}

الشعبوية: "نحن الشعب، فمن أنتم؟".. من المصطلح إلى المفهوم(1)

حسام أبو حامد حسام أبو حامد 14 سبتمبر 2019
هنا/الآن الشعبوية: "نحن الشعب، فمن أنتم؟".. من المصطلح إلى المفهوم(1)
تُفهم الشعبوية بأنها نزعة سياسية تقوم على تقديس "الشعب"
مدخل إلى إشكالية راهنة

بات من المسلم به في الفكر السياسي المعاصر اعتبار القرن التاسع عشر إطارا زمنيا لولادة مصطلح "الشعبوية" (populism). ففي روسيا انطلقت العام 1870م حركة زراعية بميول اشتراكية هدفت إلى تحرير الفلاحين، وفي الفترة ذاتها، انطلقت في الريف الأميركي حركة احتجاجية ضد البنوك وشركات السكك الحديدية.
وقد تُفهم الشعبوية عموما على أنها نزعة سياسية تقوم على تقديس "الشعب"، وتؤمن بالتعارض بين الشعب والنخب، وأن الناس على حق والنخب الحاكمة على خطأ، تتوسل بمحورية دور الشعب في الممارسة السياسية، وتنتعش بتوظيفها مشاعر الغضب عند عامة الناس، خاصة في أوقات الكوارث، والأزمات الاقتصادية، والاضطرابات السياسية. لكن بسبب تنوع السياقات التاريخية والاجتماعية، السياسية والاقتصادية، التي تواجدت بها، ونتيجة تنوع دلالات مفهوم "الشعب" المتغيرة من شعبوية لأخرى، لم تحافظ الشعبوية منذ ظهور المصطلح على جوهر ثابت. فاكتسبت في المراحل اللاحقة مضامين مختلفة، فاختلفت شعبوية جورج بولانجيه إبان الجمهورية الفرنسية الثالثة عن شعبوية موسوليني في إيطاليا، وعن نازية هتلر في ألمانيا، واختلفت شعبوية ستالين في الاتحاد السوفييتي السابق عنها في "ثورة" ماو تسي تونغ الثقافية الصينية.

انكفأت الشعبوية في أوروبا بعيد الحرب العالمية الثانية، لتنشط في دول العالم الثالث، مكتسبة مضامين جديدة مع قومية عبد الناصر، وجماهيرية القذافي، وتحولت الى حركات شعبية بإيحاءات وطنية واجتماعية أسقطت من حساباتها النضال الطبقي، مع خوان بيرون في الأرجنتين، وغيتوليو فارغاس زعيم حزب العمال غير الاشتراكي في البرازيل، وغيرهما. واستمر مصطلح الشعبوية في ثمانينيات القرن الماضي، مع عودة المحافظين إلى الحكم في عهد مارغريت تاتشر (بريطانيا) ورونالد ريغان (الولايات المتحدة الأميركية) وفي الردة العنيفة تجاه موجة التعدد الثقافي التي عرفتها الجامعات آنذاك. وفي تسعينياته، حمّل مفكرون العولمة مسؤولية صعود التيارات الشعبوية الذي يترافق مع إنشاء منظمة التجارة العالمية، وتحرير التدفقات المالية الدولية، وتباطؤ النمو العالمي، وتفاقم عدم المساواة في الدخل والثروة، وانعدام الأمن الاقتصادي، وتزايد موجات الهجرة العالمية.
مع مطلع الألفية الثالثة، تقدمت الحركات الشعبوية في الاستحقاقات الانتخابية متشاركة قضايا: الهجرة واللجوء، سياسات التقشف المالي التي أثّرت على الانفاق الحكومي والخدمات الحكومية، النزعة القومية، الدفاع عن الهوية الوطنية، التركيز على سياسات الدفاع، والموقف السلبي من حقوق الإنسان.
في العام 2016 تردد المصطلح بشكل غير مسبوق في المنابر الإعلامية عند كل عملية اقتراع، بدءا من الاستفتاء البريطاني للخروج من الاتحاد الأوروبي، مرورا بحملة دونالد ترامب الانتخابية، ولما ينتهي الجدل حوله بعد الاستفتاء حول التعديلات الدستورية في إيطاليا، إثر فوز حركة خمس نجوم الشعبوية الرافضة لهذه التعديلات. ولا يزال البعض يرى شعبوية في أي خطاب سطحي يهدف الى تعبئة الجمهور واستثارته عاطفيا بعيدا عن أي حكم نقدي، كما في خطاب الجبهة الوطنية الفرنسية، وأحزاب البديل الألماني، ويوديموس الإسباني، والحرية النمساوي، وحركة النجوم الخمس في إيطاليا، وحزب الاستقلال البريطاني. وتمثلت لدى البعض في أشخاص كاريزميين يمتلكون مهارات خاصة في القيادة وقدرة على السيطرة على توجهات الجمهور وفق دعاياتهم وخطابهم الثقافي البسيط، فوصف بالشعبوية كل من: دونالد ترامب في أميركا، وفلاديمير بوتين في روسيا، وأردوغان في تركيا.


