العرب في حاجة إلى "نيكولا بورباكي" العلم
شادي عبدالحافظ
لا تساعد مناهجنا العربية على تقريب الرياضيات للعامة (Getty)

يرعى حركة شعبنة العلوم في الوطن العربي، ويعرضها على العامة في الغالب الأعم مجموعة من الشباب الجامعي، بشكل تطوعي، فقد ظهرت بعد ثورات الربيع العربي مجموعة من المبادرات التي تركت أثراً قوياً على وسائل التواصل الاجتماعي، بل وبدأت النزول إلى الناس في الشوارع.

تحقق تلك الحركات كل يوم مكسباً إضافياً، لكن لا تزال هناك حلقة مفقودة، في ظل تلك الفوضى المعرفية المرتبطة حتماً بأجواء التدهور الاقتصادي والسياسي في الدول العربية، التزم الأكاديميون بمقاعدهم في الكليات والمراكز البحثية، وليس ذلك فقط، بل بدأ بعضهم –من على تلك المقاعد– في توجيه انتقادات لاذعة لمقدمي المحتوى العلمي المبسط متهمين إياهم بعدم التخصص وأن ذلك "مش شغلهم"! مما يستدعي حاجتنا إلى نيكولا بورباكي العرب.

من هو نيكولا بورباكي؟

كان لتزامن وفاة عالم الرياضيات الفرنسي العظيم هنري بوانكاريه سنة 1912 مع الحرب العالمية الأولى أثر عظيم على تدهور مستوى الرياضيات في فرنسا، تعددت الأبحاث واختلط الغث بالثمين، وانفصل الأكاديميون عن عموم الناس، ورقصوا فرحاً بمصطلحاتهم المعقدة والعميقة، ففي أواخر القرن التاسع عشر كانت الرياضيات قد دخلت في كل العلوم، مما دعا رجالها لمزيد من الغرور والتخصص والانفصال عن المجتمع، في تلك اللحظة الحاسمة ظهر نيكولا بورباكي!

قام مجموعة من رجال الرياضيات بوضع مشروع الغرض منه إعادة كتابة النظريات الرياضية وشرحها على أسس قوية، بجانب استخلاص الدقيق والصائب من المبادئ الرياضية المعروفة، وذلك بشكل تطوعي، كان ذلك في عام 1934 وقد قررت تلك المجموعة نشر أبحاثها تحت اسم وهمي،  نيكولا بورباكي Nicolas Bourbaki. أسس المجموعة أربعة من أساتذة الرياضيات الفرنسيين من جامعات مختلفة، يجمع بينهم ارتباطهم بمدرسة الأساتذة العليا في باريس، هم: جان ديودونيه (1906 - 1992), هنري كارتان (1904 – 2008)، أندري ويل (1906 - 1998)، كلود شوفاليي (1909 – 1984، في الحقيقة لا أحد يعرف لم بالتحديد تم اختيار ذلك الاسم: "نيكولا بورباكي".

عضو مجموعة بورباكي يجب أن يكون عمره أقل من 50 سنة، تركت المجموعة ومبادئها الغريبة أثرا عظيما في تاريخ الرياضيات، لكن من بين تلك المبادئ التي تبنتها مجموعة بورباكي، رغبتهم في تقديم صورة قابلة للتعلم من أي كتاب يصدر لهم، بمعنى أن الهدف ليس تحرير مرجع في الرياضيات تحت عنوان "عناصر الرياضيات" – وهو كتابهم الرئيسي– فقط بل تقديم شرح شامل من الصفر يحتوي على كل العناصر الجانبية والإضافية مشروحة بحيث يتمكن كل من يبدأ في هذا الكتاب– حتى إن كان غير متخصص– من الولوج إلى عالم الرياضيات المعقد بدون الحاجة لأي مصدر خارجي. لم يكن ذلك مجرد اهتمام عند مجموعة بورباكي - بل كان مبدأ أساسياً -كانت بمثابة حركة ثورية ضد اتجاه المتخصصين للاحتفاظ بهالات العظمة حول تخصصاتهم.

العـــــــــلم للجميع

كانت تلك الفكرة كفيلة بفتح باب الرياضيات مرة أخرى للجميع، بعد أن حبس المتخصصون أنفسهم في معاملهم وقاعات المحاضرات، بذلك يتمكن الطالب والفلاح والعامل في المصنع من تعلم الرياضيات المعقدة بدون صعوبة لم يكن الغرض  تبسيط الرياضيات أو الفيزياء

للعامة كما يفعل براين غرين في كتاب "الكون الأنيق" أو تايسون في كتاب "البدايات" أو ستيفن هوكينغ في "الكون في قشرة جوز"، لا، الغرض هو فتح باب التعلم من الصفر وحتى

التخصص في نظرية المجموعات أو فيزياء الكم أو فلسفة الأخلاق، مثلاً ما قصده أعضاء بورباكي هو فتح باب للجميع للعلوم الحقيقية وليس مجرد نظرة من بعيد.

غيرت فكرة بورباكي من طريقة تدريس الرياضيات في المدارس الأوروبية والأميركية على مستوى الجامعات والمدارس الثانوية في الستينيات وأعطت الباحثين عن التعلم طرقاً جديدة للفهم، تحولت كتبهم إلى مراجع أساسية لكل طلبة العلم نزل أساتذة جامعات بورباكي للشارع وتعاملت مع الجمهور بشكل مباشر، وساعد ذلك في إعادة صياغة لمفهوم تبسيط العلوم ومحاولة إيجاد طرق أقل قدرة على الانتقاص من معنى الجملة العلمية.

التنوير الحقيقي

نأتي للوضع في العالم العربي، ذلك أن مشكلة المحتوى العربي على شبكة الإنترنت وخارجه - بجانب ضعف كميته - هي ذلك الفارق الشاهق بين تبسيط العلوم والمعارف عموماً وبين الموضوعات المتخصصة والتي تكون عميقة للغاية يصعب على غير المتخصص التواصل معها، لا توجد حلقات تربط بين هذين المحتويين، إما أن تقرأ عن الفيزياء من مكان بعيد جداً يستحيل معه الدخول لأجواء الرياضيات ومعادلاتها المعقدة أو تكون متخصصا بالفعل، فتستطيع قراءة المراجع المعقدة ولا نمتلك مرحلة وسط، أو مدخلاً، يمكّن محبو الفيزياء أو البيولوجيا أو الكومبيوتر مثلاً من وضع أقدامهم على الدرجة الأولى من سلم التعلم.

ما تحتاجه منطقتنا العربية، في ظل تلك الحالة المشحونة بالطاقة والتي شملت شباب الوطن العربي في ظل فوضى قوية بعد 2011 هو نيكولا بورباكي في كل العلوم، نحتاج أن نفتح الأبواب للطلبة من غير المتخصصين، لتعلم ما يحبون، ولتكن الفيزياء أو الفلسفة أو الاقتصاد أو الاجتماع... إلخ. لقد أصرّ أعضاء بورباكي على إنكار أسمائهم، وعلى عدم تقاضي أجر مقابل عملهم، بحيث تكون تلك الخدمة مقدمة للمجتمع وللرياضيات فقط. إذا كنا نريد الحديث عن تنوير حقيقي في هذه المنطقة، فلنترك مقاعد المكاتب جانباً وننزل للشوارع ونفتح الأبواب للتعلم فيما نعرفه، ليكن التنوير على يد أمثال نيكولا بورباكي من المتخصصين، نحتاج من يساعد الطلبة لتعلم العلم نحتاج منه أن يتدخل الآن بذلك الدعم... الآن أو أبداً.