استمع إلى الملخص
- سعت الولايات المتحدة لاستعادة زمام المبادرة في غزة عبر مسارات التطبيع الإقليمي، لكن سياسة ترامب لم تغير المشهد السياسي في ظل تجاهل الحقوق الفلسطينية واقتراب الانتخابات.
- تباينت مواقف الدول العربية من التطبيع، حيث أظهرت السعودية تأثيرًا متزايدًا، بينما يبقى التحالف الأميركي الإسرائيلي الأقوى، مما يعقد فرص تغيير المواقف تجاه غزة وفلسطين.
أسفرت حرب الإبادة الإسرائيلية على قطاع غزّة، على مدار أكثر من عامين، عن نتائج/مفارقات لافتة، على صعيد شكل العلاقة بين الأبعاد الدولية والإقليمية والفلسطينية، في قضيتي غزّة وفلسطين بعد الحرب، على نحو ما تجلّى في أمرين؛ أحدهما التحولات الملموسة على الصعيد الشعبي العالمي (انتشار السردية الفلسطينية عالميًّا، وتآكل صورة الدولة والجيش الإسرائيليين، لدى قطاعات واسعة من الرأي العام العالمي، ومطالبة المتظاهرين في عواصم عالمية عدّة بإجراءات عقابية ضدّ إسرائيل)، إضافةً إلى تكريس "عزلة إسرائيل" نسبيًّا، على الصعيد الأممي الرسمي، وتصاعد موجة الاعترافات الدولية بالدولة الفلسطينية. والآخر هشاشة النظام الإقليمي في الشرق الأوسط، وإحجام أغلب القوى الإقليمية والعربية عن الضغط على واشنطن لوقف حرب الإبادة على الشعب الفلسطيني (بأدواتها المختلفة العسكرية والأمنية والسياسية الاقتصادية والنفسية)، ناهيك عن تكثيف الضغوط الإقليمية على إدارة دونالد ترامب، بغية كبح جماح الانفلات الإسرائيلي على الصعيد الإقليمي (في لبنان وسورية واليمن وإيران وقطر).
في إطار تحليل توظيف السياسة الأميركية مسارات التطبيع الإقليمي مع إسرائيل بعد حرب الإبادة، واحتمال نجاح واشنطن في توظيف ذلك لفك "العزلة الدولية" لحليفها الإسرائيلي، ومساعدتها في تجاوز تداعيات الحرب، عبر القفز على الحقوق الفلسطينية وتنشيط مسارات التطبيع الإقليمي، يمكن الوقوف أمام أربع ملاحظات؛ أوّلاها؛ يتعلّق باستعادة الولايات المتّحدة "زمام المبادرة الإجرائية/ الانتقالية" في إدارة قطاع غزّة، بعد حرب الإبادة، لا سيّما بعد تولي إدارة ترامب (2025/1/20) رئاسة مجلس السلام، بعد ضغطه على الحكومة الإسرائيلية برئاسة بنيامين نتنياهو، للانخراط الفعلي في مسار لتحرير المحتجزين الإسرائيليين، وتخفيف وطأة حرب الإبادة (من دون إنهائها بالكامل).
على الرغم من اقتران السياسة الأميركية في عهد ترامب بأدوات دعائية/ احتفالية/ إعلامية، كما تجلى خصوصًا في قمّة شرم الشيخ (2025/10/13)، فإنّ ثمّة شكوكًا محقّة في قدرة هذه الأدوات وحدها على تغيير المشهدَين السياسي والاستراتيجي في قطاع غزّة وفلسطين، وفي إقليم الشرق الأوسط إجمالًا، خصوصًا تجاوز تداعيات حرب غزّة، وصولًا إلى النجاح في تأسيس "عملية سلام" أميركية جديدة، تُجدّد هيمنة واشنطن وتل أبيب على الإقليم، لا سيّما في ظلّ متغيرات عدّة: الاستمرار/الإمعان في تجاهل أبسط الحقوق الفلسطينية، اقتراب المواعيد الانتخابية في الولايات المتّحدة وإسرائيل على نحو يصبغ سياستيهما/ خطابيهما، بطابع "انتخابي/ متشدد"، يرفض الحلول الوسط مع الإصرار على خطاب "النصر المطلق"، بالتوازي مع غياب القدرة على حسم الصراع الفلسطيني الإسرائيلي، ناهيك عن الصراع العربي الإسرائيلي عمومًا.
