يمكن لأي شيء أن يحدث

22 يوليو 2025   |  آخر تحديث: 09:39 (توقيت القدس)
المخرجة كلوديا رينيكي مع فريق عمل فيلم "ملكات" في مهرجان لوكارنو سويسرا (8/8/2024 Getty)
+ الخط -

استمع إلى الملخص

اظهر الملخص
- فيلم "Reinas" للمخرجة Klaudia Reynicke يعكس تجربة سياسية واجتماعية في البيرو عام 1992 تحت حكم الرئيس ألبرتو فوجيموري، مسلطاً الضوء على معاناة النساء في ظل الانقلابات والعنف.
- يتميز الفيلم بشخصيات قوية، حيث يبرز دور التمثيل كأداة أخلاقية، ويعرض قصة "كارلوس" الذي يسعى لاستعادة علاقته مع ابنتيه من خلال لحظات تجمع بين الحب والأمل.
- يخلق الفيلم تماهياً بين البيرو وسورية، معبراً عن معاناة النساء والرجال في مواجهة قرارات مصيرية، ويختتم برسالة أمل رغم الصعوبات.

بإطلالةٍ على المحيط الهادئ، بجوار البرازيل وتشيلي والإكوادور وبوليفيا وكولومبيا، تقع بلاد قد لا نتوقّع أن تتصادى تجربتها السياسية والاجتماعية مع بلد كسورية. لكنها تفعل هذا بإلحاح وقصدية، لا عبر مرويات ووقائع التاريخ وحده، بل بسينماها أيضاً. والبلد هو البيرو، والفيلم يحمل اسماً لا يقلّ عذوبة وجرأة: Reinas، أي "ملكات". وقد عُرض لمخرجته Klaudia Reynicke أول مرة عام 2024، واستُقبل بحفاوة في مهرجاني صندانس وبرلين.
لا تسكن الملكات القصور، ولا ينتظرن التتويج. هن نساء من خوف وخسارة، يعبرن زمناً بيروفياً متصدعاً، يحكمه العنف والانقلابات. نحن في عام 1992، عندما نفّذ الرئيس ألبرتو فوجيموري انقلابه، وحوّل البلاد إلى ساحة مفتوحة على القمع والتغييب، محمّلاً البيرو وجعاً مألوفاً لسوريّتنا، وجعاً مركباً لصراع بين الدولة والجماعات المسلحة الثورية، التي ويا للسخرية، لا اسم لها سوى "الجماعات الإرهابية". لكن" ملكات" يمضي بعيداً في جماله، غير مكترث بالجانب التوثيقي، فينمنم التفاصيل من ملامح النساء اللواتي صرن قواماً لعالم يتداعى، حيث كل مشهد يحفر في معنى أن تواصل العيش في مدينة بفم مفتوح يبتلع كل ما تحب.
كل ما في "ملكات" يشبه مرجعياتنا الاجتماعية وحتى السينمائية السورية. ذلك التقشف في الملابس والمفروشات، وفي الحيز العام، ذلك الفقر والانكماش في فضاءات متقلصة حد الاختناق. لكن ما يصنع جمال الفيلم، بل بالأحرى رهانه الأجدى والأكثر إتقاناً: طيف من الشخصيات لم يبهت فيها لون، مجموعة ممثلين وممثلات كانت موهبتهم قادرة على قهر البشاعة، حيث يملك "التمثيل" أن يمنح الكائنات الصغيرة كرامتها. هنا، يُستخدم التمثيل (representation) لا أداة شكلية، بل باعتباره مشروعاً أخلاقياً، مستمداً مشروعيته من المعنى الأوسع للمفردة: أن تمنح الصوت والتجسيد للذين حُرِموه.
هو فيلم عن الأبوّة المكسورة، عن الخذلان، كما لو أنه دور الرجال الوحيد في مملكة الرعب تلك. "كارلوس"، الأب الذي أتى عيد ميلاد ابنته متأخراً، وصل مترنحاً بتفاصيل كاذبة عن بطولاته بكونه ممثل مسرح، وصياد تماسيح، وخبيراً أمنياً، وموظفاً في شركة تصدير، أو حتى ناجياً من تفجير مركز شرطة. ناجٍ يخاف من الحقيقة، فيداريها بترقيعات مرّة السخرية، يحمل كيس سكر ضخماً هديةً، والسوريون أدرى من افتقد السكر. يعود كطيف من زمن معطوب، حياً لكنه مخلخل، مراوغ، يتشبث بفتات كرامة وبقايا أبوّته.
كارلوس، باسم ابنتيه الهسباني حتى العظم، أورورا ولوسيا اللتين لم تعرفاه إلا حكايةً، يظهر فجأة، قادماً من رماد الخوف، ليمنحهما لحظة حياة مؤجلة. يأخذهما إلى البحر، يعلّمهما ركوب الأمواج، ويشتري لهما ثياب سباحة مقابل إطار سيارة مستعمل. يحب ابنتيه كمن يرفو حياته المثقوبة بخيوط الهواء، يسميهما "ملكاتي" (Mis Reinas)، وهذا التحبّب وحده يلخص دوره أباً وإنساناً، فحين تبدأ الفتاتان بمناداته "بابا"، نشعر أن ما يجري هو محاولة متأخرة لترميم جسور بين أفراد عائلة لا على حافّة الرحيل وحده، بل الانهيار.
بلا إكراه، يجرّنا Reinas، هذا العمل السينمائي المرهف، إلى تماهٍ بين سورية والبيرو. حيث نساء يحملن عائلاتهن فوق أكتافهن ويهرعن إلى المنافي للنجاة، ورجال يسحقهم الوطن وذلّ السؤال: هل نرحل؟ أم نبقى؟ وهل البقاء استسلام والرحيل نجاة، أم محض خيانة لشيء لا نعرف كيف نسميه؟ 
في مشهد الفيلم الختامي، ممارساً ثرثرته المعتادة، تتبرعم جملة كارلوس كزهرة أمل يرميها لابنتيه عند الفراق، كأنها الجملة الخُلاصة في العرض الحيّ لحياتنا في سورية اليوم.
"رغم هذا كله... يمكن لأي شيء أن يحدث".

المساهمون