يوم آخر

03 فبراير 2026   |  آخر تحديث: 08:33 (توقيت القدس)
(ناصر حسين)
+ الخط -

استمع إلى الملخص

اظهر الملخص
- يصف الكاتب معاناة الفقراء والنازحين في الشارع العريض، مستحضراً معاناة غزة وفلسطين، مشيراً إلى الوحدة في الألم بين الشعوب المقهورة، حيث الأطفال يعملون بدلاً من الذهاب إلى المدرسة.
- يتناول حالة الفوضى والخوف في المدينة، مع غياب القانون وانتشار الظلم، مما يؤدي إلى العنف والقتل، ويعبر عن استيائه من الوضع الراهن الذي يفتقر إلى العدالة.
- يصف التناقض بين الفقر والثراء في الشارع العريض، مشيراً إلى القوى العالمية التي تتحكم في مصير الشعوب، حيث تعقد الاتفاقيات في الشمال لتحقيق المكاسب بينما يعاني الجنوب.

في الشارع العريض يجرّني المساء إلى المشي. أبتغي أن أنفض عنّي ثقل هذا البلاء المقيم. أقنع نفسي بأنّني أخرج فعلاً، وبأنّني أُدير المفتاح وأقفل باب البيت، أنزل سلالم الدرج المعطوبة، وأمضي. أُوهِمُني بأنّني أخرج من الباب الموصد علينا بألف قفل، نحن وهذا اليباب الهائل المستعر. باب كتب عليه: ممنوع الخروج! 
أمضي تحت سماء وغيوم كالحة سميكة. لم تمطر بعد هذا اليوم. تخبطنا الرياح بالبرد، مضمّخاً بثلوج القمم المحيطة. الفقراء وحدهم يتآكلهم الصقيع، ووحدها خيام النازحين تنخلع، ووحدهم أطفالهم يلتهمهم البرد. هنا، وهناك في غزّة فلسطين. أقلت فلسطين، فلسطين المحتلّة، وغزّة المبادة؟ بلى، فنزيفنا واحد. ودماؤنا تعصرها أيدٍ متماثلة. يا بكر قتلانا الجميلة. "أنا لا أنساك فلسطين"، أردّد مع صوت فيروز وهو يتمدّد في الروح الذابلة. أحاول أن أنفض عن عينيّ صور ضحايانا، وضحايا غزّة، أمس، واليوم وغداً. غزّة وبلادنا محطّ أحلام استثمارات وحوش العالم الاستعماري الفاخرة. أشيح بنظري عن أطفالها/نا بين أنياب البرد يهلكون تحت عين الشمس وأعين الوحوش المتواطئة. بغتة، أنتبه إلى أنّني أشيح بنظري عن أكداس القمامة الداشرة على مساحة كبيرة من جانب الشارع العريض نصف الترابيّ، وعن المشهد المعتاد لأطفال ونساء ورجال الجوع، يقتاتون عليها، ثمّ عن رؤية الأخَوين الطفلين بائعي الخضار والفواكه في هذا المساء المتأخّر. فلا دوام مدرسيّاً ينتظرهما أو جرساً، لا فيديوهات أو ألعاباً أو حكايات. الجوع والعوز يتربّصان بهما. أغذّ السير وسط هذا العماء لمجاراة أحداثه المرعبة تهطل وابلاً فوق رؤوسنا كحجارةٍ من سجّيل. تنقضّ علينا كطيور أبابيل، جحافل إبل، نحن أبناء هذه الأرض، فلا من الحبشة جئنا ولم نبغ يوماً هدم الكعبة، أو نصبو إلى مُلك، مرامنا الأوحد العيش المشترك في وطن موحّد بالاخضرار. وبين غفلة ليلة وضحاها صيّرونا الآخرين المستباحين. 
أمشي والحذر من الحفر المتكاثرة في شوارع المدينة. البرد قلّص كثيراً من عدد المارّة، هذا المساء. البرد والجوع لا يتماشيان. في هذه المدينة يمكن التجوّل والانتقال حتّى ساعة متأخّرة، بينما في مناطق كثيرة ما تزال الحياة تُشلّ عند الغروب. أتابع المشي، يُثقلني الثقل.
تترامى إلى سمعي هسهسة خوف قديم. صرخات استغاثة. طحن عظام. سحق أرواح. فوهات ناريّة، لصّة وقاتلة، تغدر بأبواب البيوت والمحلّات التجاريّة. القانون غبار متطاير يتكاثف، يزكم الأنوف، يحرق العيون، يدمي القلوب. ومجدّداً يفتح المقابر والسجون، على أصداء انزلاق إجباريّ إلى الهويّات الخانقة، وعلى وقع أغنية جديلة اجتثّها القاتل من جثّة ضحيّته، وعلوّ مباركات القطيع وقهقهاتهم الفاجرة. يتزايد تتراكم الجثث. ضحايا بعيون مفتوحة تصوّر المهزلة وتوثّقها، قبل أن تنسلّ لتنام في أعين القتلة. غبار أسود صلد يدكّ هويّتنا الجامعة، ويحجب المطالب المشروعة: عقد اجتماعيّ، دستور وطنيّ، وقوانين عادلة. عوض تطاير الغبار الأسود عبر التصريحات والخطب المتعالية، المتناقضة والمخادعة. 
في الشارع العريض تصطفّ السيّارات، أضخم من المِعد الخاوية، وأسمن من الأحلام الهزيلة، وأعلى من نزيف الأنين. الآن، بدأت تمطر فوق الشارع العريض، رذاذاً تطيّره الريح الباردة. أبتلّ من دون لمعان. اللمعان للسيّارات، لجدران الاستثمارات الوهميّة، والوعود الخلّبيّة. على جانبي الشارع، تصطفّ بنايات حديثة جميلة، إنّما قلقة، لا يقين يدعمها. 
أمضي في الثقل، تحت نير حذاء ضخم كعبه في واشنطن، ونعله يمتدّ أنّى شاء منتعله، وبفائض قوّته ودمويّته يأمر العالم كلّه، بحرفيّة البلطجيّ المجرم وصفاقته. هناك في الشمال، اتفاقيّات وتواقيع وشمس صلبة ومكاسب هائلة. وهنا في الجنوب، اتفاقيّات، وليل أطلس كالغرف الموصدة على خساراتنا الفادحة، وإطالة آماد مقتلتنا جميعنا.