تغير المناخ يضرب مزارعي الساحل السوري بأرزاقهم

11 مايو 2024
الزراعة في ريف حلب شمال غربي سورية، 22 فبراير 2022 (Getty)
+ الخط -
اظهر الملخص
- مزارعو الساحل السوري يعانون من خسائر فادحة في محاصيلهم بسبب تغير المناخ وعاصفة مطرية، مؤثرة على التبغ، الزيتون، واللوزيات.
- العاصفة أضرت بمحاصيل متعددة مثل التبغ والتفاح، مما يؤثر على الأسعار ويزيد معاناة المزارعين الذين يعتمدون على الزراعة كمصدر دخل.
- وزير الاقتصاد في الحكومة السورية المؤقتة يعد بتعويضات للمزارعين المتضررين، مشيرًا إلى تأثير العواصف على كمية المحاصيل وارتفاع الأسعار.

ارتفعت أصوات مزارعي الساحل السوري بالشكوى بعد أن تضررت محاصيلهم الزراعية جراء تغير المناخ والعاصفة المطرية المصحوبة بالبرد التي ضربت المنطقة الأربعاء الماضي، وأتت بحسب ما نقلت وسائل إعلام محلية، على محاصيل التبغ والزراعات الصيفية، ولم تنج الأشجار المثمرة، كالزيتون واللوزيات.

ووصف المزارع معد حسون من قرية الهنادي في محافظة اللاذقية الوضع بالكارثة، وقال إن "تعبنا ذهب سدى وضاع الموسم". وأشار العامل السابق بميناء اللاذقية والمتفرغ للعمل الزراعي، خلال اتصال هاتفي بـ"العربي الجديد"، إلى أنّ تغير المناخ والأمطار أدّيا إلى سقوط زهر الزيتون وعقده وبعض ثمار اللوزيات، بعد أن قضت قضاءً شبه كامل على محاصيل التبغ التي تختص مدن الساحل بزراعتها.

وفي حين لم تظهر بعد، كامل حجم الأضرار، تعالت، بحسب حسون، المطالبات بتعويض مزارعي الساحل السوري عن الأضرار، "لأن معيشة الأسر في القرى الساحلية مرتبطة بالمواسم الزراعية"، مضيفاً أنه "بعد هذه الكارثة، يخيم الحزن والحيرة على معظم سكان المنطقة الذين يخشون تأخر التعويضات وعدم عدالتها كما يحدث خلال الحرائق". وتشترط قوانين صندوق التخفيف من آثار الجفاف والكوارث الطبيعية التابع لوزارة الزارعة، أن تتجاوز الأضرار 5% من إجمالي المساحة المزروعة، وأن يزيد حجم الضرر عن 50% من الإنتاج الزراعي. 

أضرار كبيرة جراء تغير المناخ

وكانت محافظتا حمص وحماة وسط سورية إضافة إلى مدن اللاذقية وطرطوس الساحلية قد شهدت، يوم الأربعاء الماضي، عاصفة مطرية محملة بالبَرَد سبّبت أضراراً كبيرة على المحاصيل الزراعية الموسمية. وبحسب مصادر إعلامية سورية، تأثرت محافظة طرطوس الساحلية تأثُّراً كبيراً. وقال رئيس دائرة صندوق الجفاف والكوارث الطبيعية في مديرية زراعة طرطوس، حيدر شاهين، في تصريحات صحافية، إن موجات البرد الشديدة ألحقت أضراراً كبيرة على محصول التبغ في منطقة القدموس وعلى محصول التفاح في منطقة صافيتا، مضيفاً أن لجان الصندوق ودوائر الزراعة باشرت بحصر الأضرار الأولية الناتجة عن العاصفة.

وامتدت العاصفة المطرية إلى وسط سورية فأثّرت على محاصيل التفاح والعنب والزيتون في محافظة حمص، بعد أن أتت على موسم الحبوب الجاهز للحصاد، خاصة العدس الذي تضرر بنسبة 100% بحسب رئيس جمعية كفرام الفلاحية عدنان ديب، الذي أشار في تصريح إعلامي إلى أن عاصفة البَرَد أتت على معظم أراضي قرية كفرام البالغة 4130 دونماً، مزروعة بالأشجار المثمرة مثل التفاح والخوخ والدراق والزيتون.