المصطلح
المصطلح لا يزال غامضا، تتعدد دلالاته حد التناقض أحيانا، وإن وجد مارك فلورباني أن

الشعبوية تتمثل في بحث سياسيين يحظون بكاريزما عن دعم شعبي مباشر في خطاب عام يتحدى المؤسسات التقليدية، يقدمون أنفسهم ممثلين للمواطنين العاديين، أو ما يسمى الطبقات المنسية، فإن جان فيرنر مولر يعتبر العداء للبحث والمؤسسة معيارا غير كاف، لأنه يصم كل من ينتقد الوضع القائم بأنه شعبوي، مما يؤدي إلى مزيد من التشويش، فهناك أوضاع كثيرة قائمة لا تستحق النقد وحسب، بل والنقض أيضا. لذلك يقترح أن أهم ما في الشعوبية هو عداؤها للتعددية وزعمها أنها هي وحدها تمثل الشعب الحقيقي. وعلى ذلك يمكن أن نصم بالشعبوية تلك الصرخة التي صدح بها نايغل فاراغ، زعيم حزب الاستقلال البريطاني، بعد بريكسيت، بأن النصر تحقق لـ"الشعب الحقيقي" طاردا من خانة الجماعة السياسية وعضويتها 48% من البريطانيين الذين صوتوا ضد بريكسيت. إن منطق الشعبوية عموما هو "من لم يؤيدنا ويوافقنا الرأي ليس من الشعب"، فحين رد الرئيس التركي رجب طيب أردوغان على منتقديه قال في إحدى خطبه: "نحن الشعب. من أنتم؟".
أوليفييه إيهل لا يزال يرى صعوبة في تحديد معنى الشعبوية، لكونها ليست مفهوما بل مصطلح، لا يستخدم للتحديد بقدر ما يتم استخدامه للتنديد (صعوبات تعريف المصطلح تتعلق في أحد وجوهها بالتوصل إلى تعريف إيجابي للشعبوية). هذا الاستخدام بالنسبة لإيهل أيضا، يختلف بحسب التقليد، فبينما تشير الشعبوية في أميركا اللاتينية إلى الحركات اليسارية، فإنها في أوروبا تعني عادة اليمين المتطرف. وفي تحليله للشعبوية، متناولا النموذج البريطاني، يميز جون أستوري بين الثقافة المشتركة التي تتقاسمها جميع الطبقات، وثقافة منفصلة تنتهجها الطبقة المسيطرة في المجتمع. ويرى أن ثقافة النخبة لم تعد هي الثقافة السائدة، فهناك ثقافة شعبية يمكن ملؤها بمفاهيم مغلوطة ومتناقضة تبعا لسياق الاستعمال.
أسهمت هيمنة الاتحاد الأوروبي على السياسات العامة للدول الأوروبية، والقلق الاجتماعي حيال تدفق المهاجرين، في إيجاد مدخل لليمين المتطرف لانتقاد الديمقراطية الليبرالية. وقد دق صعود الحركات الشعبوية ناقوس الخطر لدى المدافعين عن الديمقراطية الرافضين لتك السياسة المبنية على أسس تمييزية، التي يمكن برأيهم أن تزلزل مستقبلا القاعدة السياسية المؤسسة للنظم الغربية المستقرة، وتهدد بالانزلاق في الكراهية والتحيز، بسبب تحمل مجموعات "من الغوغاء" مسؤولية رسم سياسات، ومعالجة مشكلات، قد تواجهها كافة طبقات المجتمع.
ما هي ماهية الشعبوية؟ هل هي خطاب فكري، أم مهارة معينة في اجتذاب الناس؟ هل نحن أمام شعبوية أم شعبويات؟ هل الحركات الموصوفة بالشعبوية هي حقا كذلك، وتشكل خطرا على الديمقراطيات الغربية، أم أن الحركات الموصوفة بالشعبوية في تلك الساحة السياسية إنما هي في حقيقتها حركات نتجت عن أزمة الديمقراطية التمثيلية لانتزاع مزيد من المطالب الجماهيرية؟ ماهي ملامح الشعبوية السياسية عربيا وإسلاميا وكيف تختلف عن الشعبوية في الغرب؟ ما هي امتداداتها إعلاميا وثقافيا (فنيا وأدبيا)، وهل تلغي الشعبوية في هذا السياق القيمة الأدبية؟
نفتح في "ضفة ثالثة"، بدءاً من هذا الجزء، ملفا حول الشعبوية سياسيا وثقافيا، فقصدنا عددا من الباحثين والكتاب المهتمين بالظاهرة في تجلياتها المتنوعة، وما يتصل بها نظريا وعمليا، وطرحنا عليهم تلك التساؤلات، وغيرها، بهدف مزيد من التأمل الفكري يكون مفيدا على طريق التأسيس لجهد بحثي قادر على الانتقال بالشعبوية من مستوى المصطلح إلى مستوى المفهوم، حتى يتيح القبض المفهومي على الظاهرة القدرة على التعامل معها وتوجيهها.
وهي دعوة مفتوحة لكل من يرغب في إثراء هذا النقاش.


