هل تنجح سياسة تصفية أونروا؟

27 يوليو 2026   |  آخر تحديث: 14:30 (توقيت القدس)
تساهم أونروا في إزالة النفايات من شوارع خانيونس، 2026/6/13 (عبد الرحيم الخطيب/الأناضول)
+ الخط -
اظهر الملخص
- تواجه "أونروا" ضغوطاً أمريكية وإسرائيلية لتصفيتها ضمن سياسة إعادة ترتيب النظام الإقليمي في الشرق الأوسط، حيث سعت إدارة ترامب لتهميش القضية الفلسطينية ووقف الدعم المالي للوكالة.

- تصاعدت الحملات الإسرائيلية ضد "أونروا" باتهامها بتجاوز تفويضها الإنساني وتوظيف أفراد متورطين في أنشطة "إرهابية"، مع دعم أمريكي غير محدود، مما أدى إلى تشريع قوانين تمنع عملها في المناطق الخاضعة للسيادة الإسرائيلية.

- رغم التحديات، تظل "أونروا" قائمة بفضل خبراتها المتراكمة، لكن الدعم العربي والدولي المحدود يضعف قدرتها على مواجهة الضغوط، مما يستدعي تضافر الجهود الدولية والعربية لاستمرارها كصرح قانوني وإنساني للاجئين الفلسطينيين.

بالتوازي مع احتمال استئناف الحرب الأميركية على إيران، وانزلاق المنطقة نحو مشهدٍ من "الفوضى الإقليمية"، تواجه وكالة الأمم المتّحدة لغوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين "أونروا" مزيداً من التحديات الّتي تستهدف تصفيتها، في إطار تكثيف الضغوط الأميركية الإسرائيلية لتصفية قضية فلسطين عموماً، في سياق السياسة الأميركية لإعادة ترتيب النظام الإقليمي في الشرق الأوسط، على نحو يُعزّز الاندماج الإسرائيلي في المنطقة، على حساب قضية فلسطين وحقوق شعبها.

وفي إطار تحليل التحديات المتصاعدة أمام وكالة "أونرو"ا، وتقويم تداعيات السياسات الأميركية والإسرائيلية عليها، ومستقبل الوكالة، يمكن التوقّف عند أربع ملاحظات: أولاها تتعلّق بسياسات إدارة الرئيس دونالد ترامب تجاه قضية فلسطين عموماً، وتجاه وكالة الأمم المتّحدة لغوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين "أونروا" خصوصاً؛ إذ تبدو واضحةً ملامح الاستمرارية في تركيز واشنطن على عنصرين متداخلين؛ أحدهما دعم "الحل الإقليمي" (أو تعزيز التطبيع العربي الإسرائيلي، لتجاوز العقدة الفلسطينية)، لا سيّما بعد اتّفاقات إبراهام 2020، والآخر تهميش القضية الفلسطينية وتصفية الوجود المادي والقانوني والمعنوي لـ"أونروا"، في ظل المساعي الأميركية المحمومة لإعادة ترتيب النظام الإقليمي في المنطقة، من البوابة الإيرانية هذه المرّة، كما سلف القول.

في السياق ذاته، كان لافتاً ذهاب إدارة ترامب الأولى (2017-2020) بعيداً في دعم حليفها الإسرائيلي، على نحو يختلف جزئياً عن الأسس التقليدية للدبلوماسية الأميركية تجاه قضية فلسطين؛ إذ شهد عام 2018 تصاعداً في المواقف الّتي تبنتها إدارة ترامب، والّتي صارت تدعو صراحةً إلى إنهاء عمل "أونروا"؛ بعد اعترافها بالقدس "عاصمة" لإسرائيل ونقل السفارة الأميركية إليها؛ ، إذ اتخذت في هذا السياق قراراً بوقف الدعم المالي الأميركي لـ"أونروا"، الذي يقدّر بنحو 300 مليون دولار سنوياً، توطئةً لإضعاف مواردها المالية، والنيل من مكانتها الرمزية والقانونية.

تتعلّق الملاحظة الثالثة باحتمالات استمرار وكالة "أونروا" في ظل غياب البدائل الدولية لها، على الرغم من تزايد التحديات المالية والسياسية أمامها

إلى ذلك، تسارعت خطوات إدارة ترامب الثانية، على مدار عامي 2025 و2026، في دعم حكومة بنيامين نتنياهو، لتصفية قضايا قطاع غزّة وفلسطين ووكالة "أونروا"، لا سيّما بعد إحكام الاحتكار الأميركي الإسرائيلي لإدارة شؤون القطاع بعد اتّفاق شرم الشيخ (13/10/2025)، وتشكيل "مجلس السلام" بعد صدور قرار مجلس الأمن الدولي رقم 2803 (17/11/2025)؛ إذ برزت الرغبة الأميركية في تغييب التمثّيل الفلسطيني عن "مجلس السلام"، في مقابل دعوة ترامب رئيس الوزراء الإسرائيلي نتنياهو للانضمام إلى المجلس، وهو ما قبله الأخير، ووقّع الميثاق باسم إسرائيل (في 11 فبراير/شباط 2026)، خلال زيارته لواشنطن.

