار والمناقشة، وتتوافر الرقابة المتبادلة، ومؤسسات لمراقبة المنتخبين مثل المحاكم والإعلام وأجهزة الرقابة وغيرها.
مع كل ذلك، لم يخل تاريخ الأنظمة الديمقراطية الليبرالية من التوترات التي برزت على شكل أزمات دورية أدت إما إلى تطوير تلك الأنظمة (تطوير النظام التمثيلي النيابي، وضع مبادئ دستورية بوصفها شرطا للمشاركة السياسية البرلمانية، واستقلال القضاء، نشوء دولة الرفاه...) أو انهيارها (العودة الى النظام السلطوي في الديمقراطيات الوليدة)، أو نشوء نظام سلطوي جديد (الفاشية في إيطاليا والنازية في ألمانيا...). فما يعد أزمة تمر بها هذه الديمقراطية مع انتشار الشعبوية اليمينية في الغرب ليست «ظاهرة جديدة كليا، بل هو تجليات ما يمكن تسميته أزمة دائمة للديمقراطية في ظروف جديدة» (ص 20).
تتمثل هذه الأزمة برأي بشارة في ثلاثة توترات قائمة في بنية الديمقراطية الليبرالية ذاتها، وفي نظريتها، حتى في ظل نظام ديمقراطي معزّز بارتفاع معدلات النمو الاقتصادي، والعدالة الاجتماعية: توتر بين البعد الديمقراطي المتعلق بالمشاركة الشعبية القائمة على افتراض المساواة الأخلاقية والسياسية بين البشر، والبعد الليبرالي الذي يقوم على مبدأ صون حرية الإنسان وكرامته؛ داخل البعد الديمقراطي يوجد توتر بين فكرة حكم الشعب لذاته من جهة، وضرورة تمثيله عبر قوى سياسية منظمة ونخب سياسية؛ التوتر بين مبدأ التمثيل الانتخابي وقرارات تتخذ بالأغلبية من جهة، ووجود قوى ومؤسسات غير منتخبة لكنها فاعلة في صنع القرار أو تعديله أو عرقلته (جهاز القضاء، أو الأجهزة البيروقراطية المختلفة) من جهة أخرى.
لكن لا تثير هذه التوترات تلقائيا غضبا شعبيا ولا تولّد خطابا شعبويا، ينفذ بدوره مباشرة من خلالها، بل بتوسط التوترات والصراعات الاجتماعية الاقتصادية نحو: التفاوت في المساواة الاجتماعية والسياسية أو غيابهما، وسوء توزيع الدخل، ومسائل الهوية، والحقوق الجماعية... والتي تؤدي إلى التهميش ووجود فئات مستفيدة من النظام على حساب أخرى متضررة. عندها يوظّف الخطاب الشعبوي الغضب الجماعي محولا إياه نقدا للنظام الديمقراطي نفسه، بتبني أحد مكونات هذا النظام ضد مكون آخر.
غالبا ما يقوم الديماغوجيون بالتحريض ضد السياسيين ومهاجمة الآليات التي تراقبهم وتضبط سلوكهم وتحاسب على الفساد في الوقت ذاته، ولا سيما تدخل القضاء في العملية السياسية، وذلك عبر قولهم الشيء ونقيضه، ومغازلة الغضب الشعبي لغايات لا علاقة لها بمنطلقاته، ويبدو خطابهم مع ذلك منسجما، المهم أنه يتصدى للنخب عموما. «وهذا من النتائج الوخيمة لانقسام "نحن" و"هم"؛ إذ إن أي هجوم ضد «هم» يصبح مقبولا ً باعتباره «منسجما مع ذاته» حتى لو كان متناقضا داخليا» (ص 33).


بين ديمقراطيتين
لا يكتفي بشارة بتناول الشعبوية بوصفها خطابا سياسيا بل يجمع أيضا بين الخطاب والممارسة، كما يفصل بين ظاهرة الشعبوية في البلدان الديمقراطية التي يمكن فيها تعيين حدودها ودرجاتها، وبين الشعبوية في بلدان غير ديمقراطية يتداخل فيها على ضفة المعارضة الشعبي والشعبوي، مع إمكان التمييز على ضفة السلطة لنظام سلطوي شعبوي من نظام سلطوي آخر.
الديمقراطيات التاريخية التي بدأت بنظام ليبرالي يضع حدودا على السلطة التنفيذية، وحماية الملكية الخاصة، والحريات، وحق اقتراع حصري توسّع بالتدريج ليشمل فئات أكبر فأكبر من المواطنين، تمكنت من احتواء الحركات الشعبوية المناهضة لمكونها الليبرالي دون إلحاق الضرر بالحريات، حتى في حالة احتوائها «في البرلمانات وحتى الحكومات، فتغيّرت تلك الحركات بذلك، وتغيّر معها النظام الذي احتواها بتعديل نفسه من خلال عملية الاحتواء ذاتها باتجاه تقوية مكون المساواة والعدالة الاجتماعية، وبتعزيز الطابع الإثني القومي في حالات أخرى" (ص23).