الشعبوية: إشكاليات التعريف والمنهج
في كتابها "رجال الشرفات" (بيروت: دار الفارابي، 2012) تذهب منى خويص إلى أن

المصطلح لم يحظ بالاهتمام الكافي مقارنة بغيره من مصطلحات العلوم السياسية، مما أعاق استنباط تعريف محدد وواضح له، وبقيت معظم التعريفات التي تصدت لتحديده ضبابية، ولم تنل الشعبوية، حتى اللحظة، تعريفها المحدد في البحث التاريخي وبقي تعريفها عاماً، ولم ينفد إلى كنهها الخاص. إنَّ هذا النقص يحفّز على بذل جهد إبداعي للمؤرخين لإدراك سبل غير نمطية تساعد على لحظ تعريف محدّد للشعبوية، تعريف إيجابي، وليس سلبياً يشوبه الخلط بينها وبين تعريفات ظواهر أخرى. يقود هذا التفكير لطرح منهجية التأمل التاريخي، لتوّسل إيجاد التعريف الإيجابي والواضح لهذا المصطلح أو المفهوم. فالمنهجية البحثية التاريخية التقليدية هي مسار من الربط والمقاربة وإيجاد صلات العِبَر التاريخية بين الأحداث، مع أنّ ما نسميه اصطلاحاً بالمنهجية التأملية التاريخية، كما تذهب خويص، يعني الانقياد المتأني وراء الحدس التاريخي. ووفقاً لهذه المنهجية الأخيرة، يصبح للظاهرة التاريخية جانبان اثنان، جانب علمي في النظر إليه، وجانب تأملي في قياس خاصياته.
انكفأت الشعبوية في أوروبا ما بعد الحرب العالمية الثانية، لتزدهر في معظم دول العالم الثالث، التي كانت بحاجة إلى خطاب عاطفي بغية حشد الجماهير في معارك من أجل الوطن والاستقلال عن المستعمر. أما مأزق الشعبوية اليوم في أوروبا فيتمثل في ترافقها مع خطاب يميني وديني متطرف، ينزع نحو تفتيت لحمة المجتمعات بالإساءة إلى بعضها المختلف. وتدعو خويص إلى إدانة هذه الظاهرة المرضية المتكررة والمتجددة في سلوك القادة الحديثين السياسي والثقافي والاجتماعي، محصنين من اللوم التاريخي الإنساني في غياب مفهوم تاريخي إنساني يؤبّد إدانتها، حين ترك البحث التاريخي الوجه التعريفي للظاهرة ملتبسا، وخلط بينه وبين ظواهر أخرى وأيديولوجيا شمولية.
لتظهير المصطلح قدمت منى خويص في كتابها دراسة تحليلية للظاهرة عبر تتبع الحركات الموصوفة بالشعبوية التي ظهرت على مجمل الخارطة السياسية العالمية لتحفر في الخطب السياسية، وأشكال الحكم، والشخصيات القيادية، بحثا عن مكونات تلك الظاهرة المركبة، التي يتداخل فيها الإنساني بالسياسي والثقافي بالوجداني، وتداهمها ملامح ديكتاتورية وفاشية، فهي ليست ظاهرة داخل التاريخ فقط، بل هي أيضا حياة داخله.


