هل هُزمت المقاومة الفلسطينية أم لم تهزم؟

31 اغسطس 2026   |  آخر تحديث: 08:18 (توقيت القدس)
الحرية لفلسطين من شعارات التظاهرات التضامنية، بوينس آيرس 2026/8/22 (كاتريل بوردوني/Getty)
+ الخط -
اظهر الملخص
- بدأت أزمة المشروع الوطني الفلسطيني مع تحول منظمة التحرير إلى سلطة محدودة تحت اتفاق أوسلو، حيث انشغلت بإدارة الأراضي دون تحقيق السيادة، مما أدى إلى تراجع في الحقوق الوطنية وتحول السلطة إلى طرف في إدارة مصالح الاحتلال.

- طرحت حماس نفسها كبديل للمسار التفاوضي، مما أدى إلى انقسام فلسطيني حول تعريف المشروع الوطني، بين التفاوض والمقاومة، وواجهت حماس ضغوطاً عسكرية وسياسية في ظل تراجع الدعم الإقليمي.

- فشل نموذج السلطة والمقاومة المسلحة يستدعي إعادة بناء المشروع الوطني على أساس الوحدة الوطنية الديمقراطية، مع استراتيجية مقاومة شاملة تشمل الجوانب السياسية والدبلوماسية والشعبية، واستعادة وحدة التمثيل الفلسطيني.

لم تكن أزمة المشروع الوطني الفلسطيني وليدة الحرب الأخيرة على قطاع غزّة، بل تعود إلى اللحظة الّتي انتقلت فيها منظّمة التحرير الفلسطينية من موقع حركة تحرّرٍ وطني إلى موقع سلطةٍ محدودة الصلاحيات تحت سقف اتّفاق أوسلو، فمنذ ذلك التقهقر، انشغلت السلطة بإدارة الأراضي الّتي سمح بها الاحتلال، فيما بقيت قضايا السيادة والحدود والقدس واللاجئين والاستيطان معلّقة. ومع مرور الوقت، أصبح التنسيق الأمني مع إسرائيل أحد أبرز مظاهر هذا التردي، من دون أن يحصل الفلسطينيون، في المقابل، على الحدّ الأدنى من الحقوق الوطنية الّتي وعد بها مسار التسوية. وقد أسهمت بنية أوسلو في تحويل السلطة إلى طرفٍ في إدارة مصالح الاحتلال عوضاً عن المضيّ في مشروعٍ حقيقي لإنهائه.

في السياق ذاته، طرحت حركة المقاومة الإسلامية «حماس» نفسها؛ منذ صعودها السياسي، باعتبارها بديلاً للمسار التفاوضي الذي اعتبرته عاجزاً عن تحقيق التحرر. ولم تكن قوّة خطابها نابعةً من البعد العسكري وحده، بل أيضاً من قدرتها على تقديم نفسها باعتبارها نقيضاً لسلطةٍ ارتبط اسمها بالتسوية والتنسيق الأمني. هكذا تحوّل الانقسام الفلسطيني من خلافٍ على الأدوات إلى خلافٍ على تعريف المشروع الوطني نفسه: هل يكون التحرر نتيجة تفاوضٍ طويلٍ تحت شروط موازين القوى، أم نتيجة مقاومةٍ قادرةٍ على تغيير تلك الموازين؟

وضعت الحرب الأخيرة هذا التصوّر أمام اختبارٍ تاريخي بالغ القسوة، فقد دفع قطاع غزّة ثمناً بشرياً ومادّياً هائلاً، بينما واجهت حماس ضغطاً عسكرياً وسياسياً ودبلوماسياً غير مسبوق، إذ دعمت دولٌ عربيةٌ، انخرطت في مسارات التطبيع، الاحتلال الصهيوني، وتراجعت القدرة الإقليمية على توفير شبكة حمايةٍ سياسية وعسكرية للمقاومة.