أما في الديمقراطيات الوليدة التي لم تنشأ عن ليبرالية سابقة عليها ولم تترسخ فيها الحريات والحقوق، فإن الشعبوية تشكل خطرا حقيقيا، فهذه الديمقراطية (الديمقراطية كمجاز سياسي إن جاز التعبير) أشد هشاشة وأقل مقاومة للخطاب الشعبوي ومضارّه، إذ تتعرض الحريات المدنية إلى خطر حقيقي مع رفع الشعبوية قيمة المشاركة السياسية وحكم الأغلبية فوق قيمة الحريات، لكن ضرورة ضبط الخطاب الشعبوي والتصدي له، في اعتقاد بشارة، قد لا تدرك من قبل ديمقراطيي الغرب،  فلسنا هنا أمام نقد تقليدي لليبرالية الكلاسيكية من قبل الداروينية الاجتماعية مثلا، التي انتعشت في القرن التاسع عشر كثقافة مضادة تحفّظت على مشاركة العامة في السياسة، ووقفت ضد حق الاقتراع، فعلى النقيض من ذلك، ينطلق النقد المعاصر للديمقراطية الليبرالية من أن الشعب طيب وخير ودائما على حق، وأن النخب هي الفاسدة.


التوتر بين البعد الديمقراطي (المساواة) والليبرالي (الحرية)
في عصرنا تقلب الشعبوية، ولا سيما الأيديولوجية منها، حكم الشعب غير المقيد إلى حكم مطلق مستبد باسم الشعب. فالتوتر الدائم بين مبادئ الليبرالية ممثلة في حماية الحقوق والحريات الفردية وبين المشاركة الشعبية الواسعة قد ينجم عنها انتشار سياسات الهوية، ومخاطبة الغرائز، وتيارات تخوض في السياسة من منطلقات معادية لها ولمؤسساتها ونخبها، لا سيما في صورة يمين شعبوي غير تقليدي. قد يصعب التمييز بين خطاب بعض الأحزاب اليمينية في الحكم والحركات الشعبوية المعارضة لها، فكما تقدم عند بشارة، تشغل القضايا التي يتمحور حولها الخطاب الشعبوي أيضا، الأحزاب المركزية، وخطابها الديماغوجي، لكن بدرجة أقل شعبوية. ففي معرض التنافس الحزبي الضاري تستخدم الأحزاب المركزية أنواعا مختلفة من الديماغوجيا التي تستبدل الأوامر الشعبية بسيادة القانون، وتصادر ثقة الشعب، ويستخدمها الديماغوجيون للحكم بوصفهم أسياد الشعب الجدد، دون قوانين تقيدهم، لذا رأى أرسطو أنه في حين يسود القانون في الديمقراطيات لا وجود للديماغوجيين.
ورغم أن أرسطو يتحدث عن دولة لا عن حركة فقد وضع يده، بحسب بشارة، على تناقضات النظام الديمقراطي في حالته الأولية البسيطة، ولا سيما عنصري المساواة والحرية، حين المضي بهما إلى حدهما الأقصى، وحذّر من مخاطر الشعبوية (الديماغوجية كما يسميها) التي تلعب على وتر مظان الناس أنهم متساوون بالحريات، وبالتالي هم متساوون مطلقا، الأمر الذي يعني بطلان أي قيود على "سلطة الشعب"، ورفض التمايز حتى على أسس مثل الأهلية والكفاءة، والتراتبية التنظيمية. وعلى غرار أرسطو وأفلاطون، وفي معرض نقده للديمقراطية، خشي ألكسيس دو توكوفيل من سيادة مبدأ المساواة وتغليبه على الحرية دون أن تقتصر احتمالات ذلك على الحكومة والبرلمان، لتنتشر في مؤسسات اجتماعية خاصة، وتمتد المطالب بالمساواة لتكون جوهرية في المنافع وليس فقط في الفرص.
يرى بشارة أن الديمقراطية الليبرالية لا تستقيم دون الجمع بين مبدأي الحرية والمساواة، فأي محاولة لعزل بعد عن آخر ينتهي الى تفريغه من مضمونه، فالحرية دون مساواة اجتماعية تفقد معناها، وتتعذر ممارستها، حيث ينتقل مبدأ عدم تكافؤ الفرص من المجال الاقتصادي الاجتماعي إلى المجال السياسي، فتصبح المشاركة السياسية بلا معنى وتصبح الحرية في حياة الفرد نظرية في ظل شح خياراته المتوفرة، ويصبح عبدا للحاجة المادية حين يضطر إلى توفير جلّ الوقت للحصول عليها مما يبعده عن الشأن العمومي. فبدون مساواة اجتماعية تتحول الحرية إلى نقيضها، وقد انتهت المساواة المتجلية في توفير الخدمات والمنافع من دون حريات إلى نظام استبدادي، طالما أنتج أنماطا جديدة من عدم المساواة.