الشعبوية: الشر السياسي
في كتابه "الهوية: المطالبة بالكرامة وسياسات النقمة"، يربط فرنسيس فوكوياما بين صعود سياسات الهوية وانحطاط الديمقراطية. فهل تهدد فعلا الشعبوية السلطوية مستقبل الديمقراطية الليبرالية، أم هي نتيجة لتراجع تلك الديمقراطية؟
توجهنا بهذا السؤال إلى الباحثة والإعلامية اللبنانية منى خويص، فأجابتنا:
لطالما تمَّ التعاطي مع الشعبوية كأحد مكونات الفاشية والديكتاتورية وحتى الديمقراطية الشعبية. ولكن البحث في هذه الظاهرة توصَّل أولاً إلى أن الشعبوية تتضمن ملامح من كل ما ذكرناه، هي خطاب سياسي تستعمله الحركات المتطرفة كما تستعمله أيضا الحركات السياسية على الضفة الأخرى المقابلة لها، والشعبوية كحركة تتجلى بأبهى صورها عندما تتمكن القوى التي تتبنى الخطاب الشعبوي من الإمساك بالسلطة وفرض نفسها كمناخ عام يسود المجتمع، وتلك الصورة نجدها في المجتمعات التي تتحقق فيها وحدانية انقياد المجتمع خلف قادته، في المجتمعات التي تتشابه فيها الملايين داخل مفهوم واحد للثقافة والسياسة والاجتماع.
الشعبوية قائد ملهم وجمهور منقاد بشكل أعمى خلفه ومجتمع منغلق على نفسه، هي قيادة تكرر التاريخ، والأمس الذي يعاد إنتاجه. أما القائد الشعبوي فهو القائد الآتي من الماضي مما يعتبر مقدساً في الوجدان الجماهيري. والشعبوية لطالما كانت حركة تقف بوجه الدولة والمؤسسات لتحل محلها كما أنها حركة تقف بوجه كل النخب في المجتمع من فكرية وتكنوقراطية وبيروقراطية، كما أن أخطر ما فيها أنها حركة إلغائية لا تعترف بالآخر فحسب، بل تصب كل جهدها لإلغائه وتصفيته بكل الوسائل المتاحة.
تعتبر الظاهرة الشعبوية أحد أبرز أمراض الأنظمة الديمقراطية في واقعنا الراهن، وتقوم على سياسات وشعارات وحملات تحريض باسم «الشعب»، لكنها بالنتيجة تؤدي إلى تخريب الواقع السياسي والاجتماعي وإلى هدم مؤسسات الدولة.  فالسياسات الشعبوية تضع رجلاً أو فئة معينة حزبية أو طائفية أو عرقية محل الدولة ومؤسساتها، وهي تريد تجاوز الدولة والدساتير والقوانين باسم «إرادة شعبية» مزعومة، وطبعاً أبرز النتائج الكارثية هي تهديم الدولة ليحل محلها «قائد أو عائلة أو قبيلة أو طائفة أو عرق»، وفِي التاريخ أمثلة كثيرة عن القادة الشعبويين على مجمل خارطة العالم.