تتعلق الملاحظة الرابعة بتباين الموقفين المصري والسعودي من التطبيع مع إسرائيل ومقتضيات الأمن العربي في مناطق "الفراغ الاستراتيجي العربي" أو "الخواصر الرخوة"
تتعلق الملاحظة الثانية باحتمال وجود بعض "التباينات الهامشية" بين الموقفين الأميركي والإسرائيلي بشأن قطاع غزّة، على الرغم من أن نتائج اللقاء السادس بين الرئيس ترامب ونتنياهو (في منتجع مارالاغو بولاية فلوريدا 2025/12/29)، تؤكّد حقيقة "التوافق الاستراتيجي" بين الطرفين، خصوصًا بشأن قضية فلسطين، ما يعني استمرار التحالف الأميركي الإسرائيلي بوصفه "التحالف الأقوى" في إقليم الشرق الأوسط، وصعوبة أن تنجح أيّ من الدول العربية أو الإقليمية، في التفوق على التأثير الإسرائيلي على القرارات الأميركية بشأن قطاع غزّة وفلسطين أساسًا، في ظلّ أمرين، أحدهما، رؤيتهما (أميركا وإسرائيل) المشتركة للمنطقة والعالم، وانتهاجهما منطق "سياسات القوّة"، وإمعانهما في "الانتهاك الممنهج" لقواعد القانون الدولي. والآخر، هشاشة النظام الرسمي الإقليمي في المنطقة، والنجاح الأميركي الإسرائيلي في "ترويضه" عبر عملية التسوية وتفعيل مسار التطبيع الإقليمي، خصوصًا بعد اتّفاقات أبراهام (سبتمبر/أيلول 2020).
واستطرادًا، يمكن القول إن هامشية الخلافات بين واشنطن وتل أبيب، لا تسمح برهانات على "ضغوط إقليمية جادة" لتغيير المواقف الأميركية المجحفة من قضيتي غزّة وفلسطين، بعكس إمكانية الضغط الإقليمي (الخليجي والتركي المصري) على واشنطن لتعديل مواقفها من احتمال شنّ ضربة عسكرية جديدة على إيران مثلًا، لا سيّما بعد اتصال الرئيس الروسي فلاديمير بوتين هاتفيًّا برئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو (2026/1/16)، واستعداد الأول للوساطة بشأن إيران، والعمل من أجل تطوير حوار بنّاء بمشاركة الدول المعنية، وتأييد بوتين تكثيف الجهود السياسية والدبلوماسية لضمان الاستقرار والأمن في المنطقة".
تتعلق الملاحظة الثالثة بالانعكاسات الدولية والإقليمية للسياسات الأميركية على إقليم الشرق الأوسط، في تعظيم/ تعقيد تداعيات المرحلة الانتقالية، التّي يمرّ بها النظامان الدولي والإقليمي، لا سيّما في ثلاثة أمور؛ أوّلها "الارتباك الأميركي" في معالجة قضيتي غزّة وفلسطين في ظلّ تصاعد أثر شخصية الرئيس ترامب، وهوسه بالمجد الشخصي والحصول على جائزة نوبل للسلام، ورغبته العارمة في تحقيق "صفقات/ إنجازات" سريعة في سياساته الخارجية، لا سيّما في الصراع الفلسطيني الإسرائيلي، إلى حدّ تصريح بعض المسؤولين الأميركيين بأنّ "غزّة شأن أميركي وليس إسرائيليًّا". ثانيها احتمال تغاضي واشنطن عن دخول فاعلين دوليين وإقليميين إلى الساحة الفلسطينية (مثل ألمانيا وإيطاليا وتركيا وباكستان وإندونيسيا وأذربيجان)، ما يعني في المحصلة النهائية، خلق تعقيدات إضافية في القضية الفلسطينية بسبب احتمال تضارب أجندات هذه الدول ومصالحها. وثالثها وصول إسرائيل إلى "الحدّ الأقصى" من توظيف أدوات حرب الإبادة، على نحو يضغط في اتجاه سيناريو فوضى فلسطينية/إقليمية، لا يمكن التحكم في نتائجها/ تداعياتها كلّها، خصوصًا على المصالح الأميركية/ الإسرائيلية.
تتعلق الملاحظة الرابعة بتباين الموقفين المصري والسعودي من التطبيع مع إسرائيل ومقتضيات الأمن العربي في مناطق "الفراغ الاستراتيجي العربي" أو "الخواصر الرخوة"، خصوصًا في اليمن والبحر الأحمر والصومال والسودان). وبسبب انكفاء الدور الإقليمي المصري إلى حدود غير مسبوقة، وحرص القاهرة على علاقاتها مع واشنطن وتل أبيب، إذ ثمّة تصاعد في تأثير مواقف السعودية وسياساتها الإقليمية، قد يفوق التأثيرين المصري والإماراتي في المنطقة.