يذهب بشارة إلى أن النظام السياسي يستمد حصانة مع ازدياد الرقابة القضائية والشعبية على المنتخبين، وتترسخ حقوق الناس وحرياتهم، إذ تحد التعددية التنافسية المؤطرة بإجراءات ديمقراطية من تعسف الدولة، وتسمح بالمحاسبة، وتحمي حقوق المواطن وحرياته. هنا يمنح بشارة القيمة لإنجازات الديمقراطية ذاتها لا لهوية الحكام، مؤكدا أن الشعبوية «تهدد هذه الإنجازات بالذات، ولا تهدد المفاسد التي تعبئ جمهورها ضدها، والتي لا تلبث أن تمارسها نخبة جديدة» (ص33)
لكن الأزمات الاقتصادية والسياسية هي مناخ مناسب لتسويق أفكار النخبة شعبويا، ويتعمق اغتراب الناس عن السياسة حين تبدو لهم الديمقراطية غطاء إجرائيا لحكم قلة امتهنت السياسة وأتقنت استخدام هذه الإجراءات، فتبادلت اللعبة الداخلية والسلطة والقوة والنفوذ، ويشعر الناس بوهمية مشاركتهم السياسية لصالح أوساط من داخل النخب. فكيف يمكن حل مشكلة الاغتراب السياسي؟
يقترح بشارة زيادة ذات معنى للمشاركة الشعبية، وتوسيع مفهوم الحقوق بحيث تتعدى الحقوق المدنية والسياسية إلى الحقوق الاجتماعية، فحين يقتنع الناس أن الديمقراطية تحمي حقوقهم تلك، وأنها إلى جانب اشتمالها على آليات لضبط الحملات الانتخابية والمال السياسي، تشتمل كذلك على آليات من شأنها أن تمتع تعسف النظام السياسي.
هناك باحثون ليبراليون يرون الشعبوية بوصفها أحد أعراض المجتمع الجماهيري لا مجرد حركات اجتماعية متنوعة؛ مستخدمين مصطلح "الديمقراطية الشعبوية" أو "الديمقراطية المفرطة" للدلالة على الشعبوية الناتجة عن وجود أشكال للديمقراطية التمثيلية من دون تطور كاف لحكم القانون، إذ تستفيد الحركات الجماهيرية المعادية للحرية وللديمقراطية ذاتها من عملية دمقرطة لم تجتمع مع سلطة مستقرة ومحدودة الصلاحيات. يعتقد بشارة أن مشكلة هؤلاء الباحثين تكمن في تشديدهم على مخاطر تشويه تقاليد المساواة بتحويلها إلى قيم مطلقة، دون اهتمام كاف بمخاطر غياب المساواة، أحد أهم مصادر الشعبوية المعاصرة «فمكافحة الشعبوية لا تكون بالتحذير من مخاطرها، ولا بسيادة القانون فحسب، بل أيضا بمعالجة مصادرها الاجتماعية والثقافية» (ص 29)



الشعبوية الراهنة عربيا
الاهتمام بالظاهرة الشعبوية ليس خصلة غربية، وقد استخدمت منذ ما بعد الحرب العالمية الثانية وحتى اليوم لوصف أنظمة وشخصيات سياسية في دول أميركا اللاتينية، وذاع استخدام المصطلح في الخمسينيات والستينيات لوصف أنظمة عربية، ثم ما لبث أن ندر استخدامه بعد تجاوز سلطوية تلك الأنظمة وسياساتها حدود الشعبوية.
لقد نشأت بذور الشعبوية في دول العالم الثالث عموما نتيجة عملية التحديث السريع والتي أدّت في المستعمرات السابقة إلى تغير متطرف في بنية المجتمعات وثقافتها، وتضرر فئات اجتماعية تمسكت بالتقاليد والهوية، في حين نشأت فئة مثقفين ذات تطلعات ومشاريع تحديثية توجهت إلى الشعب ضد النخب القديمة من جهة، وضد الاستعمار من جهة أخرى.
يحيلنا بشارة إلى صامويل هنتنغتون الذي ذهب إلى أن عملية التحديث على المستوى النفسي تعدّ تحولا جوهريا في القيم والمواقف والتوقعات؛ إذ يختلف الأمر بين الإنسان التقليدي الذي يتوقع الاستمرارية ولا يؤمن بقدرة الفرد على التغيير، وبين الإنسان الحديث الذي يتقبل التغيير بل ويؤمن به. هذه الشخصية المتنقلة أو المتحركة (Mobile Personality"" بتعبير دانييل ليرنر) تمكّنه من التكيف مع التغيرات في بيئته، ويطال التغيير الولاءات وتحديد الهوية انتقالا من نطاق العائلة والعشيرة والقرية، إلى المجموعات الأوسع مثل الطبقة والأمة. يعتمد هذا التغيير بشكل كبير على القيم العالمية أو الشمولية، وأيضا على معايير إنجاز الفرد.

