تخبرنا لجينة النبهان في روايتها الأولى "في المطار أخيراً" ( نوس هاوس، أمستردام، 2025)عن معاناة عائلة سورية بعد اعتقال الابن الأكبر، نضال، طالب الطب في سنته الثانية. وبينما كانت الأسرة تنتظر عودته عقب انتهاء امتحاناته، تلقت خبر اعتقاله. عجز الأب عن مساعدته بعد أن طرق كل الأبواب، فانكفأ في قريته مكتفياً بالعناية بالأرض.
أما الأم، فقد توقفت حياتها عند انتظار نضال، وأرهق عينيها البكاء والتنقل بين سجني تدمر وصيدنايا لزيارته طوال أربعة عشر عاماً، حتى فقدت بصرها قبل وصوله إلى القرية بيوم واحد.
تصف لجينة معاناة عائلات المعتقلين في السفر لزيارة أبنائهم، والإحساس بالذل والامتهان في كل زيارة على أيدي الضباط والحراس، وكيف كانوا يرون أبناءهم يذوون مرة بعد أخرى، بينما أعمارهم تتسرب من الزنازين وتتبدد.
ومن خلال الإهداء، الذي يبرز فيه اسم مصعب النبهان بصفته معتقلاً سياسياص قضى 14عاماً في سجون النظام السوري السابق، نعرف أن لجينة تكتب من قلب موجوع، اكتوى بنار التجربة القاسية. ومع ذلك، تأتي الرواية في سياقٍ سردي واضح؛ فهي ليست سيرة ذاتية ولا رواية عن تجربة السجن مباشرة.
تبدأ الأحداث في المطار، وهو ما يحيل إلى العنوان المأخوذ من لحظات الوداع في مطار دمشق، حيث يجتمع الأهل والأصدقاء لوداع البطلة نور، المسافرة إلى دبي للالتحاق بزوجها. يشكّل الزمن الذي يقضونه في المطار "الحاضر السردي" الذي تنطلق منه الرواية، لتلج عبره إلى عوالم الشخصيات واسترجاع أحداث الماضي.
تطرح الرواية قضايا مألوفة وأخرى فكرية عميقة، مثل دور المثقف، ومفهوم البطولة، والازدواجية، والانفصال بين الخطاب والممارسة
نور منشغلة بترقّب حضور صديقها خالد لوداعٍ أخير، وبين اشتعالها الداخلي بهذا الانتظار وبرودة قاعة المطار ذات التصميم العمراني القاسي، ينشأ توتر درامي. ومن نقاش يحتدم بين المنتظرين حول الأحداث في البلاد، يأخذنا السرد عبر تقنية "الفلاش باك" إلى حياة الشخصيات وقصصها التي تعكس الواقع السوري وتناقض المواقف تجاه ما يجري.
تمر الرواية بحكاية نور وخالد وعائلتيهما، البعيدتين جغرافياً والقريبتين في المعاناة؛ فنور ابنة قرية قرب السلمية، وخالد من قرية في درعا. وقد جرفت الظروف الاقتصادية والسياسية حياة العائلتين بقسوة، ما كان أحد أسباب اندلاع الحراك السوري.
من خلال ذكريات نور، نتعرف على قصة العلاقة بينها وبين خالد، إذ جمعهما مكان عمل واحد، فكان كل منهما بحاجة إلى البوح. نتعرف إلى أسرة خالد التي اضطرت إلى الهجرة من قريتها في درعا إلى دمشق بسبب الجفاف، لتواجه معاناة أشد في المدينة. أما نور، فتروي كيف أثقل الواقع السياسي، من قمع وتضييق واعتقال أخيها نضال، كاهل عائلتها حتى سمّم حياتها. ومن خلال هذا السرد المتبادل، تتشكل لدى القارئ صورة صادقة عن مناخ البلاد العام.