بيد أن المؤشر الأهمّ على الرغبة الأميركية في شطب دور "أونروا" في قطاع غزّة، جاء بعد إعلان "مجلس السلام" (1/7/2026)، أنه لن يُسمح لوكالة "أونروا" بأداء أي دور في مستقبل قطاع غزّة؛ إذ كتب المجلس عبر حسابه على منصة "إكس": "لا مكان لـ"أونروا" في غزّة الجديدة، نحن نطوي صفحة الاعتماد الدائم على المساعدات الإنسانية؛ فسكان غزّة يستحقون واقعاً أفضل".

تؤكّد هذه التغريدة صحة مخاوف دول عديدة حول صيغة "مجلس السلام" وطبيعته بسبب ثلاثة عوامل؛ أولها تمركز المجلس حول ترامب شخصياً. وثانيها منافسة الأمم المتّحدة وتقويض دورها العالمي انطلاقاً من قطاع غزّة. وثالثها الإصرار على تغييب التمثّيل الفلسطيني في المجلس.

تتعلّق الملاحظة الثانية بتصاعد الحملة الإسرائيلية على وكالة "أونروا"، وتوظيف الدعم الأميركي اللامحدود، خصوصاً في ظل وجود الرئيس ترامب في البيت الأبيض، وسياساته في إشعال الحروب في المنطقة، بغية الإجهاز على الوكالة.

على الرغم من استمرارية المواجهة الّتي تخوضها الحكومة الإسرائيلية، بالتواطؤ مع الإدارة الأميركية، ضدّ وكالة "أونروا" منذ سنوات عدّة، فقد شهدت الحملات الإسرائيلية تصعيداً نوعياً بعد السابع من أكتوبر/تشرين الأول 2023؛ إذ اتهمت حكومة نتنياهو الوكالة الأممية بتجاوز تفويضها الإنساني وتوظيف أفراد متورطين في أنشطة "إرهابية"، كما اتهمتها بإدامة قضية اللاجئين الفلسطينيين ونشر محتوى "يحرض على الكراهية في مدارسها".

يبدو واضحاً أن إسرائيل لن تدخر فرصة للنيل من "أونروا"، عبر أدوات مختلفة، مثل تشريع قوانين تمنع الوكالة من العمل في المناطق الخاضعة للسيادة الإسرائيلية، ومنعها من العمل في مدينة القدس، ومنع السلطات الإسرائيلية من التعامل معها، والتضييق عليها في كلٍّ من الضفّة الغربية وقطاع غزّة، بالإضافة إلى ممارسة قوات الاحتلال جميع أشكال الاعتداءات على مؤسسات "أونروا" والعاملين فيها خلال حروبها على القطاع وعملياتها العسكرية المتواصلة في الضفّة الغربية، (ومنها على سبيل المثال: استهداف مقار الوكالة بتدمير المدارس والمراكز الصحية؛ واستهداف العاملين في "أونروا" في قطاع غزّة وقتلهم وإصابتهم واعتقالهم؛ إخضاع موظفي "أونروا" ومركباتها للتفتيش على الحواجز الإسرائيلية المنتشرة في مدن وقرى ومخيّمات الضفّة الغربية، وإعاقة تنقّلهم بحرية).

بدا لافتاً في سياق تصاعد الحملة الإسرائيلية على "أونروا"، إقدام سلطات الاحتلال على هدم مباني مجمع "أونروا" في حي الشيخ جراح (20/1/2026)، بدلالاته الرمزية/السياسية الثلاث، تهويد القدس، وإنهاء حق العودة، وإلغاء الهوية/ الوجود الفلسطيني من القدس.