ولم تكن اللاذقية بمنأى عن أضرار تغير المناخ والعاصفة، بل نال هطلُ البَرَد من مزارع التبغ، بحسب مدير زراعة اللاذقية، باسم دوبا الذي أشار، في تصريحات إعلامية، إلى تضرر موسم التبغ وتأذي محصول الأشجار المثمرة، ولا سيما ريف القرداحة، والحفة وملاخا وبرمانة المشايخ، مقدراً نسبة الأضرار بين 70 و100% في ما يخص الأشجار المثمرة. 

كما طاولت آثار العاصفة الرعدية محافظة حماة، وريفها الغربي خاصة، محدثة أضراراً متفاوتة بمواسم القمح والأشجار المثمرة والنباتات الطبية، بعد أن آذت مراكز المشاتل وإكثار البذار، وفقاً لتصريحات مدير فرع إكثار البذار في حماة، عثمان الدعيمس، الذي أكد في تصريحات إعلامية، أنّ "العاصفة المطرية المصحوبة بحبات بَرَد سبّبت تضرر نحو 64 بيتاً شبكياً من أصل 168، تتبع للمشروع الوطني لإكثار بذار البطاطا". 

أضرار كارثية 

ويرى المهندس الزراعي، يحيى تناري، أن العاصفة الناجمة عن تغير المناخ وأسباب أخرى، ألحقت أضراراً بالغة وكارثية بالمحاصيل الزراعية، حيث أثرت على شتل التبغ حديث الزراعة والتي أتلفته بنسبة 90%، ونالت من ثمار الأشجار المثمرة بين 70 و80%، ولم تسلم حقول القمح والعدس والكمون في محافظة حماة من أضرار العاصفة، والتي كان المزارعون يستعدون لحصادها.

وأضاف تناري، في حديث لـ"العربي الجديد" أن أكثر الأضرار، إضافة إلى الأشجار المثمرة والتبغ في مناطق الساحل السوري، كانت الخضروات الصيفية، سواء المحمية ببيوت بلاستيكية أو المكشوفة مثل الخيار والكوسا والبندورة، مذكراً بأن العاصفة المطرية التي ضربت شمالي سورية ولا سيما محافظتي إدلب وريف حلب أو ما يطلق عليها المناطق المحررة الأسبوع قبل الماضي، أثرت كثيراً على موسم الحبوب، كما آذت موسم النباتات العطرية وهي زراعات اختصت بها المنطقة في السنوات الأخيرة.

وحول آثار العواصف على موسم الحبوب والخضر وارتفاع الأسعار، أشار المهندس الزراعي إلى أن الأضرار لم تحص بعد، ففي ما يخص القمح لن يتأثر كثيراً لأن مناطق زراعته الأولى في شمال شرقي سورية ولا سيما في مدن الجزيرة الحسكة والرقة ودير الزور، لكن الآثار كبيرة على محصول التبغ وموسم الفواكه الصيفية التي سيقل عرضها في السوق وترتفع أسعارها، مبيناً أن الآثار المباشرة ستكون على الأسر والمزارعين الذين تكبدوا مصاريف الزراعة والسماد وينتظرون الموسم لتسديد الديون ونفقات المعيشة، لأن مواسم حقولهم هو الدخل الوحيد لمعظم سكان الريف السوري.

ولعل الأزمة المضاعفة، بحسب تناري، أن صندوق التخفيف من آثار الجفاف والكوارث الطبيعية "لا يعوّض بالعادة، أكثر من 10% من تكاليف الإنتاج، بعد جولات حصر الأضرار ومعاملات روتينية، ما يعني خسائر الفلاحين وكارثة معيشية حقيقية للمزارعين هذا العام، لأن التعويض لن يكون عادلاً مهما رفعوا النسبة". 