تروي نور كيف أثّر اعتقال أخيها نضال في اختيارها لزوجها، إذ كان سجيناً سابقاً مثله. غير أن خيبتها به تكشف، على لسانها، الفارق بين البطولة الحقيقية والادعاء، وبين المثقف الصادق والانتهازي. وتقارن بين أخيها نضال، المناضل الذي دفع سنوات من عمره ثمناً لمواقفه، وزوجها الذي استغل تجربة السجن للتعالي على الآخرين والمتاجرة بالمبادئ. وقعت نور ضحيةً لأسلوبه الانتهازي، وعانت معه شتى أشكال الاستغلال والعنف والتهميش.
وها هي الآن تستعد للحاق به، بعد صدمتها بخالد الذي تخلى عنها، بل وناصبها العداء، نتيجة انحيازه الطائفي مع تصاعد أحداث الثورة وتحولها، واحتراق البلاد.
يكشف الحوار الدائر في قاعة المطار عن اشتباك مواقف السوريين وتناقضها تجاه الثورة، وصولاً إلى التخوين والصدام وفقدان البوصلة لدى البعض، خاصة بعد تحول الحراك إلى صراع مسلح دفع كثيراً من الشباب إلى الهجرة.
نضال، الذي قضى زهرة شبابه في السجن، ينشغل بما حدث معه على أحد الحواجز، حيث طُلب منه مراجعة "فرع فلسطين" في اليوم التالي، فتعود إليه ذكريات التعذيب والاعتقال. في المقابل، يتحدث فادي عن "المؤامرة الكونية"، وهي الرواية التي تبناها النظام لتبرير ما يجري.
يعتبر فادي الهجرة خيانة، ما يستفز نضال ويدفعه لكسر صمته، فيتحدث عن الخراب الشامل الذي أصاب البلاد، مادياً واجتماعياً وسياسياً ونفسياً، ويشبّه حالة الإنكار بكهف أفلاطون، حيث لا يرى السجناء إلا ظلال الحقيقة. يعبّر نضال عن تناقضات الواقع وصراعاته بكلمات تنزف ألماً.
يتذكر كيف كانوا يُنقلون في حافلات مقيّدة بالقضبان كأنهم مجرمون خطرون، وتستدعي كلماته صور ضحايا الهجرة عبر البحر، حيث تتكرر مآسي الغرق.
يقف نضال ممزقاً بين الصمت الناتج عن الإحساس باللاجدوى، والرغبة في إعادة تعريف مفاهيم الانتماء التي شوّهها الخطاب الجمعي القسري. وفي لحظة انفعال حاد، يسقط نضال مصاباً بذبحة قلبية، بعدما كابر آلامه، فتشعر نور بأن العالم ينهار فوق رأسها.
هل من أمل؟ في لحظة سقوط نضال، تجد نور نفسها أمام خيار مصيري: البقاء إلى جانبه أو المغادرة نحو مستقبل مجهول. وفي خضم ذلك، يظهر خالد وقد عاد إلى صوابه، كمنقذ محتمل، وربما كنورٍ يبدد عتمة اللحظة.
تخوض لجينة النبهان في تجربتها الأولى مغامرة سردية صعبة ومهمة، أشبه بشهادة على الواقع السوري، مستلهمةً من ألم شخصي ومعايشة حقيقية. تسحب القارئ بأسلوب مشوّق إلى عوالم شخصياتها، وإلى العلاقات الإنسانية بكل تعقيداتها.
تطرح الرواية قضايا مألوفة وأخرى فكرية عميقة، مثل دور المثقف، ومفهوم البطولة، والازدواجية، والانفصال بين الخطاب والممارسة. كما تتناول قضايا إنسانية دقيقة كالحب والخيانة ومفهوم الرجولة، من خلال شخصية الزوج دانيال، الذي يمارس سلطته الذكورية تعويضاً عن عجزه في مجالات أخرى.
تحافظ النبهان على لغة أدبية مشحونة بالانفعال والصدق، تميل أحياناً إلى الشاعرية، وهو أمر متوقع من شاعرة لها أربع مجموعات شعرية.