تسارعت خطوات إدارة ترامب الثانية، على مدار عامي 2025 و2026، في دعم حكومة بنيامين نتنياهو، لتصفية قضايا قطاع غزّة وفلسطين ووكالة "أونروا"

تتعلّق الملاحظة الثالثة باحتمالات استمرار وكالة "أونروا" في ظل غياب البدائل الدولية لها، على الرغم من تزايد التحديات المالية والسياسية أمامها؛ في ظل ثلاثة عوامل متداخلة؛ أولها بروز إرهاصات فشل "مجلس السلام" في استقطاب التمويلات اللازمة لعمله، وتفكير إدارة ترامب، كما نقلت رويترز (15/5/2026)، في مطالبة إسرائيل بتحويل جزء من عائدات الضرائب الّتي تحتجزها عن السلطة الفلسطينية (أموال المقاصّة) إلى "مجلس السلام" الذي شكّله الرئيس ترامب، وذلك لتمويل خطته لمرحلة ما بعد الحرب في قطاع غزّة. وثانيها صعوبة الاستغناء عن خبرات وكالة "أونروا" الّتي راكمتها على مدار عقود، منذ تأسيسها بتوصية الجمعية العامة للأمم المتّحدة (رقم 302) في 8 ديسمبر/كانون الأول 1949، خصوصاً في ظل تردي الوضع الإنساني والمعيشي والصحي والبيئي، بعد قرابة ثلاث سنوات من حرب الإبادة الإسرائيلية على قطاع غزّة، وإحكام الحصار الإسرائيلي، الذي دفع منظّمة المطبخ المركزي العالمي (8/5/2025)، إلى وقف جميع عملياتها الإنسانية في قطاع غزّة، بسبب نفاد مخزون المواد الغذائية ووقود الطهي. وثالثها أن سياسات الرئيس ترامب في دعم حكومة نتنياهو باستهداف المجتمع الغزّي والفلسطيني بالإبادة والتهجير، واغتيال عناصر الشرطة الفلسطينية، وتشجيع ميلشيات من العملاء والخارجين على القانون، قد تفضي، في المحصلة النهائية، إلى "حالة فوضى/أو انفلات شامل" في قطاع غزّة، وربما في الضفّة الغربية أيضاً، على نحو يتزامن مع انزلاق منطقة الشرق الأوسط برمتها نحو سيناريو من "الفوضى الإقليمية الشاملة"، ما يعيد طرح الملف الفلسطيني على الأجندتين الإقليمية والدولية، أقله على الصعيدين الإنساني والإغاثي، خصوصاً في حال تصاعد التضامن العالمي مع مأساة الغزيين، والإصرار على تجويعهم وقتلهم وتهجيرهم، وتقاطر المتضامنين في تسيير أساطيل كسر الحصار عن قطاع غزّة، التي تؤدي دوراً مهمّاً في إعادة تسليط أنظار العالم نحو إبادة القطاع، على الرغم من الإصرار الإسرائيلي على منع وصول هذه الأساطيل.

تتعلّق الملاحظة الرابعة بمحدودية الدعم العربي لـ"أونروا"، وإحجام أغلب دول العالم، لا سيّما دول القارة الأوروبية، عن تحدي السياستين الأميركية والإسرائيلية تجاه قطاع غزّة وفلسطين عموماً، على الرغم من تصاعد مؤشرات تغير خطابات بعض الدول الأوروبية تجاه الانتهاكات الإسرائيلية، وإن لم ترقَ إلى مستوى سياسات جماعية للاتّحاد الأوروبي، خصوصاً بفرض العقوبات على إسرائيل وقطعان المستوطنين الذين يعيثون في الضفّة الغربية فساداً وقتلاً وتنكيلاً بالمواطنين الفلسطينيين.

واستطراداً في التحليل، يجب التأكيد على وجود قصور كبير في أداء السياسات الفلسطينية والعربية في دعم وكالة "أونروا"، على نحو قد يتطور إلى "تكيف رسمي عربي" مع الضغوط الأميركية والإسرائيلية في هذا الصدد، علماً بأن ثمّة ضرورة لتوظيف الأساس القانوني الدولي في الضغط على المواقف الإسرائيلية، خصوصاً بعد صدور رأي قانوني من محكمة العدل الدولية (22/10/2025) بضرورة حماية "أونروا" وعدم تعطيل عملها، والتأكيد على ولايتها، بالإضافة إلى قرار الجمعية العامة للأمم المتّحدة (5/12/2025)، تجديد تفويض وكالة "أونروا" لمدة ثلاثة أعوام، وذلك بتأييد 151 دولة من أصل 175 دولة شاركت في التصويت.

يبقى القول إن نجاح سياسة تصفية وكالة "أونروا" ليست "قدراً مقدوراً"، شريطة أن تتضافر الجهود العربية والدولية في الضغط لاستمرار الوكالة، التي تمثّل صرحاً قانونياً وسياسياً وإنسانياً لا غنى عنه، في تقديم الخدمات الإنسانية للاجئين الفلسطينيين، إلى حين الوصول إلى حلّ عادل للصراع العربي الإسرائيلي، يقوم على تنفيذ القرار الأممي رقم 194، وتمكين اللاجئين الفلسطينيين من حقّ العودة.