تعويض المزارعين في الشمال السوري 

من جانبه، قال وزير الاقتصاد في الحكومة السورية المؤقتة (المعارضة)، عبد الحكيم المصري لـ"العربي الجديد"، إنّ الأضرار الزراعية تفاوتت بعد العواصف المطرية شمالي سورية الأسبوع قبل الماضي وبين الأضرار التي ضربت مناطق وسط سورية والساحل الأربعاء الماضي، "لكنها بالمجمل، مؤسفة وتعد كارثة للمزارعين الذين تكبدوا العناء والمصاريف الكبيرة وينتظرون الموسم".

وأشار المصري، في حديث لـ"العربي الجديد"، إلى أن الأراضي الزراعية شمالي سورية في مناطق إدلب وريف حلب، "تأثرت تأثراً محدوداً نظراً إلى قلة الأشجار المثمرة وعدم اصطحاب العواصف البرد والرياح الشديدة كما الساحل، بل اقتصر الأمر على أمطار شديدة، أثرت على بعض أشجار الزيتون، لأنها تركزت في مناطق قليلة الشجر مثل أعزاز، ولم تهطل في منطقة عفرين الكثيفة بأشجار الزيتون". 

وأكد أن هذا "لا يعني عدم الأضرار، سواء على محصول القمح الذي أصيب بعضه بالضجعان (تضرر النبات وميله)، إلا أن وفرة الموسم وطول سيقان القمح حمته قليلاً، وتأثرت الزراعات الزيتية والدوائية قليلاً مثل الكمون والكزبرة وحبة البركة واليانسون، ما يمكننا تقدير الأضرار بعد جولات قمنا بها بين 20 و30% لبعض الحقول والمزارع".

وأضاف المصري أن الأضرار التي لحقت ببعض حقول مدن الساحل السوري ومزارعه جراء تغير المناخ "بلغت أكثر من 70% بعد عاصفة البرد التي ضربت المنطقة الأربعاء الماضي، وبحكم طبيعة الزراعة في تلك المدن، كانت الآثار كبيرة، خاصة على موسم التبغ الذي تضرر بنسبة 90%، ولم تسلم أشجار التفاح واللوزيات وحتى الزيتون من الأضرار وإن بنسب أقل من التبغ والخضروات الصيفية".

وحول التعويضات أكد المصري قيامه بجولات على الحقول والمزارع بعد العاصفة، واعداً بأنه "سيتم التعويض عن الأضرار الكبيرة، في حين أنّ نظام بشار الأسد لا يعوض إلا الزارعات المتضررة في مناطق سيطرته، وبنسبة قليلة لا تصل إلى حجم خسائر الفلاحين".

ولفت المصري إلى أنّ "خسائر الفلاحين في مدن الساحل كبيرة ولا بد من تعويضهم بنسب الخسائر وأكثر، كما لا بد من تضمين الأشجار المثمرة ضمن تعويض الخسائر"، مشيراً إلى أن العواصف المطرية والرعدية التي ضربت مناطق عدة في سورية، "سوف تؤثر على كمية المحاصيل ولا شك، الأمر الذي سيرفع من مستوى الأسعار ويزيد حاجة السوريين وعوزهم، خاصة في مناطق سيطرة الأسد التي تزيد نسبة الفقر فيها عن 90% وترتفع الأسعار ارتفاعاً متواصلاً".

وقالت مصادر لـ"العربي الجديد" إنّ مزارعي الساحل السوي ووسط البلاد، يأملون في الحصول على تعويضات تغطي الخسائر التي طاولت محاصيلهم الزراعية، علماً أن المناطق الزراعية في الساحل السوري شهدت الشهر الماضي عاصفة مطرية مترافقة مع هطل غزير لحبات البرد سبّبت أضراراً في موسم الحمضيات والبيوت المحمية والأنفاق البلاستيكية، ما أدى إلى مضاعفة مأساة المزارعين الذين يعانون في الأساس نقص الدعم الزراعي وارتفاع أسعار مستلزمات الإنتاج، وأسعار محاصيل متدنية واستغلال التسعير الحكومي وجشع التجار، وهو الأمر الذي يضيق هامش ربح الفلاح ويوقعه، كما الحال اليوم، بخسائر وديون.

المساهمون