2025…نكبة 2023 بقيت وتمددت

29 ديسمبر 2025   |  آخر تحديث: 08:48 (توقيت القدس)
أطفال قطاع غزة ضحايا جرائم إسرائيل، مدينة غزة 2025/12/20 (فاضل المغاري/الأناضول)
+ الخط -

استمع إلى الملخص

اظهر الملخص
- في عام 2025، احتلت إسرائيل قطاع غزة بالكامل، مما أدى إلى تهجير مليوني شخص وتدمير 90% من القطاع، وامتدت النكبة إلى الضفة الغربية مع تدمير مخيمات وزيادة الاستيطان.
- تم التوصل إلى وقف إطلاق النار بضغط دولي وفق خطة ترامب، مع فرض وصاية على الفلسطينيين، وزادت عزلتها الدولية مع محاكمة قادتها بتهم الإبادة الجماعية.
- رغم النكبات، يظل الشعب الفلسطيني صامدًا، مع توقع تغيير سياسي يتيح لقيادات جديدة مواصلة النضال لتحقيق السيادة والاستقلال.

بدايةً ومنهجيًا، لا شك أنّ نكبة فلسطين الأولى عام 1948 ما تزال باقية وتتمدد لسنوات وعقود مع العجز؛ رغم صمود الشعب الفلسطيني الأسطوري، عن إزالة أثارها، وتحرير فلسطين، ولكننا نتحدث هنا عن الحرب/ العدوان على قطاع غزّة ونكبة 2023، التّي تمددت خلال العام المنصرم 2025 مع الاحتلال الإسرائيلي فعليًا وناريًا وعملياتيًا لكامل القطاع ،وتدمير 90% منه تقريبًا، كما تمددت النكبة كذلك إلى الضفّة الغربية عمومًا، وشمالها تحديدًا، عبر تدمير مخيّمات جنين وطولكرم ونور شمس، وتهجير أهلها، وتغوّل وتمدّد الاستيطان في كامل الضفّة الغربية، خصوصًا في المنطقة المصنفة "ج"، التّي تمثّل 60% من مساحة الضفّة، مع ذلك كلّه ورغم النكبات المتتالية لا يزال الاحتلال عاجزًا عن فرض الهزيمة والاستسلام حربًا أو سلمًا على الشعب الفلسطيني الصامد والعنيد.

إذن، كان عام 2025 عام تمدد النكبة في قطاع غزّة مع احتلال كامل القطاع إسرائيليًا، وتدمير وتهجير 90% من البشر والحجر والشجر هناك، مع أرقام صادمة لأعداد الشهداء والجرحى (ربع مليون على الأقلّ)، والمهجّرين والنازحين (نحو مليونين)، كما توسّعت النكبة وممارسات الاحتلال وجرائمه خلال 2025 لدرجة حدوث المجاعة لأول مرّة في تاريخ القطاع، الذي كان مكتفيًا ذاتيًا كما قالت الأمم المتّحدة، حتّى تحت الحصار في العشرينية التّي سبقت الحرب، وهو أمر غير مسبوق في تاريخ الشعب الفلسطيني، وربّما المنطقة العربية كلّها.

شهد العام نفسه التوصّل إلى اتّفاق وقف إطلاق النار، بضغط عربي وإسلامي ودولي، وفق خطة الرئيس الأميركي دونالد ترامب، ما أوقف الإبادة والمقتلة والمجاعة، ولكنها؛ أيّ الخطة، تفرض من جهة أخرى ما يشبه الوصاية على الشعب الفلسطيني لمدّة عامين على الأقلّ، حسب القرار الأممي 2803، الصادر عن مجلس الأمن، الذي شرعن الخطة، وأعطى مهلةً لمدّة عامين قابلةً للتمديد لتنفيذها.

على الرغم من ما سبق كلّه، لم تمر جرائم إسرائيل من دون عقاب ومحاسبة، وبأثمان باهظة مع تزايد عزلتها دوليًا، وجلبها رفقة قادتها إلى ساحات المحاكم الدولية والوطنية

شهد نهاية العام طيّ المرحلة الأولى من الخطة/ الاتّفاق، التّي شملت وقف إطلاق النار، وتبادل الأسرى، وإدخال المساعدات الإنسانية، وانسحاب/ إعادة انتشار جزئي لجيش الاحتلال على ثلثي مساحة القطاع تقريبًا، وفق ما يعرف بالخط الأصفر، مع  مماطلة إسرائيلية معتادة، وسعيه لبقاء الواقع الراهن، وتحول الخط إلى حدود دائمة، كما قال رئيس أركان جيش الاحتلال إيال زمير، وحشر مليوني فلسطيني في ثلث القطاع المدمر، ونقاش مستمر عربيًا وإسلاميًا ودوليًا، مع غياب فلسطيني مدوٍّ، حول بنود المرحلة الثانية المعقدة والمتداخلة واستحقاقاتها، التّي تشمل الانسحاب  الإسرائيلي الكامل، وتشكيل مجلس السلام، وقوّة الاستقرار الدولية، والهيئة الوطنية الحاكمة لقطاع غزّة، والشرطة المحلية التّي ستتولى حفظ الأمن والاستقرار،  وخطط إعادة الإعمار، وكيف يمكن تطبيق المرحلة بأمانة ونزاهة، بما ينهي الاحتلال، ويمنع الوصاية الأجنبية على الفلسطينيين ويمكّنهم من حكم أنفسهم بأنفسهم، ضمن أفق ومسار سياسي جدى نحو إقامة الدولة الفلسطينية وتقرير المصير.