وبسبب أهمّية المكانة السعودية عربيًّا وإسلاميًّا، فليس مرجحًا انتعاش مسارات التطبيع الإقليمي الشاملة مع إسرائيل، على الرغم من بقاء احتمالات "الصفقات الجزئية"، والتهدئات وعودة مسارات التطبيع الإقليمي الاقتصادي (صفقة الغاز المصرية نموذجًا).
وعلى الرغم من توظيف إسرائيل هشاشة النظام الإقليمي في الشرق الأوسط، فإن لذلك حدودًا لا يمكن تجاوزها، كما أن عودة التطبيع الجزئي (مثل صفقة الغاز المصرية مع إسرائيل، والاعتراف الإسرائيلي بأرض الصومال)، قد تؤدي إلى أمرين؛ أحدهما تصاعد محاولات الالتفاف على صمود المجتمع الغزّي وإنجاز المقاومة الفلسطينية. والآخر، تعطيل استفادة الشعب الفلسطيني من "عولمة قضية فلسطين"، وتصاعد التضامن العالمي/الشعبي/الطلابي مع السردية الفلسطينية بالتوازي مع مضاعفة/ زيادة تأثير الأبعاد الدولية الرسمية، لا سيّما سياسة إدارة ترامب، في تحجيم أيّة مكاسب فلسطينية من تداعيات حرب الإبادة على غزّة.
استمرار التحالف الأميركي الإسرائيلي بوصفه "التحالف الأقوى" في إقليم الشرق الأوسط، وصعوبة أن تنجح أيّ من الدول العربية أو الإقليمية، في التفوق على التأثير الإسرائيلي على القرارات الأميركية بشأن قطاع غزّة وفلسطين أساسًا
يبقى القول إجمالًا، ثمّة سيناريوهان أمام قضية فلسطين والإقليم؛ أحدهما (وهو الأسوأ) استمرار حالة "الهشاشة/غياب التماسك" في النظام الإقليمي في الشرق الأوسط، بالتوازي مع تركيز أغلب القوى العربية والإقليمية على مصالحها الضيقة، خصوصًا علاقاتها الثنائية مع واشنطن، في ظلّ خشية واضحة من تقلّب توجهات الرئيس ترامب، وتصاعد دعمه نتنياهو، وتيار اليمين الإسرائيلي إجمالًا، ما يعني، في المحصلة الأخيرة، أن مستقبل قطاع غزّة، ومستقبل فلسطين عمومًا يتحولان إلى "قضايا ثانوية/ هامشية"، في سياق مسار العلاقات الإقليمية مع الولايات المتّحدة وحليفها الإسرائيلي، وهذا ما يكشفه إصرار الدول الرئيسة في التطبيع (لا سيّما مصر والأردن والإمارات والمغرب) على استمرار تفاهماتها مع إسرائيل بوصفها "حليفًا إقليميًّا موثوقًا"، يؤثّر على السياسات الأميركية في الإقليم، ويستطيع حشد الدعم الأميركي لمصلحة المواقف المصرية في نزاعها مع إثيوبيا في ملف سد النهضة، وكذا موقف المملكة المغربية في مسعاها بشأن ملف الصحراء.
السيناريو الآخر، تصاعد "العزلة الإسرائيلية الدولية والإقليمية" في ظلّ تنامي إدراك أغلب القوى الإقليمية (إيران وتركيا وباكستان والسعودية) مخاطر سياسات التأزيم/ التفكيك/ التجزئة الإسرائيلية، التّي تستهدف أمن دول المنطقة واستقرارها عمومًا، خصوصًا في اليمن والصومال والسودان والبحر الأحمر، ناهيك عن استمرار إسرائيل في سياسة توظيف الأزمات الإقليمية والدولية (مثل أزمة فنزويلا وإيران وغرينلاند وغيرها) لتكريس نفسها "القوّة الإقليمية الأكبر" في إقليم الشرق الأوسط، وسعيها لإخضاع/ ابتزاز القوى الإقليمية الأخرى لسياساتها ومصالحها الأمنية/ الاستراتيجية.
يبقى القول أخيرّا، إن تصاعد "التطبيع الإقليمي" قد يسهم في "تخفيف" عزلة إسرائيل الدولية، ولكن ليس إلى حدّ إنهائها تمامًا، ما يعني استمرار المأزق الاستراتيجي الإسرائيلي، واحتمال هروب نتنياهو إلى الأمام، عبر تصعيد الصراع، على الصعيدين الفلسطيني والإقليمي معًا، استنادًا إلى الدعم الأميركي "اللامحدود" بالتوازي مع غطاء "التطبيع الإقليمي المتجدد".