في ستينيات القرن الماضي ذهب إدوارد شيلز إلى أن مثقفي الدول النامية تعرضوا لأيديولوجيات كونية، مثل الليبرالية والاشتراكية وغيرها، وللتهميش من قبل الاستعمار من جهة ومن قبل القيادات المحلية من جهة، مما دفعهم إلى تبني أيديولوجيات تقدس نقاء الشعب وطهارته في مقابل فساد النخب القديمة، وهي أيديولوجيات قومية، وفي الوقت نفسه تقدس الشعب، لا سيما فئات الفلاحين، ضد النظام القديم والأسر التقليدية الحاكمة والإقطاع وغيره. ولعب هؤلاء دورا مهما في بناء الدول الوطنية وتحديث الاقتصاد والمجتمع، لكن ميلهم إلى الشعبوية تحول في كثير من الحالات إلى سلطوية باسم الشعب، وقمع خصومهم بوصفهم خصوم الشعب والوطن.
لاحقا تناول هنتنغتون هذا الموضوع في كتابه "النظام السياسي في مجتمعات متغيرة" (*)، وقد تناول فيه عنصر التعبئة الشعبية الواسعة الذي ينطوي عليه التحديث السريع، وإدخال جماهير واسعة في السياسة بوصفه عائقا رئيسا أمام نشوء الديمقراطيات في دول العالم الثالث.
من جهته، يتوقّع بشارة أن يكتسب المصطلح راهنيته عربيا في مرحلة الانتقال إلى الديمقراطية. فمع «تعثر موجة التحديث الأولى في العالم الثالث، وشعور فئات واسعة بالحرمان في ضوء حاجاتها الجديدة، وتضررها من الدولة السلطوية والشعبوية القومية، ومع تفكك بنى تقليدية من دون نشوء مواطنة حاملة للحقوق الاجتماعية والسياسية والحريات المدنية نشأت بيئة جديدة لأنماط جديدة من الشعبوية الساخطة إلى جانب الحراك الشعبي من أجل الديمقراطية» (ص 53).

(*) ألخّص أفكار هنتنغتون الواردة في الكتاب على النحو الآتي: يعارض هنتنغتون نظريات التحديث التي ادّعت أن التقدم الاقتصادي والاجتماعي سيؤديان إلى قيام ديمقراطيات مستقرة في المستعمرات حديثة الاستقلال، ويرفض حجتها المتمثلة في أن التغيير والتنمية الاقتصادية هما العاملان الرئيسان المسؤولان عن إنشاء أنظمة سياسية مستقرة وديمقراطية، ويؤكد أن هذه العوامل ليست مرتبطة إلى حدٍّ كبير بالتنمية السياسية؛ فالتغيرات في النظم والمؤسسات السياسية، برأيه، تحدث بسبب الاضطرابات الناشئة داخل النظام السياسي والاجتماعي مثل التحضّر، محو الأمية، التعبئة الاجتماعية والنمو الاقتصادي، وأنه يجب عدم الخلط بين مسألة وجود أو عدم وجود النظام في البلدان النامية وبين مسألة نوع هذا النظام، سواء من حيث طبيعته السياسية أو من حيث توجّهه الاقتصادي.

 
محاضرة للدكتور عزمي بشارة بعنوان الشعبوية والأزمة الدائمة للديمقراطية

الدخول

أو

سجل عن طريق

أو

هل نسيت كلمة المرور؟

أدخل عنوان بريدك الإلكتروني المستخدم للتسجيل معنا و سنقوم بإرسال بريد إلكتروني يحتوي على رابط لإعادة ضبط كلمة المرور.

شكرا

الرجاء مراجعة بريدك الالكتروني. تمّ إرسال بريد إلكتروني يوضّح الخطوات اللّازمة لإنشاء كلمة المرور الجديدة.