لقد فشل نموذج السلطة حين تحولت وسيلة التحرر إلى غايةٍ بحدّ ذاتها، كما أنّ نموذج المقاومة المسلّحة أثبت أنّ القوّة العسكرية وحدها لا تكفي لتحرير شعبٍ في ظلّ اختلالٍ هائل في موازين القوى الدولية والإقليمية

اليوم، وللمرّة الأولى، تبدو حماس مستعدّةً للدخول في مسارٍ يتعلق بسلاحها. غير أنّ وصف ذلك بأنّه محض "استسلام"، أو "تخلٍّ نهائي عن المقاومة" سيكون تبسيطاً للواقع، إذ تتحدث الصيغة المطروحة عن نزع السلاح، أو تخزينه وتسليمه إلى جهةٍ فلسطينية، بالتزامن مع وقف العمليات والانسحاب الإسرائيلي، وترتيبات إدارة قطاع غزّة وإعادة إعماره، وربطت حماس التنفيذ بتقديم التزاماتٍ إسرائيلية، فيما لا تزال إسرائيل تطالب بنزع السلاح الكامل قبل المضي في مراحل الترتيبات الأساسية.

إذا كان معيار الهزيمة هو عدم القدرة على الاحتفاظ بالسلاح إلى الأبد، فقد تكون المقاومة قد تعرضت لهزيمةٍ استراتيجية جزئية. أما إذا كان المعيار هو قدرتها على فرض حضور القضية الفلسطينية على جدول الأعمال الدولي، ومنع تحويلها إلى مجرّد ملفٍ أمني وإنساني، فإنّ الحديث عن الهزيمة الكاملة يبدو متسرعاً، فلا تُقاس المقاومة بالسلاح وحده، إنما بقدرتها على إنتاج مشروعٍ سياسي واجتماعي قادر على الاستمرار.

من فعاليات المطالبات الشعبية بانهاء الانقسام، رام االله 2018/7/21 (عصام الريماوي/الأناضول)
ملحق فلسطين
التحديثات الحية

هنا تكمن المعضلة الحقيقية، لقد فشل نموذج السلطة حين تحولت وسيلة التحرر إلى غايةٍ بحدّ ذاتها، كما أنّ نموذج المقاومة المسلّحة أثبت أنّ القوّة العسكرية وحدها لا تكفي لتحرير شعبٍ في ظلّ اختلالٍ هائل في موازين القوى الدولية والإقليمية.

إذاً؛ لا ينبغي أن يكون البديل عودةً إلى أوسلو، ولا مجرّد إعادة إنتاج تجربة حماس بصيغتها السابقة. المطلوب إعادة بناء المشروع الوطني الفلسطيني على أساس الوحدة الوطنية الديمقراطية، واستيعاب جميع التيارات في بنيةٍ تنظيمية شعبية، تعيد تعريف المقاومة باعتبارها استراتيجيةً شاملة: سياسية ودبلوماسية وشعبية وقانونية واقتصادية، مع بقاء حقّ الشعب الفلسطيني في مقاومة الاحتلال عسكرياً.
لكنّ إعادة صياغة المشروع الفلسطيني تبدأ من تجاوز ما أنهكه؛ فلا السلطة قادرةٌ على تحقيق التحرر وحدها، ولا أي فصيلٍ مسلّح قادرٌ وحده على إدارة الصراع التاريخي. المطلوب هو استعادة وحدة التمثيل الفلسطيني، وإخضاع القرار الوطني لإرادةٍ شعبية ديمقراطية، وتحويل المقاومة من مشروع فصيلٍ إلى مشروعٍ وطني جامع. عندها يصبح نزع سلاح فصيلٍ؛ إن حدث، تحوّلاً في أدوات المقاومة لا إعلاناً لنهايتها؛ وتصبح الهزيمة الحقيقية هي التخلي عن هدف التحرر نفسه، لا التخلي عن أداةٍ من أدواته.

في النهاية، لا بدّ من بناء مؤسساتٍ شعبية تجمع كل أطياف الشعب الفلسطيني السياسية، من دون السماح لأية جهة منفردةٍ باحتكار التمثيل الفلسطيني، والحقّ في صناعة القرار، بحيث تفرض هذه المؤسسات صوتها الوحدوي على البنى السلطوية كافة، وهنا يبرز التحدي الأصعب.