منذ الحرب العالمية الثانية، انكفأت الشعبوية في أوروبا وانتعشت في دول العالم الثالث. أما اليوم فيبدو أنها عادت الى الواجهة في الغرب مع صعود حركات اليمين المتطرف وتمكنها من الوصول إلى السلطة عبر الانتخابات، الأمر الذي أقلق النخب هناك. والجدل مثار حتى الآن بين المفكرين حول مخاطر صعود الشعبويين وإمكانية تهديد الديمقراطية في الغرب وهم ينقسمون بين من يحذرون من خطرها على الديمقراطية هناك، وبين من يتطلعون إلى الحركات التي يصفونها بالشعبوية كحركات نشأت عن أزمة في الديمقراطية التمثيلية، وهي تهدف إلى انتزاع مزيد من المطالب التي يشعر المواطنون أنهم بحاجة إلى تحقيقها. كذلك ثمة تيار آخر يرى أن الغرب يعاني اليوم فعلاً من عودة للشعبوية إلا أنها عودة غير مقلقة، ولا تنذر بأي مؤشرات خطرة، ولا تستدعي المخاوف، لا على الديمقراطية ولا على الحياة السياسية، بحيث أن الذين ينتمون إلى اليمين المتطرف في الغرب ويتمكنون من حصد أصوات الناخبين للوصول إلى السلطة يستخدمون الخطب الشعبوية، ويتلاعبون بعواطف الناس وغرائزها ويطلقون وعوداً كثيرة بالتغيير إلا أنهم لا يحققون منها إلا القليل، كما أن أحداً منهم لم ولا يتجاوز المؤسسات والدولة وهذا الأمر يشكل صمام أمان للديمقراطية. فبريكسيت في بريطانيا حتى مع إصرار رئيس الحكومة الجديد بوريس جونسون على تطبيقه دون اتفاق مع الاتحاد الأوروبي قرار أسقطه البرلمان وصدق في الوقت نفسه على قانون يمنع رئيس الحكومة من إخراج البلاد من الاتحاد الأوروبي المقبل دون اتفاق. كما منحت ملكة بريطانيا موافقتها الرسمية على القانون الذي يُرغم الحكومة على تأجيل بريكسيت إذا لم تتمكن من التوصل إلى اتفاق مع بروكسل للخروج من الاتحاد الأوروبي.
إذاً وجود الدولة والمؤسسات في الغرب يقف كجدار صلب بوجه الشعبويين والشعبوية، كون هذه الأخيرة هي حركة تقف بوجه الدولة وهي قادرة على تقويضها إذا لم تكن مؤسساتها محصنة كما هي الحال في منطقتنا، على سبيل المثال، بحيث تمكن عدد كبير من شعبويي المنطقة من الانتصار على الدول لضعف هذه الأخيرة وهشاشة مؤسساتها. والأمثلة كثيرة على مجمل الخريطة العربية، فلنأخذ لبنان على سبيل المثال الذي تستفحل فيه الظاهرة الشعبوية نتيجة تغييب الدولة منذ أكثر من أربعة عقود، ولأن اتفاق الطائف لم تتم ترجمته بمؤسسات قوية، إضافة إلى فشل مشروع بناء الدولة بعد انتهاء الحرب، استطاعت الشعبوية أن تحضر وبقوة في الواقع اللبناني، فثمة تيارات وأحزاب وحركات كثيرة تهيمن على سلوكياتها وسياساتها وشعاراتها والأهم على «خطابها» الشعبوي، بمعنى تغييب مصلحة الدولة ومؤسساتها باسم الشعب أو الطائفة أو المذهب أو العشيرة، وفي السنوات الأخيرة من حياتنا السياسية اقتربت المذهبية كثيراً من الشعبوية كمرجعية في السلوك السياسي لكثير من القيادات والمرجعيات الأمر الذي سيعطل قيام مشروع الدولة.
في المحصلة الشعبوية كحركة يصح أن يطلق عليها توصيف "الشر السياسي" كونها تقوم على تضليل الجماهير والتعمية على الحقائق وتسعى إلى ضرب الدولة والمؤسسات فيها وتقف بوجه كل النخب في المجتمع وتخنق كل صوت فيه لتبقي فقط صوت المعركة وحده عالياً.

الدخول

أو

سجل عن طريق

أو

هل نسيت كلمة المرور؟

أدخل عنوان بريدك الإلكتروني المستخدم للتسجيل معنا و سنقوم بإرسال بريد إلكتروني يحتوي على رابط لإعادة ضبط كلمة المرور.

شكرا

الرجاء مراجعة بريدك الالكتروني. تمّ إرسال بريد إلكتروني يوضّح الخطوات اللّازمة لإنشاء كلمة المرور الجديدة.