خلال العام نفسه تمددت النكبة ولو جزئيًا إلى الضفّة الغربية، مع استنساخ الاحتلال نموذج غزّة، أو للدقة الجريمة المرتكبة في قطاع غزّة، في شمال الضفّة الغربية، وتحديدًا في مخيّمات جنين وطولكرم ونور شمس، عبر تدميرها وتهجير أهلها وتشريدهم، واستغلال ذلك لتسريع وتيرة الاستيطان، خصوصًا في المناطق "ج"، البالغة 60% من مساحة الضفّة، مع إعادة مشروع E1  الاستيطاني (الذي يفصل شمال الضفّة عن جنوبها، ويمنع عمليًا إقامة دولة فلسطينية مستقلة متصلة جغرافيًا وقابلة للحياة) إلى جدول الأعمال، وتشريع 69  بؤرة استيطانية خلال عام 2025، واتخاذ قرار بناء 19 مستوطنة جديدة، لإجهاض أيّ إمكانية لإقامة الدولة الفلسطينية، كما تباهى منذ أيّام  بتسلئيل سموتريتش، وزير المالية ونائب وزير الدفاع،  وأحد أركان حكومة الاحتلال الثلاثة، رفقة بنيامين نتنياهو وإيتمار بن غفير، الحكومة الأكثر تطرفًا في تاريخ الدولة العبرية.

نبقى في سياق الضفّة التي زارها مراسل الغارديان إيوين ماكاسكيل شهر نوفمبر/تشرين الثاني الماضي لأول مرّة منذ عشرين عامًا، والذي عبر عن صدمته، كونه وجد الأوضاع سيئةً جدًا، وأكثر مما تصور هو شخصيًا، مع التذكير باستشهاد أكثر من ألف مواطن، وإصابة أكثر من عشرة آلاف، واعتقال أكثر من عشرين ألفًا، ونشر الاحتلال ألف حاجز تقريبًا، لتقييد حرية حركة الفلسطينيين وحياتهم، منذ بدء حرب الإبادة في قطاع غزّة نهاية العام 2023.

في الحقيقة، وعلى الرغم من ما سبق كلّه، لم تمر جرائم إسرائيل من دون عقاب ومحاسبة، وبأثمان باهظة مع تزايد عزلتها دوليًا، وجلبها رفقة قادتها إلى ساحات المحاكم الدولية والوطنية، بتهم الإبادة الجماعية وجرائم الحرب، مع مقاطعة رسمية وشعبية متعددة المستويات والأبعاد سياسيًا واقتصاديًا وثقافيًا وفنيًا ورياضيًا، ومع تسونامي دبلوماسي للاعتراف بالدولة الفلسطينية وحقّ تقرير المصير للشعب الفلسطيني.

في الأخير، ورغم النكبة الأخيرة والنكبات السابقة لا يزال الشعب الفلسطيني هذا العام كما الأعوام السابقة "واللاحقة" عنيدًا صامدًا لا يستسلم، متمسكًا بذاكرته الجماعية الحية والعصية على النسيان، كما شهدنا في تلاحم الأجيال بالساحات والميادين عبر العالم دعمًا لغزّة، ودفاعًا عن القضية والرواية العادلة، في حين؛ وللأسف، لا ترتقي الطبقة السياسية والفصائلية إلى  مستوى تضحيات الشعب، ولا تتوقف لاستخلاص العِبر، بل تمضي قدمًا وكأن شيئاً لم يكن، ونتحدث هنا عن  الطبقة كلّها، والسلطتين في رام الله وغزّة، مع سعي إلى التشبث بالسلطة الوهمية، كلٌّ على طريقته، في محاولة يائسة  للوقوف في وجه التاريخ وأحكامه. وكما في النكبة الأولى، يبدو اليوم التغيير حتميًا، مع رحيل الطبقة كلّها أيضًا، كي يفرز الشعب قيادته المصداقة والجديرة ، ولا أحد من الموجودين حاليًا بقامة المفتي أمين الحسيني، الذي وحتّى مع التنفس الصناعي له ولرفاقه في الهيئة العربية العليا، ثمّ حكومة عموم فلسطين زمن النكبة الأولى من كبرى الحواضر العربية "القاهرة"، إلّا أنّ حكم التاريخ كان نافذًا والتغيير حتميًا، وهو ما يجب أن يحدث وسيحدث بالتأكيد مرّةً أخرى، وفق السنن كلّها، لإعطاء الفرصة لأجيال ودماء وأفكار جديدة للقيادة و مواصلة النضال حتّى تحقيق الآمال الوطنية المشروعة في السيادة والعودة والاستقلال وتقرير المصير.

المساهمون